الفصل الأوّل: الغاية من إقامة العزاء لأهل البيت عليهم السلام

الإمام الخمينيّ: "ينبغي لنا جميعاً أن نعرف أنّ القضيّة ليست هي في طلب الثواب فحسب، ويجب أيضاً أن نوضح للناس، ونذكّرهم بأنّ مجالس العزاء ليست فقط ليقول أحدهم شيئاً، ويبكي الآخر"1.

الإمام القائد: "إنّ ذكر مصائب ومراثي أبي عبد الله عليه السلام، يعني تقديم الأسوة للناس، في كيفيّة إمداد المسيرة بالعطاء في سبيل الأهداف الكبيرة"2.

الأمر الأوّل - حفظ الإسلام وإحياؤه

الإمام الخمينيّ:
"..يجب أن تُقام مجالس العزاء, وعلى الخطباء وأرباب المنابر أن يسعوا جاهدين للإبقاء على ذكرى شهادة الإمام الحسين عليه السلام حيّة, وعلى الأمّة أن تسعى وبكلّ قوّة واقتدار لإبقاء الشعائر الإسلاميّة, ولا سيّما هذه المجالس نابضة بالحياة، فإنّ الإسلام يحيا بإحياء ذكرى شهادة الحسين عليه السلام,


13


 فما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه قال: "..أنا من حسين"3 معناه أنّ الحسين منّي وأنا أبقى حيّاً به، لأنّه يشكّل امتداداً لي".

"فلشهادة الحسين بركات جمّة لا يمكن إحصاؤها، مع أنّ أعداء الإسلام حاولوا, منذ القِدَم, محو آثارها من الوجود, وكانوا في صدد اجتثاث بني هاشم من الأساس: "لعبت هاشم..."4, فقد كانوا يخطّطون للقضاء على أساس الإسلام وتحويل الدولة الإسلاميّة، إلى مملكة عربيّة، ممّا جعل جميع المسلمين، عربهم وعجمهم، يتنبّهون إلى أنّ القضيّة ليست قضيّة عربيّة أو عجميّة أو فارسيّة، وإنّما القضيّة هي الله والإسلام".

"فعليكم أن تحفظوا هذه المجالس، فإنّ هذه المجالس والإجتماعات الدينيّة والإسلاميّة هي التي تحفظ الإسلام حيّاً في قلوبنا، فحافظوا على الجماعات وعلى الجُمعات، وحافظوا على الأعياد الإسلاميّة، وما فيها من شعائر, حافظوا على مجالس العزاء بنفس هذا الزخم العظيم الذي كنتم تؤدّونه، بل اجعلوها أعظم من ذلك"
5.

الإمام الخمينيّ:
"إنّ واجبنا جميعاً أن نحيي شهري محرّم وصفر بذكر مصائب أهل البيت عليهم السلام، فإنّ هذين الشهرين يحملان الكثير من الخيرات والبركات الدينيّة؛ لأنّ ذكر مصائب الأئمّة عليهم السلام بتلك الطريقة المتعارفة والتقليديّة، وقراءة المراثي هي التي حافظت على مذهب التشيّع وأبقته حيّاً إلى يومنا هذا, ولا تدعوا


14


 وساوس الشياطين تؤثّر عليكم حيث يقولون: نحن قمنا بالثورة فينبغي الآن أن نشتغل بقضايا هذه الثورة فقط دون ما كان قبلها، فإنّه قد أصبح من الماضي, إنّ شهر محرّم وشهر صفر هما اللذان حفظا دين الإسلام, ولذا ينبغي لنا الحفاظ على هذه التقاليد الإسلاميّة، وهذه المواكب الدينيّة المباركة التي نؤكّد عليها دائماً، ولا سيّما في يوم عاشوراء وفي محرّم وصفر وفي كلّ المناسبات المهمّة"6.

الإمام الخمينيّ: "إنّ العزاء لسيّد الشهداء هو لأجل حفظ نهج سيّد الشهداء، وأمّا الذين يقولون لا تقرأوا العزاء على سيّد الشهداء، فهؤلاء لا يدركون ما هو خطّ ونهج سيّد الشهداء, هؤلاء لا يدركون أنّ هذه المنابر والمجالس وذكر هذه المصائب مع لطم الصدور, منذ أربعة عشر قرناً, هي التي حفظت وجودنا وإسلامنا حتّى الآن، إنّ الذي أعاد الحياة للإسلام هو شيء واحد لا غير.. إنّ الإسلام يشبه تلك الوردة التي تُسقى بالماء دائماً لتحافظ على بقائها، وإنّ ذلك الماء الذي حفظ الإسلام، وحفظ نهج سيّد الشهداء هو هذه الدموع التي تُذرف في مجالس ذكر مصائب الإمام الحسين عليه السلام"7.
 


15


الأمر الثاني - إحياء النهضة الحسينيّة

الإمام الخمينيّ: "إنّ البكاء على الشهيد هو إحياء للنهضة ومتابعة للمسيرة، وقد ورد في الروايات: "أنّ من بكى على الحسين أو أبكى أو تباكى فله الجنّة"8 ، وذلك باعتبار أنّ من يبكي أو يحاول البكاء على الحسين عليه السلام فقد حافظ على تلك النهضة, نهضة الإمام الحسين عليه السلام، وقد حفظت مجالس البكاء هذه أمّتنا وشعبنا"9.

الإمام الخمينيّ: "لقد جاءنا اليوم من يقول: كفّوا عن هذه المجالس ولا تقرأوا العزاء! إنّهم لا يفهمون ماذا تعني هذه المجالس, ولا يعرفون ماهيّة هذا العزاء, ولا يعرفون أنّ نهضة الحسين عليه السلام هي التي مهّدت لنهضتنا هذه. إنّ نهضتنا هذه شعــــــاع من نهضــة عاشوراء. إنّهم لا يدركون أنّ البكاء في عـــزاء الإمـــام الحســــــين عليه السلام يُبقي مفهوم وقوف الفئة القليلة في مواجهة الإمبراطوريّة الكبيرة والعظيمة حيّاً. إنّه النهج العمليّ للإمام الحسين عليه السلام، وهو نهج للجميع: (كلّ يوم عاشوراء, وكلّ أرض كربلاء) ومعنى ذلك أن نحافظ على هذه النهضة في كلّ زمان ومكان, وبنفس الطريقة"10.

الإمام الخمينيّ: "هناك أمر يجب أن يكون واضحاً لدينا جميعاً, ثمّ نقوم بإيضاحه وإفهامه للناس, وهو أنّ القضيّة ليس في تحصيل الثواب فقط، إنّما القضيّة في أن نسير إلى الإمام ونتقدّم, فسيّد الشهداء عليه السلام لم يقدم على الشهادة طلباً للثواب، لأنّ الثواب لم يكن مهمّاً جدّاً لديه، فقد ذهب لينقذ الدّين


16


 ويدفع بالإسلام إلى الأمام ويحييه, وأنتم إذ تنوحون الآن وتتكلّمون وتخطبون وتنعون وتُبْكون الناس فيبكون, كلّ ذلك ابتغاء هذه الغاية، وهي أنّنا نريد أن نحفظ الإسلام بهذه الحيويّة والإستنهاض والبكاء والإنشاد والبيان مثلما حُفظ حتّى الآن, ويجب أن تتوضّح هذه المسألة للناس ويذكّروا بها، وهي أنّ مجالس العزاء ليست ليقول أحد شيئاً، ويبكي الآخر, فالقضيّة هي حفظ الإسلام بالبكاء وقد حُفظ, بل حتّى التباكي أيضاً عليه ثواب, ولكن لماذا؟ لأنّ التباكي يساعد هذا النهج الحسينيّ، فأولئك يُخطئون حينما يرون بعداً واحداً من القضيّة ولا يرون بعداً آخر، ومع الأسف فإنّ الإسلام يُبتلى دائماً برؤية بعد واحد منه"11.

الأمر الثالث - مواجهة ظلم الظالمين

الإمام الخمينيّ: "لقد قدّم سيّد الشهداء أولاده وأصحابه وأمواله وآماله وكلّ ما يملك قرباناً في سبيل الله، ومن أجل نصرة الإسلام ومقارعة الظالمين, وقد نهض بفئة قليلة في وجه إمبراطوريّة ذلك الزمان التي كانت أشدّ, وانتصر عليها وسحقها بدمائه الزكيّة وشهادته المباركة. ونحن أتباعه ومنذ ذلك الوقت، وطبقاً لما أمر به الصادق عليه السلام وأوصى به أئمّة الهدى عليهم السلام نسير على هديهم في إقامة مجالس العزاء, وننادي بهذا الأمر مقابل الظلم والظالمين, لقد أحيينا وأحيا خطباؤنا قضيّة كربلاء، وهي قضيّة مواجهة فئة قليلة- لكنّها تحمل إيماناً كبيراً- لنظام طاغوتيّ جبّار"12.

الإمام الخمينيّ: "إنّ رضا خان، وعناصر السافاك13 حظروا إقامة مجالس العزاء كلّها لهدفٍ وغايةٍ وهو لم يكن لديه مشكلة أصلاً,


17


ولكنّه كان مكلّفاً ومأموراً فعل ذلك من قبل من لديهم اطّلاع وخبرة، وهم الأعداء الذين قرأوا عنّا وطالعوا أحوال الشعوب وحال أمّة التشيّع، فتنبّهوا لهذه القضيّة ووجدوا أنّ هذه المجالس طالما هي قائمة، وهذا الرثاء لهذا المظلوم مستمرّ، وطالما أنّ ذلك التشهير بالظلم والظالمين باقٍ، فلن يستطيعوا أن يبلغوا مقاصدهم وأهدافهم. ففي عهد رضا خان تمّ حظر إقامة مجالس العزاء بحيث منع من إقامتها في جميع أنحاء إيران، وقد تمّ لهم ما يريدون، وكفّت أيدي أهل المنبر والعلماء ومنعوا من ممارسة دورهم التبليغيّ، وقام النظام بحملةٍ دعائيّةٍ وتبليغيّةٍ مضادّة، أدّت إلى تخلّفنا ونهب كافّة ثرواتنا"14.

الإمام الخمينيّ: "لقد ضحّى الإمام الحسين عليه السلام مع تلك الفئة القليلة التي كانت معه, بكلّ شيء فداءً للإسلام, ووقف في مواجهة أعتى الإمبراطوريّات وأعظمها, وقال: "لا", ونحن علينا في كلّ زمان وفي كلّ مكان أن نحفظ كلمة الـ: "لا" هذه, وإنّ إحياء هذه المجالس هو من أجل تحقيق هذا الأمر، وهو حفظ هذه الـ: "لا""15.

الإمام الخمينيّ:
"لا ينبغي أن يتخيّل جيل الشباب والناشئة أنّ القضيّة هي مجرّد بكاء أمّة،كما يحاول الآخرون (الأعداء) أن يصوّروه لكم, ويقولوا: أنتم أمّة البكاء, إنّهم في الحقيقة يخشون من هذا البكاء, لأنّه بكاء على المظلوم وصرخة في وجه الظالم، وتلك السواعد التي تخرج وترتفع إنّما قامت في مقابل الظالم، وعليكم أن تحافظوا عليها، إنّها شعائرنا الدينيّة، وهي شعائر سياسيّة يجب حفظها، فلا يخدعنّكم أولئك الأشخاص الذين يريدون-وتحت أسماء وعناوين


18


مختلفة لأهدافهم ومراميهم المنحرفة- أن ينتزعوا كلّ شيء من أيديكم، فهم يرون ويشاهدون أنّ هذه المجالس الحسينيّة التي تذكر مصائب المظلوم وجنايات الظالم، تقام في كلّ عصر لمقارعة الظالمين، إنّ هؤلاء غافلون عمّا قدّمته هذه المجالس من خدمات لهذا البلد ولدين الإسلام"16.


19



20


هوامش

1- صحيفة نور، ج 8، ص 71، بتاريخ 17/4/58 هـ. ش.
2- من كلام له خلال لقائه العلماء والمبلّغين على أعتاب شهر محرّم 20/4/70 هـ. ش.
3- المجلسيّ, بحار الأنوار، ج 43، ص 261.
4- كان يزيد (لعنة الله عليه) يضرب بقضيبه ثنايا أبي عبد الله عليه السلام ويقول:
خـــــبر جـــــاء ولا وحــــــــيٌ نــــــــزلْ لــعبــــت هــــاشــــــم بالمــلــــك فـــــلا
مـــــن بنــــي أحمــــد ما كــــان فعــــــــل لســــتُ من خنـــــــدفٍ إن لم أنتــــــــقم
(الطبرسيّ, الإحتجاج، ج 2، ص 307).

5- صحيفة نور, ج 13, ص 158, بتاريخ 14/ 8/ 59 هـ. ش.
6- صحيفة نور, ج 15, ص 302, بتاريخ 4/ 8/ 60 هـ. ش.
7- المصدر نفسه.
8- روي عن الأئمّة الصادقين عليهم السلام، قالوا: "من بكى أو أبكى غيره ولو واحداً ضمنّا له على الله الجنّة, ومن لم يتأتّ له البكاء فتباكى فله الجنّة".
9- صحيفة نور، ج 10، بتاريخ 30/7/58 هـ. ش.
10- المصدر نفسه.
11- صحيفة نور، ج 8، ص 71، بتاريخ 17/4/58 هـ. ش.
12- صحيفة نور، ج 10، بتاريخ 30/7/58 هـ. ش.
13- وهو جهاز المخابرات الإيرانيّة أيّام حكم الشاه البائد.
14- صحيفة نور، ج 10، بتاريخ 30/7/58 هـ. ش..
15- المصدر نفسه.
16- صحيفة نور، ج 10، بتاريخ 30/7/58 هـ. ش..