المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

نقطة انطلاق:
بعد الثناء على الله الذي لا يبلغ جليل نعمه وصف واصف، ولاتؤدي حقها أعمال العاملين إلا أن يقروا بالعجز عن ذلك... وله الحمد على أن قبل منا نحن العباد القاصرين أعمالنا وعلومنا ومعارفنا وتفضل بتنزيلها منزلة العبادة وأدرجها في ميزان الحسنات وإن كانت أمام عظمة مقامه وجزيل آلائه أقرب إلى أن تكون سيئات.

وبعد الصلاة على سيد الرسل والأنبياء المصطفى المختار النبي الأعظم محمد وعلى آله الأطيبين الأخيار.

نفضي إلى أن نسلم عليكم أصحاب السماحة والفضيلة والإخوة القائمين على مسؤولية التبليغ.

بين أيديكم أيها السادة اصدار جديد هو الخامس من سلسلة روضة المبلغين لعام 2015م الموافق 1437هـ الذي يقوم باصداره المركز الإسلامي للتبليغ.

وقد تعمدنا أن يحافظ الإصدار الجديد على النسق الذي جرت عليه الإصدارات السابقة من التنويع في الموضوعات المختارة من جهة المضمون وكذلك من جهة مستويات تناول هذه الموضوعات لعلمنا بالحاجة إلى كل ذلك التنوع في الإستفادة والإفادة في ميادين التبليغ.

عزيزنا القارئ،

صحيح أنه من أهدافنا في هذه الإصدارات رفد المبلغين والقارئين بما ينفع في زيادة الإطلاع والمعرفة، وتنمية المهارات والإضاءة على بعض الأمور ذات الأهمية التي لها محل في منتديات الثقافة والتي قد تكون محل جدل ونقاش في منتديات الثقافة والعلم.

إلا أنه ثمة بعداً آخر نتوخاه من هذه الإصدارات، على أننا لا نذيع بذلك سراً، وما نتوخاه إضافة إلى ما سبق أن أوردناه آنفاً، هو إظهار شيء من ألق الإسلام وفكره وقيمه ومبادئه وشريعته، وتسليط الضوء على عظماء هذا الدين في شتى الميادين من فقه، وعقيدة، وتأريخ وتفسير وفلسفة وعرفان إلى غير ذلك أولا ليظهر هذا الدين بجماله وجلاله، وتظهر آثاره في المصنوعين بهذا الدين وعظمائه على عين الله تعالى.

وليكون ذلك مصدراً لرفع الروح المعنوية عند أبناء الدين الإسلامي الحنيف في مواجهة الحروب النفسية، والناعمة وغير الناعمة، وكذلك ليكون باعثاً على الإقتداء بهؤلاء العظماء من نبي أو أئمة أو علماء أو عرفاء.

ولنا أن نقول أنه يكفينا أن يرانا الإخوة المهتمون والمبلغون أننا كنا اليد التي عملت على نقل كل ما سلف ذكره إلى مساحة أخرى من الضوء عسى أن يراها ذوو البصر والبصيرة وعسى أن يرانا السميع البصير.


والله الموفق إن شاء الله تعالى
والحمد لله رب العالمين

كلمة الإمام الخامنئي دام ظله حول التيارات المتشددة والتكفيرية في فكر العلماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا ونبينا المصطفى الأمين محمّد وآله الطّيبين الطّاهرين المعصومين وعلى صحبه المنتجبين والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين.

معاً في مواجهة التيّار التكفيريّ

إنّ التيّار التّكفيريّ، وإن لم يكن أمراً جديداً، حيث أنّه قد امتدّ عبر التّاريخ، وله سوابق تاريخيّة، إلّا أنّه قد اكتسب حياةً جديدة وقوّة إضافيّة في السّنوات الأخيرة، بفضل خطّة الاستكبار والأموال التي ضخّتها بعض دُول المنطقة، ومن خلال تخطيط بعض الأجهزة الأمنية والمخابراتيّة للدّول الاستعماريّة كأمريكا وإنكلترا والنّظام الصهيونيّ. وحركتنا يجب ان تكون لأجل المواجهة الشّاملة لهذا التّيّار، وليست منحصرة بما يُسمّى اليوم بداعش. إنّ التيّار المعروف اليوم بداعش هو أحد فروع الشّجرة الخبيثة للتّكفير ولا يمثّلها كلّها،إنّ هذا الفساد الذي قامت به هذه المجموعة وهذا الإهلاك للحرث والنّسل وكلّ هذا الإهراق لدماء الأبرياء هو جزءٌ من جرائم تيّار التّكفير في العالم الإسلاميّ ويجب أن ننظر بهذه العين إلى هذه القضيّة.

إنّني من قلبي أشعر بالأسف، لأنّنا نحن في العالم الإسلاميّ،الذين ينبغي أن نصرف كلّ طاقاتنا لأجل مواجهة الكيان الصهيونّي، ومواجهة هذا العمل الذي يتمّ ضدّ القدس الشّريف والمسجد الأقصى، والذي ينبغي أن يهزّ كلّ العالم الإسلاميّ، مضطرّون اليوم للانشغال بتلك المصائب التي أوجدها الاستكبار داخل العالم الإسلاميّ، ولا بدّ من ذلك. في الواقع، إنّ تناول قضيّة التّكفير هو أمرٌ فُرض على علماء العالم الإسلاميّ ونُخب وحكماء العالم الإسلامي أيضاً. إنّ هذا الأمر قد افتعله العدوّ كمشكلة للعالم الإسلاميّ، ونحن مضطرّون لمواجهته، في حين أنّ القضيّة الأساسيّة هي الكيان الصهيونيّ، وهي قضية القدس، وهي قضيّة القبلة الأولى للمسلمين والمسجد الأقصى، هذه هي القضيّة الأساسيّة.

التيّار التكفيريّ في خدمة الاستكبار

هناك نقطة لا يمكن إنكارها وهي أنّ تيّار التّكفير، والحكومات التي تدعمه وتحميه، إنّما تتحرّك كلّها باتّجاه النّوايا المبيّتة للاستكبار والصّهيونيّة، وإنّ كلّ ما يفعلونه إنّما يخدم أهداف أمريكا والدّول الاستعماريّة الأوروبيّة والكيان الصّهيونيّ المحتلّ، والشّواهد على ذلك تجعل الأمر قطعيّاً. إنّ للتيّار التّكفيريّ ظاهرا إسلاميّا، لكنّه من النّاحية العمليّة ليس سوى خدمة للتيّارات الاستعماريّة والاستكباريّة والسّياسيّة الكبرى التي تعمل ضدّ العالم الإسلاميّ.

مهمّات كبرى:

يوجد عدّة مهمّات كبرى يجب أن تُنجز ولا يمكن الغضّ عنها:
- نهضة علميّة

أحدها هو تشكيل نهضة علميّة ومنطقيّة شاملة من قبل جميع علماء المذاهب الإسلاميّة من أجل اقتلاع تيّار التّكفير، ومثل هذا الأمر لا يختصّ بمذهبٍ دون آخر، فعلى جميع المذاهب الإسلاميّة التي تتحرّق من أجل الإسلام، وتؤمن به وتحرص عليه أن تشارك في تحمّل هذه المسؤوليّة، يجب القيام بحركةٍ علميّةٍ عظيمة. لقد قام أولئك، تحت شعارهم الكاذب باتبّاع السّلف الصّالح، بالنّزول إلى هذا الميدان. يجب أن نثبت براءة السّلف الصّالح ممّا يرتكبه هؤلاء ومن تلك الحركة التي يجرونها، وذلك وفق المنطق الصّحيح ومنطق الدّين. ويجب عليكم أن تخلّصوا الشّباب، فهناك مجموعة وقعت تحت تأثير هذه الأفكار المضلّة وهؤلاء المساكين يتصوّرون أنّهم يقومون بأعمالٍ صحيحة، فأصبحوا مصداق هذه الآية الشريفة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (الكهف، 103 – 104). يتصوّرون أنّهم يجاهدون في سبيل الله، وهؤلاء هم الذين سيجيبون يوم القيامة ربّهم قائلين: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (الأحزاب، 67 – 68). هؤلاء هم المصداق لهذه الآية. فالذي قام بقتل عالمٍ مسلمٍ كبير في مسجد دمشق هو أحد هؤلاء، والذي يقوم بذبح المسلمين تحت حجّة الانحراف عن الدّين هو من هؤلاء، وذاك الذي يرتكب المجازر بحقّ الأبرياء في باكستان وأفغانستان وبغداد والمدن المختلفة للعراق وفي سوريا ولبنان، هو من هؤلاء الذين سيقولون يوم القيامة، ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب، 67 – 68).

وفي موضعٍ آخر من القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ (الأعراف، 38)، فالله تعالى لا يقبل منهم قولهم ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ، بل يقول: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ، فالتّابع والمتبوع في العذاب: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ، فيجب تخليص هؤلاء، يجب تخليص هؤلاء الشّباب، وهذا يقع على عاتق العلماء، فالعلماء متّصلون بالمحافل الثّقافيّة وبجماهير الشّعب، يجب عليهم أن يسعوا لأنّ الله سبحانه وتعالى سيسألهم يوم القيامة عمّا فعلوا، فيجب عليهم أن يقدّموا، هذا عملٌ.

- كشف حقيقة دعم السياسات الإستكباريّة
العمل الثاني الذي يُعدّ مهمّاً جدّاً هو كشف دور السّياسات الاستكباريّة لأمريكا وإنكلترا، فيجب توضيحها وكشفها، ويجب أن يعلم العالم الإسلاميّ كلّه ما هو دور السّياسات الأمريكية في هذا المجال، وما هو دور الأجهزة المخابراتيّة لأمريكا وإنكلترا والكيان الصّهيونيّ في إحياء تيّار الفتنة التّكفيريّ، يجب على الجميع أن يعلموا هذا، ويجب أن يعلموا ما الذي يفعله هؤلاء ولأجل أيّ شيء، فالتّخطيط منهم، والدّعم منهم، والتّوجيه أيضاً يصدر منهم، كما أنّ المال يُضخّ من قبل عملائهم، أي الحكومات الموجودة في هذه المنطقة التي تدعم بالمال وتجرّ هؤلاء إلى سوء العاقبة وتوجد للعالم الإسلاميّ كلّ هذه الصّعاب، فمثل هذا يُعدّ أمراً ضروريّاً أيضاً ويجب أن يُنجز.

- الاهتمام بالقضية الأساس

العمل الثّالث الذي يجب أن يتحقّق حتماً هو الاهتمام بقضيّة فلسطين، فلا تسمحوا أن تُنسى قضيّة فلسطين والقدس الشّريف وقضيّة المسجد الأقصى، فهذا ما يريده هؤلاء، إنّهم يريدون أن يغفل العالم الإسلاميّ عن قضيّة فلسطين، وها أنتم ترون اليوم كيف أنّ مجلس وزراء الكيان الصهيونيّ قد أعلن في هذه الأيّام يهوديّة دولة فلسطين، فقد أعلن أنّ فلسطين هي دولة يهوديّة، وقد كانوا يتابعون هذا الأمر ويسعون إليه قبل مدّةٍ طويلة، وها هم اليوم قد حقّقوه علناً، وذلك على غفلةٍ من العالم الإسلاميّ وشعوبه. ونجد أنّ الكيان الصّهيونيّ مستمرٌّ في احتلال القدس الشّريف والمسجد الأقصى، وإضعاف الفلسطينيّين أكثر فأكثر، فيجب التوجّه إلى هذا الأمر، ويجب على جميع الشّعوب أن تطالب حكوماتها بقضيّة فلسطين، ويجب على علماء الإسلام أن يطالبوا دولهم وحكوماتهم لأجل متابعة القضيّة الفلسطينيّة، فمثل هذا يُعدّ من المسؤوليّات الأساسيّة المهمّة.

- العدوّ ضعيف!

وأقول لكم أيضاً أيّها الإخوة الأعزّاء: لا تخيفنّكم هيمنة أمريكا، فالعدوّ ضعيفٌ! إنّ عدوّ الإسلام وهو الاستكبار، أصبح أضعف من أيّ وقتٍ مضى طيلة الحقبات الماضية، عبر مئة سنة ومائة وخمسين سنة، إنّكم ترون دُول أوروبّا الاستعماريّة: تعاني من المشكلات الاقتصاديّة والسّياسيّة والأمنيّة وكل أشكال وأنواع المشاكل، وإنّ أمريكا أسوأ منها، فهي تعاني من المشكلات الأخلاقيّة والسّياسيّة ومن الأزمات الماليّة الشّديدة، وسمعتها كقوّة عظمى تزداد انحداراً يوماً بعد يوم في كلّ العالم، وليس في العالم الإسلاميّ فحسب، بل في كلّ العالم. وهذا الكيان الصّهيونيّ قد أصبح أضعف بكثير من السّابق، هذا الكيان الذي كان يُطلق شعار من النّيل إلى الفرات، ويعلن ويصرّح بأنّ كلّ المنطقة الواقعة بين النّيل والفرات هي له، لم يتمكّن من احتلال الأنفاق الفلسطينيّة طيلة خمسين يوماً في غزّة، هوذا الكيان نفسه الذي أعمل كلّ قوّته طيلة الخمسين يوماً لكي يتمكّن من تخريب الأنفاق الدّاخليّة لحماس والجهاد والفلسطينيّين واحتلالها وتدميرها لكنّه لم يتمكّن، هو ذا الكيان نفسه الذي كان يقول من النّيل إلى الفرات، انظروا كيف اختلف الأمر، وكم أصبح ضعيفاً.إنّ مشاكل وأزمات أعداء الإسلام كثيرة، لقد فشل أعداء الإسلام في العراق، وكذلك في سوريا، وقبلها في لبنان، وهكذا كان مصيرهم في المناطق المختلفة، ولم تتحقّق أهدافهم، وأنتم ترون أمريكا ومعها كلّ الدّول الأوروبيّة الاستعماريّة تجتمع لمواجهة الجمهوريّة الإسلاميّة وتُعمل كلّ إمكاناتها في قضيّة الملف النوويّ من أجل إخضاع الجمهوريّة الإسلاميّة، ومع ذلك لم يتمكّنوا ولن يتمكّنوا من ذلك، هذا هو ضعف الجبهة المقابلة. وأنتم بمشيئة الله سوف تزدادون قوّةً يوماً بعد يوم، فالمستقبل لكم ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ (يوسف، 21).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته