المحاضرة الثالثة: أهمية القدوة في الإسلام

تصدير الموضوع:

قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا1.

الهدف:

إلفات النظر إلى أهمية مفهوم القدوة وضرورة تقيد كل من يشغلون مراكز حساسة في الحياة الإسلامية.


77


المقدمة

القدوة أو الأسوة ما يتأسى به أي يتعزى به فيقتدي به في جميـع أحواله ويتخذه مثلاً أعلى ونموذجاً له في كافة حركاته وأقواله ومواقفه والله تعالى لم يقتصر على تقديم رسوله على أنه القدوة الحسنة فحسب بل جعل الله تعالى منهجاً بين الناس وسنّة لهم، وإنما حكى الله تعالى عشرات القصص القرآنية والأخبار التاريخية لمزيد القدوة والاعتبار. قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ 2. وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ 3. ولا تقتصر القدوة على خصوص الأنبياء والأولياء والأوصياء بل تتعداها إلى الأتباع والأنصار كما قال تعالى:﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ4.


78


أهمية القدوة

وتكمن أهمية القدوة في العملية التربوية في الجوانب التالية:

إن القدوة الحسنة ومن خلال ما تثيره في النفوس من إعجابٍ وانبهار فإنها تخلق في نفوس الآخرين دوافع التقليد والتشبه بالشخص القدوة وبلوغ المقام الأسمى في الحياة.

إن القدوة الحسنة تشكل حافزاً عند الآخرين وقناعة بأن بلوغ هذه الفضائل أمرٌ ممكنٌ، فهي تربية صامتة لها آثار تفوق الكلام، ولعل منه ما ورد في الحديث الشريف أن المؤمن مرآة المؤمن إذ السر الأبرز في المرآة ليس بيان العيب فحسب بل بيانه بصمت مطبق.

إن القدوة الحسنة لا تخاطب عقول الآخرين حتى يتفاوت الفهم والتفسير والتأويل بل تخاطب أعينهم بمثال حي ونموذج متحرك لا يقتصر على الفكرة المجردة التي تبقى في ذهن السامع محل إشكال في إمكانية تطبيقها أو عدمه.

إن القدوة الحسنة محل تتبع دقيق عند الأتباع


79


والمريدين، فرب عمـل يقوم به لا يلقي له بالاً يكون في حسابهم من الكبائر، وربما يدفعهم إلى التحلي بمنقبة مهمة وهو يمارسها على سجيته.

شروط القدوة

الإيمان بالفكرة: لا تتكون القدوة في نفس الداعية حتى يكون هو أول من يؤمن بما يقول، ثم ينقل هذا الإيمان إلى عمل.

تعلم العلم: فشرط العلم أساس في الدعوة، ومن دونه لن يتأكد القدوة من صحة خطواته، فضلاً عن تصحيحه لخطوات الآخرين.

حسن الخلق: هناك أخلاق بارزة يحتاجها الداعية القدوة دائماً، وبغيرها يصبـح من المتعذر عليه النجاح في دعوة الناس، ومن أهمها الصبر والرحمة والرفق والتواضع والمخالطة.

موافقة العمل القول: من صدق الحديث والوفاء بالوعود والإلتزام بمصداقية عالية في أقواله بل لا يمنع أن يوضح بعـض التصرفات التي يقوم بها


80


 للأتباع خاصة تلك التي تحتمل التأويل السيء.

عدم الانقطاع عن الأعمال: لأن الانقطاع عن أي عمـل راجح دون أي مبرر شرعـي أو نسيان, تكمن خطورته في أحد أمرين إما أنه دخل في دائرة الذين يقولون ما لا يفعلون، أو إحساس القدوة بعدم جدية ذلك الأمر وأهميته.

التثبت من صحة النقول: فلا يؤخذ بالشائعات ولا يتسرع في الأحكام ويدقق فيما سمع بل يدقق فيما يرى ويأخذ المسائل من كافة أبعادها.

الابتعاد عن المباحات: بل كل ما هو مورد إشكال أو استنكار واستغراب لدى الناظر وذلك إبقاء على صيانته، كبعض أمور اللعب والتسلية وما يتلهى به أو السهرات العبثية والجلسات التي لا جدوى فيها وما شاكل.

المحاسبة الدائمة: فعلى الداعية القدوة أن يعي أنه تحت رقابة دقيقة ممن يتخذونه قـدوة لهم فيحاسب نفسه على كل كلمة أو تصرف صغر أم كبر حتى يتجنّبه في مرات أخرى.


81


مبطلات القدوة

مخالفة العمل للقول: قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون5 ، وإنما يكبر غضب الله لأن مخالفة القول للعمل ستترك تأثيرات سلبية على عموم الناس، كأن يأمر الناس بالإنفاق ويقبض يده أو يأمرهم بالمستحبات ولا يؤديها ويحثهم على الجهاد وينأى بنفسه وهكذا مما يطول بيانه.

عدم الالتزام بالقول: ونعني أن يعطي المرء موعداً فلا يلتزم به، أو يعد بخدمةٍ فلا يقدر عليها، أو يلتزم يقولٍ فيخالفه أو يتهرب منه وهكذا، وقد يكون لذلك أسباب ترتبط بسوء التقدير أو الإندفاع غير المحسوب أو عدم معرفته بطبيعة الإلتزام والآثار المترتبة عليه، وكلّ ذلك له نتائجه المسيئة على القدوة ومن بعده الأتباع.

السلوك السيء قولاً وفعلاً: كأن يكون القدوة كثير المزاح سيء الطباع يستخدم بعض الألفاظ النابية أو


82


 العبارات المسيئة مما يفقده احترامه ويسلبه موقعه.

الانتصار للنفس: وهو أعدى أعداء القدوة، وذلك حينما يتحول الموضوع عند القدوة إلى شأن شخصي وانتقام للذات متناسياً أولوية الرسالة وقداسة القضية.

وأخيرأ من المناسب أن نشير إلى أن تاريخنا الإسلامي سواء الماضي منه أو الحاضر مليء بالقدوات والنماذج الفريدة من المجاهدين والشهداء والصديقين فضلاً عن الأنبياء والأولياء مما يفرض علينا لزاماً تعميم هذه النماذج وبيان فضائلها ونشر مكارمها حتى يتسنى للسالكين التمسك بقيمهم ومبادئهم ووحي الله الذي جرى على جوارحهم.


83


هوامش

1- الاحزاب 21.
2- يوسف 111.
3- الاحقاف 35.
4- الانعام 90.
5- الصف 3.