تأثير الحضارة الإسلامية في عصر المعلومات ـ والاتصالات

تتحدث هذه المقالة عن تأثير الحضارة الإسلامية في عصر المعلومات ـ والاتصالات. ولهذا فإنّ من الجيد والمنطقي أن تبدأ بالتحليل وتنتهي بالتركيب، بمعنى أن تبدأ أولا بتحليل المفردات والكلمات المذكورة في العنوان وتفسيرها وذكر معانيها، ومن ثمّ تبيّن المعنى الذي يحصل من تركيبها، ولهذا نبدأ من كلمة "التأثير":
التأثير
التأثير هو ما يضمن تحقّق النتائج الخارجية للشيء ـ من قبيل: "الحضارة، والدين، وسلطة الأخلاق، والنظام الاقتصادي، والثورة الثقافية، و..." ـ وثباتها وقوتها واستمرارها على المدى الطويل. وبملاحظة المعنى المذكور يُعلم أنّ للتأثر هوية قابلة للتغيّر، ونتائج قابلة للتحقق، وتترافق هويته القابلة للتغيّر هذه مع الأمور التالية:
1- التدريج: وهو يعني أنّ تأثير الهياكل التنظيمية، والمعايير، والقيم، والآراء، والأنظمة، و... يتحقق بنحو تدريجي وفي إطار زماني. ومن هنا لا يمكن لأي نظام أن يعيش هذه التجربة بشكل آنيّ، لا سيما وأنّ خصوصية كهذه تقتضي ملاحظة الموانع والاستعدادات والظروف الخارجية المرتبطة بالتأثير، وقبول أنّه لا معنى للتأثير إلا في بيئة مليئة بالموانع.


17


2- المنهجية: يمكن بيان المراد من هذا اللفظ من خلال أحد معنيين:
أ- كلّ شيء ـ الدين، الحضارة، الاقتصاد، و...، ـ يحتاج على مستوى التأثير إلى دائرة ومساحة خاصة وواضحة وظاهرة يظهر فيها تأثيره، بحيث إنّ البحث عن التأثير خارج هذه الدائرة لن يكون سوى كلام بلا فائدة.

ب- كما أنّ للتأثير ارتباطاً قويّاً بظهور دائرته ووضوحها، فإنّ له ارتباطاً كذلك بالمبادئ والقواعد والمعايير المقبولة والحاكمة، بمعنى أنّ المبادئ والقواعد والمعايير الخاصّة تكون حاكمة على تأثير أيّ شيء من الأشياء، إلى درجة أنّ المحافظة عليها وتفعيلها في قسم أو مرحلة غير مناسبة سوف يؤدي إلى تأثير عكسيّ، فمبدأ التراكم1، والتمركز2، والإنتاج بمعدلات عالية جدّاً، ومطابقة المنتجات، والتخمين، و... مثلاً هي من مبادئ الحضارة الصناعية، ومضافاً إلى تناسبها مع مستوى التطوُّر التكنولوجي في هذه المرحلة هي من الأمور اللازمة أيضاً والضرورية لنموّ الحياة الاجتماعية والعلمية والاقتصادية و... وبقائها، ولكنّ الاستفادة منها في مرحلة ما بعد الصناعة، وبقاءها واستمرارها تستتبعُ نتائج عكسيّة. وهذا يعني أنّ أيّ مؤسّسة ومنظمة إنتاجية أو خدميّة وإدراية إذا استفادت في مرحلة ما بعد الحضارة الصناعية في الميادين الاقتصادية والتعليمية والتنظيم من المبادئ المهيمنة على


18


الحضارة السابقة من قبيل: "مبدأ التراكم، والإنتاج بمعدلات عالية جدّاً، ومطابقة المنتجات، و..." فلا بد وأن يسير تأثيرها في الميادين المذكورة سيراً تنازليّاً. وعلى هذا الأساس فإنّ الحفاظ على المنهجية بالمعنيين المذكورين يجعل التأثير ثابتاً.

3- تبديل المكوّنات:
يمكن اعتبار التخطيط والنظام من أهمّ مكونات التأثير، وما يدلّ على التبدل أنّ التخطيط والنظام متغيّران ويقبلان التكامل. ومن هنا فإنّ برنامجاً ذا نظام قابل للتطوّر لا يمكن له أن يحافظ على عملية التأثير على المدى الطويل، ولتحقيق هذا الأمر المهمّ يبدو أنّ إعادة دراسة البرامج والأنظمة أمر لازم ومنطقيّ.

نتائج التأثير القابلة للتحقُّق:
ليس التأثير أمراً معلَّقاً في الهواء ليقع الحديث عنه منفرداً، بل إنّ شيئاً ما لا بدَّ وأن يضاف إليه دائماً، فيقال مثلاً: تأثير الحضارة الإسلامية، وتأثير الحضارة الغربية، وتأثير الديمقراطية وحكومة الشعب و... . وبشكل دقيق فإنّ هذه الإضافة هي ما يجعل التأثير يتجه إلى إثباتها، وبالطبع فإنّ ما يسعى التأثير إلى إثباته يشمل مجموعة كبيرة من الأمور يمكن بيانها ضمن محورين عامَّيْن هما:

4- الحقيقة:
وقد بُيّن هذا العنصر في القرآن الكريم بأعذب لسان، وذلك حيث حطَّم النبي إبراهيم عليه السلام جميع الأصنام إلا كبيرهم الذي علّق الفأس في رقبته، وعندما عاد المشركون وواجهوا هذا الحدث اضطربوا بشدة وتعجبوا، وسألوا إبراهيم الخليل سؤالاً مباشراً: ﴿قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ3؟ فأجابهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ4، وبهذا الحوار أثبت إبراهيم أنّ دين التوحيد الذي


19


 حمل رسالته على عاتقه هو الدين الحقّ، وذلك من خلال لسان المؤثرية ومنطقها، لأنّ النبيّ إبراهيم عليه السلام وبنفي قدرة الصنم على التكلم وعجزه عن الدفاع عن نفسه يبطل كونه حقّاً وذلك في أهم دائرة تأثير لعبادة الأصنام، ويُحيي في الوقت نفسه فكرة أنّ الدين الوحيد المؤثر هو الدين القائم على أساس الاستدلال والمنطق والقوى العملية.

5- العقلائية:
مضافاً إلى أنّ المؤثرية تُستقى من العقلائية، فإنها تثبتها أيضاً، فكما أنّ المؤثرية هي حصيلة الجهد العقلي للبشر فإنّ كلّ أمر مؤثر هو مقبول عقلاً أيضاً وله توجيهه العقلائي.

الحضارة

قيل الكثير في معنى "الحضارة" والمراد بها، وإن لم يصل إلى كثرة ما قيل في المراد "بالثقافة". ويرى بعض العلماء من قبيل العلماء الألمان في القرن التاسع عشر أنّ "الثقافة" و"الحضارة" مقولتان منفصلتان عن بعضهما بشكل كامل، وهم يعتقدون أنّ "الحضارة" تبيّن المعلومات المادية للجهود البشرية، أما "الثقافة" فتبرز النتائج المعنوية والفكرية. في حين أنّ بعضاً آخر يعتقدون أنّ الحضارة والثقافة شيء واحد، يقول هانتنكتون: "تشير الحضارة والثقافة إلى الطريقة العامة لحياة جماعة من الناس، والحضارة هي الثقافة في محيط أكبر"5. ويرى آخرون أنّ الحضارة هي نتيجة للجهود الثقافية، حيث يقولون: "الحضارة هي نتيجة عملية خالصة وخاصّة من الإبداع الثقافي الذي يشكّل ثمرة عمل جماعة خاصّة من الناس"6، أو "الحضارة هي المصير الثقافي الذي لا يمكن اجتنابه"7. وهناك من يعتبر الحضارة جذراً وأساساً ومبيِّناً لعمل الأسباب الأصيلة


20


في الحياة الفردية والاجتماعية، منهم العلامة الشيخ محمد تقي جعفري الذي يقول: "الحضارة هي البنية المنسجمة للناس في الحياة العقلية مع علاقات عادلة، ومساهمة جميع أفراد المجتمع وفئاته في تحقيق الأهداف المادية والمعنوية على جميع الصعد الإيجابية"8. وعلى أيّ حال، فإنّ من المسلّم به في المقام حضور عنصر الثقافة في جميع التعاريف المطروحة للحضارة.

وبعبارة أخرى: لا يمكن الحديث عن الحضارة بدون الحديث عن الثقافة، لا سيما إذا اعتبرنا الثقافة مجموعة من الجهود الباعثة على رُقيّ البشر، ففي هذه الحالة يصبح الفصل بين الحضارة والثقافة أمراً صعباً جدّاً، لكنّ ذلك ليس من حيث إنّ الثقافة منتجة للحضارة أو مبيِّنة لها، بل بسبب وحدة الأجزاء الهيكليّة لهما، مثل: العلم، والتكنولوجيا، والفكر، والمعتقدات، والقيم، والدين، والعادات، والتقاليد، و...، وبكلمة جامعة بسبب الكلّ المتشكّل من المادي والمعنوي "المعنوي بمعناه الشامل".

الحضارة الإسلامية

بعد المعرفة الإجمالية التي حصلنا عليها عن الحضارة، يمكن بيان المراد بالحضارة الإسلامية بأنها "ما يبيّن منهج الحياة، وطريقة العيش، ويوضّحهما ويدعمهما ويبنيهما داخل نظام علمي مفتوح، من أجل إنتاج الإنسانية".

والأديان التوحيدية ـ لا سيما الدين الإسلامي المقدّس ـ تنتج نظاماً مفتوحاً للحياة وتبنيه، وهو ما لا يشاهد في أيّ مدرسة فلسفية أو علمية أخرى. وأجزاء هذا النظام الحيوي هي: الله + الإنسان + الدنيا + الآخرة. وتشكل محورية الله، والتفكير بالآخرة، وارتباط الإنسان بالله، والدنيا بالآخرة إحدى خصائص الحضارة الإسلامية، ولهذا أدخلنا قيد "الباني" في تعريفها.


21


أمّا الحضارة الغربية فهي تهتم بالجزءَيْن المتوسّطين فقط من هذا النظام أي "الإنسان" و"الدنيا"، وترفدهما بنظام خاصّ لإنتاج الثروة والمال، وهو ما يشير إليه تافلر حيث يقول: "الحضارة... تشير إلى منهج للحياة مرفق بنظام خاصّ لإنتاج الثروة "زراعي أو صناعي"، وفي الوقت الحاضر هو نظام يقوم على أساس العلم أو هو نظام علمي"9.

وقد استعيض في تعريف الحضارة الإسلامية عن القيد الأخير الوارد في تعريفها وفق الرؤية الغربية بقيد "نظام علمي منتج للإنسانية"، وهذه القيود الثلاثة هي بالدقة ما يميّز هاتين الحضارتين من بعضهما ويفرّق بينهما.

وأمّا أخذ قيدي "الموضِّح والداعم" في معنى الحضارة الإسلامية فيدلُّ على أمرين:
الأول: قبول الإسلام لجميع الإنجازات والعطاءات البشرية الأصيلة في الميادين المختلفة من الحقوق، والإدارة، والصناعة، والتكنولوجيا، والعلم، والخدمات، والصحّة، والسياسة، والاقتصاد، و... ممّا يقع في إطار خدمة الناس وتنمية المجتمع البشري وتكامله.

الثاني: اكتساب هذه الأمور معناها بوضعها في إطار الحضارة الإسلامية، وإلا ففي غير هذه الصورة سيسقط الجزء المتوسّط من الحضارة الإسلاميّة ـ الإنسان والدنيا ـ وهو ما يؤدي بشكل قهري إلى تدمير النظام المذكور بأكمله. ويدلّ على ما تقدم عن الحضارة الإسلامية مجموع الآيات التالية:
1- ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ10.

2- ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ11.


22


3- ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ12.

حيث إنّ هذه الآيات تحدّثت بوضوح عن الإيمان بالله، ومحورية الإنسان، والاتجاه العلمي، وطلب الدنيا، والسعي للآخرة، وارتباط هذه الأمور ببعضها، وهذا من الأعمدة الأساس في الحضارة الإسلامية.

وهنا سؤال: هل للقول بتأثيرٍ للحضارة "الحضارة الإسلامية" معنى؟ وهل هو قول منطقي؟

إنّ أفضل طريقة للإجابة عن هذا السؤال هي بيان بعض خصائص "الحضارة"، لنرى أين هي الحضارة الإسلامية منها؟

خصائص الحضارات

لكلّ حضارة أصيلة ـ دينية أم غير دينية ـ خصائص معينة:
1- قابلية التكامل: لا تمكن الإشارة إلى حضارة من الحضارات على مرّ تاريخ الحياة البشرية كانت كاملة منذ ولادتها. فعملية التكامل تبدأ في إطار استمرار الحياة، والتعامل مع الحضارات الأخرى، والجهد الفني والتقني والعلمي والأخلاقي والمعيشي والحكومي و... المستمر للناس، وستبقى هذه العملية مستمرة ما دام الإنسان موجودّا. ولهذا فلا يمكن لأية حضارة "لا سيما فيما يرتبط بالدنيا والإنسان" أن تدّعي أنّ دورتها التكاملية قد انتهت، وأنها طوت جميع مراحلها.

2- قابلية التوسُّع والانحسار:
الحضارة بما تشتمل عليه من عناصر جذب وما تقدمه من جهد بشري شامل فإنّ أجزاءها في ميادين الاقتصاد والمجتمع والخدمات من قبيل العلم والتكنولوجيا والدين يمكن أن تتمدد إلى خارج محلّ


23


نشوئها، لتغطي مساحات من الناس المختلفين من حيث اللون، والمستوى الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، والفكر، وذلك من قبيل الحضارة الإسلامية التي بسطت جناحيها خارج حدود شبه الجزيرة العربية "الحجاز" باتجاه أوروبا وأمريكا وآسيا ...، أو الحضارة الغربية المتغلغلة والحاضرة في العديد من الجغرافيائيات الطبيعية والحياتية.

كما يمكن لحضارة ما أن تنحصر في مكان نشوئها، لعدم توفر الخصائص التي ذكرت فيما تحمله من أجزاء، وهو ما يؤدي بعد مدة قصيرة إلى انحسار دائرة تأثيرها ونفوذها.

3- قابلية الزيادة والنقصان:
كلّ حضارة قد تتضخم وتزداد من حيث البنية الداخلية وقد تتقلّص وتقلّ في مسيرها التكاملي وطريقة تعاملها مع الثقافات والحضارات الأخرى والتبادل الذي يحصل بينها وبينهم، فقبول الحضارة الإسلامية مثلاً للتكنولوجيا الحديثة أو قبول الحضارة الغربية للاعتقاد بالآخرة والمعنوية يؤدّيان إلى ازدياد حجم كل منهما عما كان عليه قبل القبول.

4- التعرض للفناء:
تتعرّض بعض الحضارات إلى الفناء والانعدام بعد مدة من الزمن على أثر الظواهر الجغرافية أو المعرفية أو الفنية أو الاقتصادية أو الاعتقادية أو ...، كما هو الحال اليوم بالنسبة إلى العديد من الحضارات القديمة، حيث إنّه ومن بين أكثر من إحدى وعشرين حضارة عُرفت عبر التاريخ فإنّ ما تبقى منها هو سبع حضارات كبرى أو ثمانٍ فقط.

5- عدم قبول الزوال:
ليس المراد من عدم قبول الزوال عدم قبول الفناء، إذ قد مر أنّ كلّ حضارة يمكن أن تتعرّض للفناء يوماً ما، بل المراد أنّ الحضارة هي من قبيل منهج الحياة، وهذا يعني أنّه ما دامت الحياة البشرية موجودة على وجه الأرض فإنّ الحضارة سوف تستمرُّ وتبقى، وإن كانت ستجرّب أشكالاً مختلفة.


24


6- الديناميكية: جميع خصائص الحضارة تدريجية، بمعنى أنّ الظهور، والتآكل، والزيادة و... من الخصائص هي أمور تحصل بالتدريج وخطوة خطوة، وبناءً عليه فإنّ للحضارة هوية ديناميكية.

وبملاحظة هذه الخصائص المذكورة للحضارة فإنّ عبارة "تأثير الحضارة" لا تجد معنى فقط، بل إنّ فهم هذه الخصائص نفسها يصبح ممكناً إلى جنب مقولة "التأثير"، فالتأثير من أهم مبادئ تحقُّق هذه الخصائص ومكوّناتها.

خصائص عصر المعلومات والاتصالات "مجتمعات المعلوماتية"

ومع أنّ عصر المعلومات والاتصالات قد وُلد وأمضى ردحاً من عمره، ويوماً بعد يوم يزداد استيلاؤه وهيمنته، إلا أنّه لم تتحقّق حتى الآن هويته الكاملة وآثاره ولوازمه، بل سوف تظهر أجزاؤه الخفية وتكتمل صورة وجهه الناقصة بمرور الأيام، وسيكشف الستار عن إنجازاته الجديدة الخاصّة. ولهذا السبب لا يمكن القيام بتقييم جامع وشامل لخصائص هذا العصر، لكنْ من الممكن بيان الخصائص التي وجدت فيه حتى اليوم، وهي على الشكل التالي:
الأولى: تطوّر العقل البشري وازدهاره وهيمنته، لا سيما في مجال العلم والتكنولوجيا العلمية.

الثانية: التعددية الفكرية والمنهجية وكثرتهما، أي أن هذا العصر لم ينتج مناهج وأفكاراً مختلفة ومتنوّعة فحسب، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث إنّ التعددية والكثرة تدخلان في تنظيم الميادين المختلفة للحياة البشرية، إذ ليس من منهج أو فكر فوق النقد والمراجعة، فجميع المناهج والأفكار تتعرّض على حدّ سواء للتصفية والتنقية دائماً وفي كل مكان، لتعود كاملة في النهاية. والنتيجة القهرية والمنطقية للتعددية المذكورة هي ولادة العقل الجمعي، والالتزام به، ونبذ الديكتاتورية الفكرية والمنهجية.


25


الثالثة: لازم ولادة العقل الجمعي والثقة به واحترامه هو اتساع رقعة المساهمة والرقابة ومشاركة الناس في جميع الأعمال الحياتية والتنافس عليها، وذلك في الدائرة الأعم من الأمور السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والتقنية، والأخلاقية، والثقافية، والدينية، و.... ومن هنا تعتبر المنافسة، والرقابة، والمشاركة، والمساهمة، و... من الحقوق الرئيسة والحيويّة للإنسان في هذا العصر.

الرابعة: يشكّل العلم والمعلومات مصدراً للقوة والسلطة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية...، وهي تعمل كملاك ومعيار لقبول المجتمع للأمور ورفضها، ولهذا ففي الساحة السياسية مثلاً يستولي العلماء والمفكّرون والخبراء الفنيّون على السلطة السياسية، وفي الساحة الاقتصادية يجني المدراء مداخيل أكثر من أصحاب رؤوس الأموال، وفي ميدان المنافسة والعمل فإنّ السَبْق والفوز يكون من نصيب من يملك علما أكثر ومعلومات أوسع ومبوّبة. وقبل أن يكون العمل الإنتاجي مرتبطاً بالقوة العضلية والطاقة الفيزيائية فإنه يستند إلى القوة الفكرية والطاقة العلمية.

الخامسة: تعدد أبعاد المساعي والجهود الخدمية والإدارية.

السادسة: السرعة في المعاملات، والتبادلات، والارتباطات، وازدياد التوجه إلى القيم ما وراء المادية "المعنويّة" من قبيل البيئة، والرفاهيّة العامّة، و....

وتشكّل الخصال المذكورة المحاور الكلية والأساس لخصائص عصر المعلومات والاتصالات. وعرض نماذج أخرى جزئية ومصداقية، وتفصيل أعمال الخصائص المذكورة، وبيان آلياتها في الميادين السياسية، والاقتصادية، والتعليمية، والبحثية، والخدمية، والصحية، والثقافية، ومجال الدين، والعلم، واللغة، والفنّ، و... خارج عن الهدف الذي كُتبَتْ هذه المقالة من أجله.


26


آلية تأثير الحضارة الإسلامية في عصر المعلومات
يعتبر عصر المعلومات والاتصالات أحد مظاهر الحضارة الغربية، وهو يشكّل حالة أجنبية عن الحضارة الإسلامية، وإن كان لمكوناته الأساس جذور فيها أو يعثر على جذور لها فيها، ولهذا يمكن للحضارة الإسلامية أن تتكيف مع هذا العصر.

هذا، وبسبب الخصائص والوظائف والحقوق الجديدة التي أوجدها هذا العصر للإنسان من قبيل حقه في إقامة العلاقات مع الآخرين، وحقه في إنتاج الرسالة التي يريد نشرها، وحقه في الوصول إلى مصادر المعلومات وغيرها الكثير من الحقوق فإنه يعتبر من الحاجات الأساس للحياة الإنسانية، ولا يمكن حذفه من دائرة الحياة البشرية. وهنا يكمن السرّ في اختراقه الحادّ والسريع لها. ولا يعني هذا طبعاً كون هذا العصر خالياً من النواقص، وأنه أكثر مراحل حياة البشر مثالية.

وبملاحظة المسألتين المتقدمتين فإنّ هذا العصر قد دخل الحضارة الإسلامية، وسيدخلها كالموج، أو أنّ الحضارة الإسلامية ستسير نحوه مضطرة. وبشكل طبيعي فإنّ من شأن هذا العصر أن يحقّق تزاوجاً بين الجزءَيْن الأساسيّين لنظام الحضارة الإسلامية أي "الإنسان والدنيا" و "الاعتقاد بالله والآخرة"، وهو ما يمنع من نمو هذا العصر بشكل غير متواز، وبروز آثار غير صحيحة له من قبيل الخوف من المعنوية، والشعور باليأس. وبهذا ستقدم الحضارة الإسلامية مجدداً خدمة عظيمة للبشرية. ولا شكّ في أنّ هذه الخدمة ستكون مرهونة بمدى تأثير هذه الحضارة في عصر كهذا. وبناءً عليه فإنّنا من الآن فصاعداً سنعمل على توضيح مكوناتها وآلياتها، فنقول: يقوم تأثير أيّ شيء من الأشياء على ثلاثة مكوّنات أو مبادئ، ومن الطبيعي أنّ الحضارة الإسلامية لكي تكون مؤثرة يجب أن تتوفر هذه المكوّنات في داخلها وهي:


27


المكوّن الأول: تحديد الأهداف
تشمل هذه الدائرة مجموعة واسعة وكبيرة من الأهداف، إلا أنه يمكن بيانها من خلال ثلاثة أهداف جامعة فقط، ومن ثَمَّ متابعة البحث، وهي:
1- الأهداف النهائية.
2- الأهداف المتوسِّطة.
3- الأهداف الأوليّة أو القصيرة الأمد.

وهذه الأهداف الثلاثة موجودة في الحضارة الإسلامية أيضاً: فالهدف النهائي للحضارة الإسلامية هو تثبيت أعمدة المجتمع الإنساني الإلهي، وهدفها المتوسط تأمين الحقوق الإنسانية والإلهية في ظل نظام حقوقي، في حين أنّ هدفها الأولي هو توفير العدالة الاجتماعية ونشرها. وإذا غضضنا النظر عن أنّ الأمرين الأخيرين يحملان بعداً هدفيّاً إلا أنهما يعملان في بعض المراحل بوصفهما طريقيَنْ وصول إلى الهدف النهائي.

المكوّن الثاني: الجهوزية للتكيّف مع سائر البيئات والظروف

يشمل هذا المكّون عمليتين اثنتين:
1- عملية الاختراق والتأثير.
2- عملية القبول والجذب.

أمّا عملية الاختراق والتأثير فتعني أنّ الحضارة الإسلامية يجب أن تقدّم رسالتها بنحو تتمكن معه من اختراق العالم المعاصر وعصر المعلومات لتقع مورداً للقبول. وهذا الأمر يرتبط بأسلوب العرض وعمق الرؤية التي تحملها الرسالة، ومع عدم مرافقة هذين الأمرين لعملية الاختراق والتأثير فإنّ هذه العملية ستبقي عقيمة.

وأمّا عملية القبول والجذب فهي تعني أن تقبل الحضارة الإسلامية الواقع


28


العملي والمنطقي والحياتي لمجتمع المعلوماتية، وتغرسه في بنيتها، ومن ثَمَّ تتابع حياتها معه.

وتعتبر الجهوزية والقدرة على استيعاب العمليتين السابقتين، والانسجام معهما من الخصائص المهمة لعصر المعلومات ـ والاتصالات، إذ إنّ نموَّهما كان بارزاً جدّاً في هذا العصر. وتعتبر تقوية الأمرين السابقين ونشرهما بوساطة تكنولوجيا المعلومات ـ والاتصالات، والتنكولوجيا الحيوية والنووية و... من أهمّ أسباب انتشار الحضارة الغربية، وكون أهل المشرق يعرفون عن شخصيات الغرب وتعاليمه وقيمه وإنجازاته أكثر مما يعرفون عن تراثهم الثقافي الخاصّ بهم.

ورغم أنّ هذا المكوّن بعنصريه لا يتمتع في الظروف الموضوعية والتقنية الحالية للمجتمعات الإسلامية بتطوّر يستحقّ الانتباه، إلا أنه ومن الناحية المبنائية ذو جذور عميقة في الحضارة الإسلامية، وتجربة التاريخ الإسلامي إلى القرنين الخامس والسادس تؤكد هذا العمق، يقول تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ13، ويقول: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ14، ويقول: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ15، ويُستفاد من هذه الآيات ما يلي:
ألف: وجوب تحلّي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ـ سواء أكان فرداً أم جماعة أم مجتمعاً ـ بالفضائل الأخلاقية، والسلوكية، والمعرفية، و... .


29


ب: طرح الرسالة في نظام حرّ ومفتوح، والاستفادة من نماذج عملية موجودة بشكل كامل في الخارج.

ج: وجوب اشتمال الرسالة على قضايا ونتائج جديدة وناجعة، وذلك بغضّ النظر عن وجوب كونها متنوعة من حيث بُعدُ الرؤية أيضاً.

د: وجوب وقوع الرسالة مورداً للنقد، وعدم استعمال أي نوع من أنواع الضغط والقوة في عرضها وطرحها، بل يجب الاهتمام برفع مستوى المعرفة، ليشكل بجدّ رافعة للقبول الواعي والحرّ.

ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء16 ويقول: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى17، وتُستفاد من الآيتين السابقتين النتائج التالية:
هـ: وجوب إنتاج الأسباب والأدوات والعلل التي يتوقف تطور الحياة الإنسانية عليها وتطويرها وتنميتها وجعلها تتكامل، ولا فرق في ذلك من حيث المجتمع الذي توجد فيه "دينيّاً كان أم غير ديني" أو الأشخاص الذين ينتجونها "مسلمين كانوا أم كفاراً"، بل يجب تقبّلها بوصفها واقعيات حياتية، والعمل على حفظها وتطويرها.

و: ارتكاز الحياة الإنسانية بشكل أساس على سعي الإنسان "الفكري ـ الجسدي" وعمله، ومن هنا تجب تهيئة الأرضية الحقوقية والأمنية والتقنية لهذا السعي، وأن يقع ما ينتج منه مورداً للتقدير، ويُستفاد منه بالشكل الأفضل.

وبملاحظة هاتين الطائفتين من الآيات الكريمة يمكن استنتاج أنّ الحضارة الإسلامية تهتمّ بنحو خاصّ بانسجامها وتكافئها وتطابقها مع أي بيئة وظروف


30


كمنهج معتمد من قبلها للتأثير.

أمّا الآن فنشير إلى بعض ما كان، وما هو موجود الآن، وإلى الأحداث المنطقية والعملية، وفي الوقت نفسه إلى الحياة التي نواجهها في عصر المعلومات والاتصالات، ومن ثَمَّ نظهر منزلتها في الحضارة الإسلامية:
الأمر الأول

يمتاز هذا العصر بحضور العقل البشريّ في الساحة والذي تظهر آثاره من خلال العلم والتكنولوجيا الحديثة بنحو شفّاف جدّاً وكبير، إلى درجة أنّ هذين الأمرين - العلم - والتكنولوجيا - هما أكثر مكونات عصر المعلومات والاتصالات تأثيراً.

وحيث إنّ العلم والتكنولوجيا يغطيان جميع مساحات الحياة مع اختلاف من حيث القلَّة والزيادة من مكان إلى آخر، وقد أثرا بشكل مذهل في الأبعاد المختلفة لحياة الإنسان وزواياها، فقد قدّما وظائف اجتماعية وخدمية وبنيوية كبيرة جدّاً، وهو ما أدّى ببعضها إلى إبراز التأثير العملي للدين في ميادين الإدارة والاجتماع والاقتصاد والتقنيات و... محدوداً.

هذا، ودخول العلم الحديث والتكنولوجيا العلمية "تكنولوجيا المعلومات، والتكنولوجيا البيئية، والحياتية، والفضائية، والنووية، و..." إلى الساحة ووجوب حضورهما فيها مما لا مناص منه، وهو يشكل أمراً حيويّاً على مستوى تطوير الحضارة الإسلامية وتأثيرها.

ومن هنا فإنّ احترام العقل البشري والثقة به، ومعرفة دائرة تأثير عمل الإسلام والاعتراف بذلك، وكذلك العلم والتكنولوجيا، كلُّ ذلك يشكل سرّ تأثير الحضارة الإسلامية في عصر المعلومات والاتصالات. لا سيما وأنّ هذه الحضارة تمتلك القدرة الواسعة والجهوزية للتكيف مع أيّ بيئة وظروف من أجل تنمية العقل البشري وتطويره. ويمكن إثبات هذه الدعوى المهمة بدليلين:


31


الدليل الأول: التجربة التاريخية الناجحة للحضارة الإسلامية في تربية العقل البشري والثقة به.
من الواضح للجميع أنّ الحضارة الإسلامية كانت حتى القرن الخامس الميلادي بل السادس منه فجر العقل الإنساني وعينه الزاخرة، فالابتكارات والإبداعات التي حصلت في الحضارة الإسلامية على مستوى العقل البشري بدّلتها إلى حضارة راقية، ومنتجة وأصيلة، ومن الآثار القهرية لذلك تنمية العقل البشري، ويمكن التمثيل لذلك بما "يظهر من فرق بين الجبر الهندي والجبر الإسلامي في طريقة حلّ المعادلات الرياضية من الدرجة الثانية، وتفسير علامة التضعيف، فحلّ ذلك عند الهنود تحليلي، وعند المسلمين هندسي. مضافاً إلى وجوب التنبه إلى أنّ هذا الحلّ الهندسي جميل جدّاً، ويجب تقديمه للآخرين بوصفه أحد إنجازات العلماء المسلمين"18.

كما أنّ الجرَّاح المسلم المبدع أبا القاسم الأندلسي المولود سنة 1013 م هو مثال آخر على ذلك، حيث قالوا فيه: "كان يدرّس طلاب الجراحة ثلاثة أنواع من تخييط المعدة هي: طريقة "أومشلونكن نات" و "كورشنرنات" و "اخترنات". وكان يدرّس طريقة خياطة محلّ الجراحة بإبرتين وخيط واحد، وطريقة الخياطة بخيط كان يصنعه بنفسه من أمعاء القطط، وهو أول من أوصى بخياطة محلّ الجراحة وبشكل عام بجراحة ذلك الموضع من البدن الذي يقع تحت الصرة، وكان يوصي بجعل حوض الخاصرة والأرجل فوق مستوى الصدر، وكان هذا النحو من جعل الحوض والأرجل معروفاً بين الجرَّاحين الأوروبيين باسم "ترندلن بورك"، وهو ما تعلّمه الغرب من مكتشفه الإسلامي مباشرة...، إلا أنهم وفي النهاية سمّوه في أوائل القرن العشرين باسم الجراح الألماني الكبير "فريدريش


32


ترندلن بورك" (1844 - 1924م)، وأمّا العالم الإسلامي الذي كان يستحق ذلك فلم يفكر به أحد"19.

ولا تسعى هذه المقالة إلى التركيز على الماضي، بل إلى بيان وضع الحضارة الإسلامية وعملها في العصر الراهن والمستقبل، والتجربة التاريخية إنما ذكرت بوصفها دليلاً، دون إرادة عرض إنجازات الماضي، بل السعي إلى وقوع التجربة المذكورة وتكرارها في العصر الحديث، لا سيما وأنه سيكون للعقل البشري دور أساس في أية حضارة حالية أو مستقبلية وذلك على هيئة العلم والتكنولوجيا.

الدليل الثاني: لسان النصّ وأصول الحضارة الإسلامية "القرآن، وسيرة الأئمة".

المراد من الدليل الثاني بيان ما للعقل البشري بما يحمله من خصائص في عصر المعلومات والاتصالات من منزلة في النصوص الدينية، ويمكن بيان انسجام الحضارة الإسلامية مع العقل البشري من خلال الصور العديدة التالية:
الصورة الأولى: يشكل العلم والمعرفة مصدراً للحركة في الحضارة الإسلامية وداعماً لها، والجميع يعلم أنّ هذه الحضارة تبدأ من "اقرأ" و "علَّم"، حيث يقول تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ20. والمنهج المختار والمستفاد منه لإيجادها وتحققها واستقرارها متلائم مع العقل بشكل كامل، لأنه ينطلق من المبادئ التي تبني الرؤية الكونية ومعرفة الإنسان أولاً، ومن ثَمَّ يُبلّغ رسالته رويداً رويداً حسب الأبعاد والمستويات المعرفية والقيمية والأخلاقية والغريزية والسلوكية... التي يمتلكها الفرد والمجتمع الإنساني وسعتها، يقول تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى


33


النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً21، ويوضح المسائل الاجتماعية، والقانونية، والحكومية و... واحدة بعد الأخرى ويبينها.

ويبتني هذا المنهج بكامله على التعاطي المنطقي والهادئ والحرّ دون استخدام شيء من القوة والإجبار، يقول تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ22، ويقول أيضاً: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ23. ففي الحضارة الإسلامية الناشئة من القرآن الكريم لم تستعمل القوة والسلطة مطلقاً من أجل إدخال الآخرين في دائرة هذه الحضارة، يقول العلّامة الطباطبائي: "والإسلام إنما استعمل السيف وشهر السلاح على الظالمين الذين لم يقتنعوا بالآيات والبراهين، استعمل القوة في وجه من وقف حجر عثرة في سبيل الدعوة إلى الحقّ، أجهز السلاح لدفع شرّ المعاندين لا لإدخالهم في حظيرة الإسلام، يقول جلّ شأنه: (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة)"24.

مضافاً إلى أنّ هذه الحضارة تحمل رسالة للإنسانية، لا إلى القومية أو اللغة أو العرق أو الثروة و...، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ25، ويقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ26.

فعصر المعلومات ـ والاتصالات ناشئ من العلم والمعرفة ومستند إليهما، وهذا


34


هو المنهج المقبول فيه والمجدي والمطابق للهوية الواقعية والعملية له، والبعيد عن القوة، والمنسجم والمترافق مع المنطق والحرية، على الرغم من عدم إمكان إنكار أنّ عدة من المجتمعات المولودة فيه وعلى خلاف هويته الواقعية تستعمل القوة والإجبار وتمارس الديكتاتورية، ففرنسا مثلا تمنع من تعلم الطالبات المحجّبات بالحجاب الإسلامي، وأمريكا تدافع علنا عن السلوك غير الإنساني لإسرائيل ضدّ المسلمين، و.... فالرسائل والقيم العملية المؤثرة في هذا العصر والتي كان يجب أن تُنتج ستكون خاصة بالإنسانية، وإلا فلن يبقى هذا العصر على قيد الحياة.

وبناء عليه فالحضارة الإسلامية من حيث المبنى والمنهج ومضمون الرسالة هي من أرقى الحضارات وأكثرها تأثيراً في عصر المعلومات ـ والاتصالات، لكن بشرط العمل مجدداً بالمباني والمنهج والرسالة كما وردتْ في القرآن الكريم، وتجلَّتْ وتحقَّقتْ في سيرة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم.

الصورة الثانية:
إنّ احترام العقل البشري والثقة به لمن الحقائق الأخرى الموجودة في هذا العصر، ولحسن الحظّ فإنّ الحضارة الإسلامية قد اهتمت اهتماماً خاصّاً بهذين الأمرين، واحترام العقل فيها صار سبباً لانهيار معادلة التساوي بين العلم وغيره "الجهل" وإخفاقها، ومن المؤكد أنّ هذا الاختلال في المعادلة يجعل الموقف القانوني، والإداري، والاجتماعي، والإنساني لكل منهما مختلفاً، ومن هنا فإنّ القرآن الكريم ينفي التساوي ابتداء، حيث يقول تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ27، ومن ثَمَّ يعرب عن أنّ توزيع المسؤولية يكون على أساس الكفاءات ومعايير التنمية، حيث يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ28.


35


وقد شجّع الإسلام وحثّ بجدية على التفكير والتعقل، وحدد لذلك ميادين مختلفة من التفكير في طبيعة الإنسان، والوجود والدنيا، وتاريخ البشرية وسيرتها، و...، ولازم هاتين المقدمتين:
1- شمول العقل البشري بمعناه العام للعقل العلمي، والتقني، والفلسفي، والديني، و...، وهو ما ينمّي نحواً من العمل الجمعي، لأنّ تعدد ميادين التفكير والتعقل يتطلب أن لا يعمل العقل على منوال واحد، بل أن يفكر في كل مسألة وموضوع، بل أن يفكر في المسألة الواحدة من زوايا مختلفة، وفي كل زاوية بطريقة خاصة بها.

2- التشجيع والحثّ على التعقل في الميادين المختلفة إنما يكون ذا معنى ومفيداً إذا كانت هناك ثقة بمنجزات العقل البشري، وهو ما يستلزم العمل بها، وإلا فإنّ هذا الحثّ والتأكيد سيكون بلا ثمرة، يقول تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ29، ويقول: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ30، ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا31، ومن الآيات الكريمة التي ذكرت ومن مثيلاتها الكثيرات الموجودات في القرآن الكريم تفهم بشكل جيد سعة دائرة العقل وتنوعها.

الصورة الثالثة:
من الطبيعي أنّ كلّ ظاهرة تتحول إلى حالة صنمية فإنها لن تستمر ولن تكون مؤثرة، لأنّ صنميتها تحولها إلى ظاهرة ساكنة وراكدة. والعقل البشري ليس خارجاً عن هذه المعادلة، ولهذا فإنه وفي أيّ وقت يتحول فيه العقل إلى ما يشبه الصنم والأحفور فإنه سيتبدل إلى ضده، وتتهيأ مقدمات موته.


36


وعصر المعلومات والاتصالات وبعد التأثير الواسع والشامل الذي فرضته تكنولوجيا الاتصال الجماعي والتكنولوجيا الحيوية و... على فكر الإنسان ومنهجه فإنه لا يتلاءم أبداً مع التوقف والصنمية، لأنّ هذا العصر من حيث البنية وآليات العمل هو عصر منتج للعقل الجمعي أو مقوٍّ له، وظهور العقل الجمعي يعني أن العقل البشري عملية ديناميكية قابلة للنقد والتوسُّع والتكامل مع كونه محدوداً في الوقت نفسه. ومن الطبيعي أنّ كلّ حضارة لا تعتني بهذه الخصوصية لن تصل في هذا العصر إلى أيّ مكان، والنصّ التالي يكشف سرّ الترقي والديناميكية في هذا العصر حيث يقول: "... من قبيل الراديو، والتلفزيون، والعديد من وسائل الإعلام الأخرى التي تضخ كمّاً هائلاً من المعلومات في المجتمع، والتي تؤدّي في الواقع إلى تنشيط الذهن وتكون كالطاقة بالنسبة له...، وبعضهم من قبيل: الفنانين، والمصممين، وجميع المبدعين في المجتمع يستلهمون من هذا النشاط ويبدعون، وتتبلور إبداعاتهم بصور مختلفة"32.

والإسلام الذي يعطي الحضارة الإسلامية شكلها قد خالف صنمية العقل الإنساني وتحجره أكثر بكثير من مخالفة عصر المعلومات والاتصالات لها، وببيان الإسلام الأشكال المختلفة للعقل، والمنفصلة عن بعضها فهو يعتبر العقل البشري عنصراً حال التطور، قابلاً للنقد والتوسّع والخطأ، كما أنه يقبل الحدّ في الوقت نفسه، فالإمام علي عليه السلام يتحدث عن عدم قبول عملية تطور المعرفة البشرية للانتهاء وذلك من خلال هذه العبارة الجميلة حيث يقول: "من ادعى من العلم غايته فقد أظهر من جهله نهايته"33، وهذا الكلام يثبت قبول العقل البشري


37


للنقد، مضافاً إلى قابليته للتكامل أيضاً، لأن التكامل لا يحصل دون المرور بالنقد، فبعد النقد وتشذيب الزوائد ينضج العقل وينمو ويتكامل.

ويعتبر نشر المعرفة والعلم والمعلومات ـ وهو ما أوجد حقوقاً من قبيل: حقّ الإنتاج، والنشر، والحصول على المعلومات ـ من عناصر مجتمع المعلوماتية، ويمكن فهم هذا العنصر من الكلام الراقي للإمام علي عليه السلام الذي يقول فيه: "شكر العالم على علمه أن يبذله لمن يستحقه"34، واللطيف في هذا الكلام أنه يرى العلم من قبيل أي حقّ من الحقوق قابلاً للتوزيع والاستفادة منه، فللجميع الحقّ في تبادل المعرفة، والتعلم والتعليم، ولهذا فإنّ من الضروريّ العمل والسعي الدوليّ، لإيجاد وبناء نظام حقوقي دوليّ ينتج هذا الحق الإنساني بعدالة. وفي كلام الإمام علي عليه السلام أيضاً ما يبيّن العقل البشري بأقسامه الواسعة مثل: العقل التجريبي، والعلمي، والأداتي، والفلسفي، والديني، ويوضح في الوقت نفسه العقل التجريبي بطريقة خاصّة، حيث يقول: "العقل الإصابة بالظن ومعرفة ما لم يكن بما كان"35. ومن كلامه في العقل التجريبي والاستنتاج غير القياسي قوله: "ليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلا في ثلاث: مرّمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرَّم"36، ومن كلماته في العقل الديني والعقل العلمي قوله: "العقل حفظ التجارب"37، وقوله "العقل غريزة تربيها التجارب"38.

وعلى هذا الأساس فإنّ الحضارة الإسلامية وبقبولها الوحدة والاتساق وإنتاج مكونات عصر المعلومات والاتصالات في داخلها فإنها ستكون في عصر المعلومات والاتصالات حضارة مؤثرة وديناميكية.


38


الأمر الثاني
إن تكثر الحق والحقيقة واختلافَهما ـ لا بمعنى نسبية الحقيقة ـ هو العنصر الآخر من عناصر عصر المعلومات والاتصالات. وهذا الاختلاف حاصل بفعل تكنولوجيا الاتصالات المتطورة وتبادل المعلومات الذي يحصل عبرها، من خلال: الصحون اللاقطة، والشبكة العنكبوتية، والحواسيب التي لها - مضافاً إلى وظيفة الحساب - وظيفة إنتاجية وخدمية في الساحات الصناعية والمعرفية، والتلفزيونات الإلكترونية و... . ولا مفرّ من هذا الاختلاف والتكثر، لأنّ التكنولوجيا المذكورة تجعل الأفكار المختلفة، والمناهج، والقيم، والثقافات المتعددة في مقابل بعضها في فضاء واحد وبيئة كذلك، ومن الطبيعي حينئذٍ أن تخلق هذه المواجهة تحديات مستعصية.

والطريقة الوحيدة للحؤول دون حصول ذلك هي قبول اختلاف الحقّ والحقيقة وتكثرهما. وليس ذلك مشروعاً قصير الأمد وعابراً، بل هو حقيقة على مستوى نظرية المعرفة والرؤية الكونية، لأن لهذا الاختلاف والتعدد جذوراً فيهما، وهما ينبعان منهما. وبهذا يمكن أن تولد حضارة في هذا الجوّ وهذه البيئة وتقدم معطياتها وتنشر العنصر المذكور وتنميه. وقد عاشت مناهج وأفكار ومعتقدات مختلفة في الحضارة الإسلامية ولسنوات متمادية في إطار نظام نشط، ولم يكن هذا الأمر ليحصل إلا في ظل مباني الإسلام في معرفة الإنسان والرؤية الكونية.
هذا، وقد وقع الحديث في الإسلام عن الحقائق المعرفية والمنهجية والوجودية إلى جانب الحديث عن الحقّ الواحد والكامل والنهائي وفي ظلّه، يقول القرآن الكريم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ39، ففي هذه الآية الشريفة ذُكر "الله" على أنه الحقّ الأعلى والحقيقة


39


المطلقة، وبالتالي فإنّ أية حقيقة تُعتبر أعلى منه وأكمل سواء أكانت على صورة المعبود أم غيره فهي ليست شيئاً سوى الباطل.

وهذا الكلام لا يعني نفي تعدد الحقّ وكثرته في مراتب وميادين أخرى، لأنه قد وردت في القرآن الكريم أمور مختلفة، مثل: القول الحق، والعمل الحق، والمنهج والطريق الحق، والخلقة الحقة، والعذاب الحقّ، والقتل الحقّ، ...، والملكية، والرئاسة، والقوة، والفكر، و...، ويقوم التعدد والاختلاف المذكور على مبنيين أكد القرآن الكريم عليهما كثيراً، وهما:
1- الرؤية الكونية "Ontological".
2- نظرية المعرفة "Epistemological".

فالرؤية الكونية الحقّ ومعرفة الحقيقة في مدرسة القرآن والإسلام تقودنا إلى الحقوق الكثيرة والمختلفة، لأنّ الإسلام قد تحدّث عنها، حيث يقول تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ40، ويقول: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ41، ويقول: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ42، ويقول: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ43، ويقول: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)44، ويقول: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ45. وقد اعتبر القرآن الكريم في الآيتين الأخيرتين المنهج الذي استخدمه بعضهم لتحصيل المال وتوسعة المعيشة الدنيوية باطلاً. ومن الطبيعيّ أنه يعتبر منهج إعمار الحياة الدنيوية


40


وتنميتها الذي يتمتع بالاستقرار والنتائج المنطقية والعملية والدينية حقّاً.

وحاصل نظرية المعرفة التي اهتمّ القرآن الكريم بها هو تعددية الحقّ وكثرته، إذ قد وردت في القرآن الكريم مناهج مختلفة، وأسباب كثيرة للمعرفة، والتي يلزم منها قبول الحقوق المتعددة والمختلفة، فالمنهج الحسي ـ التجريبي الذي يستعمل في البحث والمعرفة يثبت وبشكل طبيعي حقائق ووقائع تتطابق مع الحسّ والظاهر، أمّا منهج القياس الاستنتاجي والاستدلال البرهاني فإنه يفترض الظواهر العقلية ويبيّنها، وطريق الشهود والتلقّي الداخلي يثبت حقائق من سنخه أيضاً. وليس من المنطقي أن تستعمل مدرسة واحدة مناهج مختلفة للمعرفة، وأن تحثَّ الناس على فهمها والعمل بها، ثم لا تعترف بالحقائق والوقائع المختلفة والمتكثرة.

هذا، وقد أكد القرآن الكريم كثيراً على إنتاج مناهج مختلفة للمعرفة وسبل العيش. ومن الطبيعيّ أن يكون ما ينتج من العمل بها والاستفادة منها، وهو الحقائق والوقائع المختلفة في الميادين المتعددة للحياة، مقبولاً من جانبه ومرضياً. وهذا لا يعني بالطبع قبول جميع النتائج الحاصلة منها على الرغم من قبول الوقائع والحقائق المختلفة، وإلا فلا بدَّ حينئذٍ من الاعتراف بوقوع التناقض في القرآن الكريم، والحال أنَّ ساحته المقدسة منزّهة بالنصّ الصريح عن ذلك.

ومن هنا فإن القرآن الكريم، وإلى جنب المناهج الحسية ـ التجريبية، والعقلية، والشهودية يعترف بحقائق من سنخ كلٍّ منها، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ46، فهذه الآية الكريمة تفيد أنه يتعرف على المنافقين من خلال الظواهر الفيزيائية التي تظهر على وجوههم ومن خلال الكلام، ويقول: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ


41


أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ47، حيث بيّنت هذه الآية كيفية التعرف على الفقر ـ الذي يشكّل ظاهرة فيزيائية ـ عن طريق التغيّرات الكيفية والكمية الفيزيائية الظاهرة على وجه الشخص الفقير بل المجتمع الفقير، ويقول أيضاً: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ48. ويُستفاد من هذه الآية الكريمة:
1- وجوب النظر إلى الدنيا وكيفية خلقها وعملها.
2- عدم كون النظر مشاهدة سطحية، بل شموله للكثير من المناهج المعرفية "المنهج الفلسفي، والفني، والعلمي، والتقني، و..."، ولهذه المناهج مخرجات حول الدنيا حتماً.
3- التأكيد على التعرف على كيفية الخلق وعمل أجزاء نظام الدنيا، والمنهجُ الوحيد القادر على سبر هذا الغور بشكل جيد هو المنهج العلمي بالمعنى المعاصر، وقد قدَّم هذا المنهج إلى الآن إنجازات، وقوانين، ونظريّات، ومن حيث المجموع فقد قدّم حقائق مختلفة وكثيرة حول آلية الخلق وعمل النجوم والكواكب والدنيا.

ويقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا49، ويُستفاد من هذه الآية الكريمة:
1- أنّ المعاملات والعلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والأنظمة الناتجة منها والتي ظهرت على طول الحياة الاجتماعية للبشر هي محل للبحث بوصفها مصدراً للمعرفة.


42


2- يحتاج البحث في هذه الأمور إلى منهجين هامين على الأقلّ، هما:
ـ المنهج العقلي.
ـ المنهج التجريبي ـ الحسي.

3- يحقّق هذان المنهجان من مناهج البحث مجموعة من الحقائق المختلفة في الساحات المذكورة، وأهمّ دليل على ذلك وضع القوانين والقواعد المختلفة الحاكمة على طريقة تغيّر "التطوّر ـ التخلف" الحياة والتاريخ والمجتمعات البشرية، وما أفرزته من أمور ثقافية وحضارية والتي لا يمكن اعتبارها باطلة بأجمعها.

وقد اتضح ممّا ذُكر حتى الآن أنّ المجتمع الإسلامي متعدد البيان والمنهج، وليس ذا بيان واحد ومنهج كذلك، وهذه الحقيقة متبلورة بشكل كامل في سيرة الأئمة وأقوالهم، وهو ما يعبِّر عنه أُسوةُ العلم والقيم عليُّ بن أبي طالب عليه السلام حيث يقول: "فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يُتَحفَّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة"50.

وعلى هذا الإساس فإنّ المجتمع الإنساني يقترب من المجتمع الإنساني الإسلامي بمقدار تطوره، ويُظهر تأثير الحضارة الإسلامية الأصيلة بشكل أكبر.

وهنا أرى لزاماً عليّ أن أذكر بأن ليس نتيجة القول بتكثر الحقّ والحقيقة واختلافهما وفق المبنيين المذكورين قبولَ المذهب النسبي أو النسبية المطلقة، بل لا يُراد منه ذلك، والكلام في هذا المجال كثير، يجب التعرُّض إليه في فرصة أخرى.


43


المكوّن الثالث: ترشيد الطاقات
يُطلَق ترشيد الطاقات على عملية معرفة الطاقات والقدرات والموارد "البشرية وغير البشرية"، وتنميتها، والاستفادة الفضلى منها. ومن الطبيعى أنَّ تحقَّقَ هذه الأمور تابعٌ لسلسلة من التغيّرات من قبيل: الظروف الاقتصادية، والعلمية، والنفسية، و....

ومن هنا فلا بدَّ من وجود مكوِّنات وآليات خاصة في المجتمعات المختلفة، والمراحل المتعددة لتطور الحياة البشرية كي يتحقق ذلك. ولا يخفى أن التنبه لهذه الأمور يُعتبر في حد ذاته من المسائل القيّمة جدّاً في عملية ترشيد الطاقات.

وقد عُرف هذا العنصر الثالث في عصر المعلومات ـ والاتصالات بوصفه من المكونات المفتاحية. ويكمن الدليل على ذلك في تحوّل الأمور إلى آلية وميكانيكية، وظهور صيغ جديدة اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وإدارية، و... ناشئة من التغيّرات الحاصلة في هيكل المجتمع وبناه التحتية، والتي تؤدي إلى استبدال مكوّنات طبقات اجتماعية وعناصرها وإنتاج أخرى، من قبيل: تبدل مناصب السياسيين والرأسماليين إلى مدراء وتقنيين وعلماء، وهو ما يؤدي إلى تبدل المعرفة ـ العلم، والمعلومات، والتقنيات ـ إلى أداة لإنتاج المجتمع وبناه التحتية.

وعلى هذا الأساس فإنّ سرعة إنتاج المنتجات الثقافية والاقتصادية والسياسية والعلمية التقنية ومقداره مرتفعان، ومتنوّعان، وقابلان للزيادة، والمناهج القابلة للتغير والتجديد متعددة وكذلك الأفكار هي بدورها متعددة أيضاً. ولا شك في أنّ تنظيم جميع هذه الطاقات والقوى الجديدة والمتغيّرة والاستفادة منها بشكل أفضل هو أمر صعب، لكنه حيوي في الوقت نفسه.

وفي عصر كهذا إنما يمكن للحضارة الإسلامية أن تكون حاضرة في ساحة


44


العمل والتنظيم المؤثر فيما إذا نجحت في ترشيد الطاقات بالمعنى المذكور. وهذا النجاح مرهون بآليات معينة، من جملتها:
1- السرعة والمنافسة

وهما من مميزات العصر الحديث، ومن سمات السرعة والمنافسة ارتكازهما على العلم والتكنولوجيا. ولكي تتمكن الحضارة الإسلامية من المشاركة في المنافسة والازدهار يجب أن تنعش بنيان المنافسة البناءة في الدائرة التي تغطيها، وتحافظ على حيويته. ويظهر حسن المنافسة في أنها تؤدّي إلى الشراكة أولاً، وتبدّل الطاقات الكامنة والقدرات على مستوى واسع إلى طاقة "محركة ـ ناقلة" وحرارة ودوافع ثانياً. والناتج الطبيعي لهذه العملية هو التنمية الشاملة وتأمين الحاجات وهو المصداق الواضح لترشيد الطاقة.

وقد جعل الإسلام إلى جنب مبدأي المنافسة والسبق خصوصيّتاهما أي "المنطقية" و "البنّائية"، وبهذا تحصل السرعة مع كمال الرضا، وهذان الوصفان مطلوبان إلى درجة أنّ المنافسة بدونهما لن تكون سوى شيءٍ قبيحٍ وهدَّام، ولهذا السبب ففي كلّ مورد ذُكرت فيه المنافسة رافقتها هاتان الخصوصيتان، ففي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ51 أمر الله بالسبق في الخير، كما منع عن استعمال الألفاظ القبيحة في مواجهة الكافرين، حيث يقول: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ52، ودل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ53 على انفتاح عملية الحوار والتي لازمها عرض الأفكار والمناهج المخالفة والموافقة، ومن ثَمَّ انتخاب الفكر البرهاني من بينها، وكلُّ هذه الأدلة تحكي عن إنسان منطقي ومنافسة


45


بنّاءة، وهما من التوابع المفقودة أو الضعيفة والغريبة ـ بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ في الواقع الخارجي لعصر المعلومات والاتصالات.

وكذلك فإنّ الآيتين الكريمتين: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ54 و﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ55 تعتبران السرعة في توجيه المنافسة ممّا يتناسب مع الوقت الحاضر. وعلى هذا، فالمنافسة السريعة والبنّاءة لها منبع إسلامي تصدر عنه، وهي تُعتبر حاجة حيوية للتقدم في عصر المعلومات.

2- التوازن

والمراد بالتوازن أن تكون الآليات الحاكمة في حياة البشر متناسقة، ومتكافئة، ومحققة للإنتاج والتنمية والتطوُّر. ومن الطبيعي أنه وبعد تحقق التوازن في المكونات والعناصر الحياتية يحصل التعادل، وهو بنفسه يشكل أرضية لسلام دائم وأمن شامل. وما دام التعادل غير حاصل فلن يتحقق الأمن الشامل والتنمية الإنسانية التي تتطلب الاستفادة الفضلى من جميع الطاقات والقدرات وتنميتها.

وبناءً على هذا، فإنّ إيجاد التوازن يمثّل أهم آليات تأثير الحضارة الإسلامية، بل أية حضارة أخرى. وهو يتمتَّع بمكانة عالية، إلا أنّ من المؤسف أنّ كلاً من الحضارة الإسلامية الحاضرة والحضارة الغربية هما عرضة للضرر في هذا المجال. والأدلة العلمية ـ المنطقية والتاريخية تؤكد وتثبت أنّ التنمية غير المتوازنة تقلل من ميزان التأثير، لا سيما في الظروف التي تعمل فيها الجهود الفكرية والتقنية، بل حتى الاعتقادية والدينية، على شكل نظام كما هو الحال في عصر المعلومات ـ والاتصالات.

وفي هذه الحالة وحيث إنّ هناك ترابطاً وظيفيّاً وحيويّاً بين جميع طبقات النظام وأجزائه وعناصره، وكفاءته واستمراره منوطان بعمل أجزائه المتعادل


46


والمكمّل لبعضه والمتناسق، وخراب أي جزء منه أو مكوّن يعطّل النظام بأكمله، فمن الطبيعي أن يكون التأثير مرهوناً بأداء النظام، وأن يحيا النظام ويتنامى بانسجام أجزائه فقط.

وعلى هذا الأساس، فإنّ التأثير يحتاج بشدة إلى التوازن. إلا أنّ التجربة التاريخية حاكية عن أنّ الحضارة الصناعية قد تطورت بشكل جيد على المستوى المادي والعمل الإنتاجي، أمّا على المستوى الخدمي والمعنوي بمعناه الشامل فإنّ تطورها غير مرضٍ. وبالضبط فإنّ عدم التوازن هذا قد أصبح اليوم لِبنة للحضارة ما بعد الصناعية والثقافة الحديثة، وهذه الحضارة تريد اليوم أن تسير نحو إيجاد هذا التوازن الذي من نتائجه الاستفادة التامة والكاملة من العلم.

هذا، وفي الإسلام قوانين عملية قيّمة إذا عُمل بها ووُجدت في جسد المجتمع وروحه فإنّ من شأنها أن تمنع من التطور غير الموزون للحضارة الإسلامية، يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ56، وقد ورد في آية شريفة أخرى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ57، ونقل أبو البختري عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه دعا الله قائلاً: "بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا أدينا فرائض ربنا"58، ونقل أيضاً عنه أنه قال: "إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة59 فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها"60، ونقل عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك


47


 تموت غداً"61، وعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "إني لأبغض الرجل ـ أو أبغض للرجل ـ أن يكون كسلانَ عن أمر دنياه، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن أمر آخرته أكسل"62، والحاصل من هذه الآيات والروايات عدة نقاط أساس وحساسة جدّاً، وهي:
1- الحركة أساس الحياة.
2- تسير الحركة الهادفة والمنظمة من الدنيا إلى الآخرة.
3- إنما تحصل الآخرة العامرة في ظل الدنيا العامرة والمليئة بالحركة والسعي.
4- الدنيا العامرة مرهونة بالتنمية الإنسانية، والتطور السياسي، والقانوني، والاقتصادي، والثقافي، والصحي، والخدمي، والعلمي، والتقني، والديني، والأخلاقي للمجتمع البشري.

وعلى هذا الأساس فإن التنمية المتوازنة لأجزاء الحياة البشرية هي أسّ تأثير الحضارة الإسلامية ومن أهمّ وظائفها. وبالتنبّه إلى الأرضيات الواضحة في المجتمعات الإسلامية وعصر المعلومات والاتصالات فإنّ من الضروري القيام بالتطوير والتنمية المتوازنين في المجالات التالية من أجل إيجاد تأثير للحضارة الإسلامية وبناء طاقاتها:
ألف: الاستثمار وبناء الطاقات في البلدان الإسلامية وذلك في مجالين حيويين:
1- إيجاد البنى التحتية المطلوبة من "العلم، والإدارة، والتجهيزات، والأجواء النفسية ـ الاعتقادية" ونشرها من أجل إنتاج القطعات وزيادتها الكمية والكيفية.


48


2- تنوع البرامج الثقافية وعرضها في وقتها، وزيادة كفاءات العرض من خلال نماذج وفنون مختلفة.

والعلاقة اليوم بين البرامج والقطعات معقدة ومترابطة إلى درجة أنه لا فائدة من أحدها بدون الآخر. ولهذا السبب كلّما كانت الحضارة قوية من حيث البرامج الثقافية، إلا أنها وفي المقابل تقبع في أدنى الضعف والسبات في مجال القطعات فإنها ستكون في مجتمع المعلوماتية والمجتمع الآلي والأتوماتيكي المعاصر مكشوفة وغير قادرة على الدفاع. وتخلف أكثر الدول الإسلامية وتأثرها في مقابل الثقافة الغربية الهجومية ناشئ عن الضعف في هذا المجال، فعلى سبيل المثال إن "الأسوشيتدبرس" بوصفها مركزاً للأخبار في أمريكا تمتلك القدرة على بثّ 90000 كلمة في اليوم إلى الدول الآسيوية، وهي تقوم بذلك في كل يوم، في حين أنّ جميع الدول الآسيوية وللأسف تبثّ إلى أمريكا 19000 كلمة في اليوم فقط، وعدم التكافُؤ في تبادل الرسائل المصورة هو بهذا المعدل أيضاً بل أكثر.

ب
: إيجاد علاقات ومنهجيات متناسقة بين الحقّ في الحصول على المعلومات ـ والاتصالات والربط بينها وبين الحقّ في إنتاج كلّ منها وتوزيعه وترويجه عبر طرق مختلفة.

وبعبارة أخرى:
إيجاد الأرضية الحقوقية والقانونية والهيكلية لهذه العملية عن طريق تشييد نظام يتيح لجميع أفراد المجتمع البشري الحقّ في الحصول على مصادر أنظمة المعلومات والاتصالات من القنوات التلفزيونية، والحاسوب، والشبكة العنكبوتية، والصحون اللاقطة، والصحف، والمنتديات، والجامعات، والمساجد، و... من أجل إنتاج رسائل مختلفة ونشرها، كما لهم الحقّ في الحصول على أصل المعلومات والتواصل مع بعضهم، وإلا ففي غير هذه الصورة سيحكم الاستبداد الفكري والمنهجي، وهو أُمّ الاستعمار والارتهان الفردي ـ الاجتماعي في الميادين الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والمعرفية، والدينية، و... وعلى


49


مختلف المستويات الصغيرة والكبيرة، وحينئذٍ لن يتحقق السلم والأمن الشامل والعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية على الساحة الدولية، والذي يُعتبر أساس تطور البشر، ومن أهمّ أهداف الأديان التوحيدية.

ومن هنا فإنّ الحضارة الإسلامية يجب أن تحافظ في مقام العمل على المعادلة المذكورة قائمة، لتتمكن البشرية من تذوّق طعم السلم، والعدالة، والتنمية البشرية، والأمن العالمي، لا سيما وأنّ هذه الاستراتيجية قد أكدّ النص الديني عليها، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ63، ويقول الإمام علي عليه السلام: "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا"64.

ج: إنّ الإنتاج التقني الإلكتروني وتطوره، وتكنولوجيا الفضاء في عصر المعلومات قد جعلا ارتباط الناس ببعضهم وعلاقاتهم في قوالب وآليات صوتية ومرئية ورمزية في الغالب وبدلاهما إلى ذلك. وفي المقابل فإنّ عملية التواصل المباشر وجهاً لوجه والتعامل كذلك قد سلكت سيراً انحداريّاً، والاستمرار على هذا المنوال سيؤدي إلى ضعف التبادلات المفتوحة، وهو ما ينتج آثاراً مخربة على صعيد التعليم، والأخلاق، والقضايا العاطفية، والوظائف الاجتماعية، و... .

ومن هنا فإنّ خبراء علوم الاتصالات، وعلماء الانثروبولوجيا "الأنسنة"، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع مهما رأوا أنّ الارتباطات والعلاقات الصوتية والمرئية مفيدة وعملية، إلا أنهم يعتقدون أيضا بعدم ترتب الآثار البناءة للعلاقات والتعاملات المباشرة وجهاً لوجه على هذا النوع من العلاقات، لا سيما في المجالات الاجتماعية. وبناءً عليه فهم يعتبرون أنّ المحافظة على التعاملات


50


المباشرة والعلنية إلى جنب التعاملات الرمزية ـ المرئية أمر حيوي ومكمل.

ومن هنا فإنّ إيجاد التناغم بين نوعي التعاملات والارتباطات المذكورين والمحافظة عليهما من خلال الحضارة الإسلامية يفتح آفاقاً منيرة جدّاً وشاهقة أمام الإسلام في هذا العصر. وهو ما يمكن للإسلام تحقيقه عن طريق بعض الأخلاق والسنن والقوانين الاجتماعية ـ العائلية، والشعائر والمراسم الدينية التي لها وظيفة اجتماعية ـ سياسية، وترتبط بشكل أكبر بعملية التعامل والارتباط العلني وجهاً لوجه من قبيل صلاة الجمعة، وصلوات الأعياد، وصلاة الجماعة، والحجّ، و....

3- تقديم رسالة أصيلة وعملية

يعتقد علماء الاجتماع، والفلاسفة، وعلماء الدين، واستراتيجيو العلاقات والسياسة الدولية أنّ مستقبل العالم يتوقف على شكل العلاقات بين الحضارات الكبرى والروابط بينها على الرغم من عدم وجود تناغم بينها على هذا الصعيد، واعتقاد العديد منهم أنّ علاقات مليئة بالتصادم والتشنج ستحكمها في المستقبل، خلافاً لمن تفاءل وذهب إلى القول بحسن العلاقات بينها. ولكنّ الفريقين يتفقان على أنّ السلم، والعدالة، والحقوق البشرية، والأمن العالمي مما ينتج من التعاون بينها فقط، يقول هانتينكتون: "يشكّل صراع الحضارات أكبر خطر يهدد السلم العالمي، والنظام العالمي المبتني على الحضارات هو أكثر الطرق اطمينانا لمواجهة الحرب العالمية"65.

فالحضارات التي يتوقف مستقبل العالم على شكل العلاقات والتعاملات بينها هي ثماني حضارات كبرى أو تسع لا أكثر، ويشكل الدين الركن الوثيق لأكثر هذه الحضارات الموجودة، لا سيما الإسلام الذي يشكل أساس الحضارة الإسلامية


51


ودعامتها، وفي النتيجة يمكن القول إنّ للأديان دوراً كبيراً في آلية التشكلات الاقتصادية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والعلمية، و... في مستقبل العالم.

ومن الطبيعي أنّ الدين الذي يمكنه أن يعمل كطاقة محركة في هذا العصر المليء بالتوقعات، والاعتقادات، والمناهج، والطافح بالاختلافات، والأفكار المزيفة، والمعاملات والمنافسات الساعية للتفوّق، والمعرّض للتغيير، والتجديد، عصر السرعة، وخلق الأزمات، والدين الذي يمكنه أن يستفيد بشكل كامل من جميع الطاقات والقدرات من أجل الوصول إلى الهدف هو الدين الذي تصبّ رسالته وتعاليمه وأوامره في سبيل التنمية البشرية، والحرية، ورفض الاستبداد واستعمار الإنسان، وطرد التحجر، والاحتكار، والصنمية، وإنتاج نظام مفتوح وجماعي باعث على الترقي، وفي النهاية قابل للوحدة والعبادة التوحيدية، لأنّ هذه الأمور مقبولة، ولها فائدة عامة في كل زمان ومكان وثقافة. ومن حسن الحظّ فإنّ جميع هذه الأمور قد جمعت في رسالة الإسلام، يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ66.

4- التخطيط الممنهج "System Approach"

مضافاً إلى ما تقدم من أن الحياة البشرية على جميع أنحاء الكرة الأرضية مترابطة بشكل وثيق في عصر المعلومات ـ والاتصالات فإنّ مفردات هذه الحياة ومناهج ثباتها واستمرارها متعددة جدّاً وواسعة، وبالتالي فإنّ الحياة لن تدور على محور واحد. ولهذا فإنّ إدارة هذه المفردات واتساقها يتمتع بأهمية حيوية ليس على مستوى دولة فحسبُ، بل على مستوى العالم. وبناءً عليه مهما نظم بلد


52


ما مفردات حياته بشكل جيد، فما دامت تلك المفردات غير منظمة على المستوى العالمي فإنّ إدارتها لن تكون مجدية على مستوى ذلك البلد.

ولهذا فإنّ المناهج الإدارية السلوكية، والتنفيذية "Administrative"، والبيروقراطية المعاصرة "Bureaucracy"، والإدارة بالوساطة "Management Intermediation"، بل حتى إدارة الطوارئ "Contingency Approach" والتي لها تأثير في الغالب في إطار ضيق من قبيل: الشركات الاقتصادية وغيرها لا تفي بهذا الغرض المهمّ. وعليه فمن الضروري انتخاب منهج إدراي يكون مؤثراً في حشد الطاقات على المستوى الدولي في عصر كهذا.

وأفضل منهج إداري في عصر كهذا هو "إدارة التخطيط الممنهج" أو "النظام الموجّه" والذي يعمل كنظام مفتوح وشامل. وهذا المنهج - مضافاً إلى تمكّنه من إنتاج المنافسة والسعي للتفوّق، وتناسق الرسالة وتعادلها - فإنّ الأهمّ من ذلك كله أنه قادر على إيجاد التناسق والترابط، والاستمرارية، وتحكيم المنافسة البناءة وتثبيتها، والتعادل والتوازن، وجعلها عملية، وقابلة للتنفيذ بقوة وثبات. وأهم أجزاء هذه الآلية الإدارية هي:
1- المدخلات: وهي أولى مراحل الإدارة، وتعني إدخال جميع المعطيات والمعلومات المعرفية، والتقنية، والمنهجية، والقيمية، و... إلى النظام، ليتأمن جوّ من المنافسة، والتفوق البنّاء، بمساهمة جميع العناصر الحيوية من قبيل: رأس المال، والمواد الأوّلية، والتخصّص، والتكنولوجيا، والقوى العاملة، والثقافات المختلفة، و....

2- العلميّات:
وهي المرحلة التي تعالج فيها مدخلات النظام من أجل إحداث حركة نحو الهدف، وفي هذه المحطة بالضبط يولد التنسيق بين الأقسام المختلفة من الثقافة، والدين، والدنيا، والسياسة، والمعيشة، والخدمات، والصحة، والعلم، والتكنولوجيا، والسنن والأخلاق.


53


3- المخرجات: وهي المرحلة التي ينشر النظام فيها أموراً حوله، وتبدأ عملية الاستمرار والثبات، وتقوية المنافسة، وإيجاد التوازن والتعادل، وتكافؤ الرسالة أيضاً.

4- التغذية الراجعة:
وهي المرحلة التي تضبط فيها المراحل السابقة، وتحصل فيها مراجعة نسبة انحراف منتجات الآليات المعتمدة في هذا المنهج الإداري عن الأهداف والمباني المحددة مسبَّقاً. ولهذا لا بدّ وأن تكون عملية التقييم مستمرّة. وفي النتيجة يبدأ تطوّر هذا المنهج ويستحكم.

ومن الطبيعي أن هذا المنهج الإداري سيكون ناجحاً جدّاً في حشد الطاقات بالمعنى المذكور، وهو ما يؤدّي قهراً إلى جعل الحضارة التي تعتمده مؤثرة. ومما تقدّم إلى الآن يمكن استنتاج أنّ للحضارة الإسلامية وبالنظر إلى مبادئها الأساس قدرة فائقة وقابلية لتنمية مبادئ التأثير وآلياته الأساس مضافاً إلى التفاصيل الأخرى التي ذُكرت.

على أمل ذلك اليوم الذي تهيّئ فيه الحضارة الإسلامية للبشرية مجتمعاً متطوِّراً، ومرفّهاً، ومتديناً، وباحثاً عن الله، ومحبّاً للإنسان، وهادئاً.


54


هوامش

1- يرادف هذا المصطلح مصطلحا "تكديس" "تجميع" وقد يستعمل ويراد به أحد عدة معان:
(أ) إضافة أرباح الشركة إلى رأسمالها من أجل إعادة استثمارها بدلاً من توزيعها على المساهمين.
(ب) تكديس المخزون accumulation of stocks ويعني شراء عدد كبير من الأوراق المالية أو السلع تدريجياًّ خلال فترة محددة لتجنّب الشراء دفعة واحدة، والذي يترتّب عليه ارتفاع سعرها السوقي.
(ج) في الولايات المتحدة يعني هذا الاصطلاح الفرق بين تكلفة السند المشترى بخصم وبين قيمته الاسمية.
(د) شراء الأسهم وتجميعها من قبل أعضاء مجلس الإدارة والأشخاص المهيمنين على الشركة أو كبار المستثمرين، وتعني بالانجليزية: . accumulation"المترجم، نقلا عن موقع المعاني الإلكتروني".

2- هذا المصطلح يحكي عن الشركات التي تضع أيديها على صناعة منتج معين بحيث إنها تسيطر على 50 بالمئة على الأقل من معدل الإنتاج وهو ما يؤمن لها نوعاً من الاحتكار في السوق.
3- سورة الأنبياء، الآية: 62.
4- سورة الأنبياء، الآية: 63.
5- (برخورد تمدنها وبازسازى نظم جهانى، سموئيل بي هانتنجتون)، ترجمة محمد علي حميد رفيعي، ص61.
6- المصدر نفسه، ص 61 . 62.
7- المصدر نفسه.
8- ترجمة وتفسير نهج البلاغة، محمد تقي جعفري، ج5، ص159 . 166.
9- جنك وپاد جنك، الوين وهيدى تافلر، ترجمة: مهدي بشارة، ص50.
10- سورة القلم، الآية: 1.
11- سورة العلق، الآيات: 3 . 5.
12- سورة القصص، الآية: 77.
13- سورة آل عمران، الآية: 159.
14- سورة البقرة، الآية: 151.
15- سورة ق، الآية: 45.
16- سورة فاطر، الآيات: 19 . 22.
17- سورة النجم، الآيات: 38 . 40.
18- متفكران اسلام، بارون كارادو وو، ترجمة: أحمد آرام، ص121.
19- فرهنك اسلام در اوروپا، الدكتور زيكريدهونكه، مرتضى رهباني، ص280.
20- سورة العلق، الآيات: 1 - 5.
21- سورة الإسراء، الآية: 106.
22- سورة الشورى، الآية: 15.
23- سورة البقرة، الآية: 256.
24- تفسير الميزان، العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، جماعة المدرسين، ج4، ص164.
25- سورة الأنبياء، الآية: 107.
26- سورة آل عمران، الآية: 64.
27- سورة الزمر، الآية: 9.
28- سورة المجادلة، الآية: 11.
29- سورة البقرة، الآية: 44.
30- سورة البقرة، الآية: 164.
31- سورة الحج، الآية: 46.
32- پزوهش وسنجش، العدد 8، ص 26 . 27، العام 1375 هـ ش، المقالة: "فرهنك توسعه وارتباطات جمعى"، الدكتور علي أسدي.
33- غرر الحكم، ج2، ص243، رقم 1540.
34- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج2، ص81، مستدرك نهج البلاغة، ص 178.
35- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج2، ص 331.
36- نهج البلاغة، الحكمة: 390.
37- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج16، ص102، دستور معالم الحكم، ص 16.
38- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج20، ص 341.
39- سورة لقمان، الآية: 30.
40- سورة النور، الآية: 25.
41- سورة ق، الآية: 42.
42- سورة آل عمران، الآية: 86.
43- سورة الروم، الآية: 8.
44- سورة التوبة، الآية: 34.
45- سورة هود، الآية: 16.
46- سورة محمد، الآية: 30.
47- سورة البقرة، الآية: 273.
48- سورة ق، الآية: 6.
49- سورة الحج، الآية: 46.
50- نهج البلاغة، الخطبة: 214.
51- سورة البقرة، الآية: 148.
52- سورة الأنعام، الآية: 108.
53- سورة الزمر، الآية: 17 - 18.
54- سورة آل عمران، الآية: 133.
55- سورة المؤمنون، الآية: 61.
56- سورة القصص، الآية: 77.
57- سورة الأعراف،الآية: 32.
58- فروع الكافي، ج5، ص73.
59- صغار النخل.
60- البركة في فضل السعي والحركة، الوصابي الجشي، ص16.
61- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج17، ص76.
62- فروع الكافي، ج5، ص85.
63- سورة آل عمران، الآية: 187.
64- نهج البلاغة، الكلمات القصار، ص478.
65- برخورد تمدن ها وباسازى نظم جهانى، ساموئل. پى. هانتينكتون، ترجمة: محمد علي حميد رفيعي، ص 516.
66- سورة آل عمران، الآية: 64.