المحاضرة الخامسة: الأبعاد الأساسية للتربية

تصدير الموضوع:

قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ1.

الهدف:

بيان أهم الميادين التربوية التي يجب على الأهل التشدد في تربية وتأهيل شخصية أبناءهم عليها.


155


المقدمة

تعتبر تربية الأبناء من العلوم الإنسانية التي يجب على كافة الأهل بل وحتى المقبلين على الزواج أن يمتلكوا ثقافة تربوية عالية تساهم في صلاح أبناءهم وعدم انجرافهم في متاهات الضياع، سيما وأن موضوع التربية من الموضوعات الحساسة والتي تتبدل فيها القواعد التربوية وفق الظروف والأحوال والبيئة والمناطق والأعمار والمستويات الثقافية والوضع الديني بل وتتأثر بالظروف الحياتية والمعيشية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تمر بها البلاد، وكلّ ذلك من شأنه أن يجعل المسؤولية أكثر تعقيداً وضرورة الإطلاع والمعرفة أشدّ وجوباً ولزاماً والتفريط أو التقصير بها من أكبر الكبائر والموبقات عند الله تعالى.


ويمكن الوقوف على ثلاثة جوانب أساسية تعتبر مسؤولية واجبة تجاه الأبناء:


156


الأول: ترسيخ العقيدة وتحقيق العبودية

ويتجلى ذلك من خلال تربيتهم على التوحيد وحمايتهم من الشرك، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 2.

وهذا من أولى الأمور التربوية التي تقوّي في نفوس الأبناء روح العبودية لله تعالى من خلال تعريفهم على صفات الله وأسمائه ومظاهر الرحمة الإلهية وارسال الأنبياء والرسل والتعريف بصفاتهم وصفات الأولياء والأئمة والنعم التي منّ الله بها على الخلق والإيمان باليوم الآخر الذي يعزز المراقبة الداخلية في نفسه،

قال تعالى:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ3.

وهناك عدة وسائل لتحقيق وغرس العقيدة وهي:

ترسيخ العقيدة الصحيحة عن طريق التلقين: أي التدريس والإملاء وإشراكهم بحلقات


157


 دراسية وحثهم على ارتياد المساجد والمطالعة.

ترسيخ العقيدة عن طريق تعليمه الأذكار: أي تعليمه أذكار الأحوال والمناسبات من أكل وشرب ونوم ويقظة، بل يعلمه الدعاء وطلب الحاجة من الله، وإذا مشى في الظلام علِّمه ذكر الله والاستئناس به، والتسمية عند الفزع، والدعاء عند المرض والتوكل على الله وطلب الحاجة منه وحده.

ترسيخ العقيدة عن طريق التدبر: بأن يلفت نظر الطفل إلى مظاهر جمال الكون وعظمة الطبيعة ونظامها وارتباطها بالتوحيد.

الثاني: تربيتهم على العبادات

قال تعالى:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ4.

وقال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا5.


158



والصلاة من أهم العبادات التي ينبغي تعليمها وتربية الأبناء على إقامتها ومراقبتهم لأدائها ولو على سبيل العادة في البداية حفظاً لهم من أي انحراف فمن الخطأ أن نهمل الطفل ثم نلزمه بالتكاليف الشرعية بعد بلوغه.

وعلى الأب أن يأمر أولاده بالصلاة إذا دخل وقتها، ويذكرهم بالله ويرغَبهم ويخوفهم ويحثهم عليها ولا يمنع من تحفيزهم مادياً ومعنوياً على أن يبقى الثواب الأخروي هو الهدف الأساس، كما ينبغي أن يعلمهم الوضوء ويأخذهم معه إلى المسجد لأدائها جماعةً، ويجب أن يلزمهم بكل ما يُشترط لصحة الصلاة من طهارة وخشوع وستر عورة وغيرها، ومن الخطأ أن يكرِّه الأهل أبناءهم الصلاة، كما عليه أن يعودهم على بقية العبادات وأحكامها.

الثالث: تربيتهم على القيم والأخلاق الإسلامية

والتربية على الأخلاق الفاضلة عنوان صحيفة المسلم وانعكاس لمدى تدينه والتزامه وسعيه ابتغاء الجزاء من الله


159


 تعالى وقد عدّ القرآن الكريم نماذج كثيرة في هذا المضمار منها:

تربيتهم على التواضع وخفض الجناح: قال تعالى:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ 6.

وقال تعالى:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ7.

تربيتهم على البر بالوالدين: قال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ 8.

قال تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ9.

والتربية على القيم والأخلاق لا بدَّ أن تلاحظ جوانب ثلاث:

غرس العادات في مرحلة مبكرة: فإن الطفل من خلال


160


 تعويده مساعدة الفقراء والرحمة بالآخرين وأن يبقى هادئاً متزناً خافضاً صوته محباً لقضاء حوائج الناس حراً في تصرفاته بعيداً عن التهور والخفّة والغضب واللجاج والطيش والحدّة وما شاكل.

إلزامه الأحكام والآداب الشرعية: كآداب الطعام واللباس والاستئذان والنوم وكافة الآداب الأخرى ويمنعه من مفسدات الأخلاق والمعاصي، كأشعار الغزل والأغاني إذ تبذرُ فيه بذرة الفساد، ويُلحق بها الروايات والقصص الغرامية والأفلام المفسدة، ويجب أن يحرص الوالدان على حماية أبنائهم من رؤية ما يخدش الحياء سواءً في وسائل الإعلام أو في البيت.

إلفاته إلى ما يُحرم عليه: من الثياب أو الحُلي أو طريقة قصّه للشعر أو مقتنياته من كتب أو ألعاب أو صور أو قضائه لوقته وكل ما من شأنه أن يُسهّل عليه ارتكاب المعاصي والتجرؤ على الله تعالى.

حثه على مكارم الأخلاق: مع الله أولاً، ثم مع الناس والحيوان والجماد، لأن الأخلاق تشمل ذلك كله، وهذا


161


 الحث يجب أن يكون بالتوعية وتكوين العاطفة التي تدفعه إلى التطبيق ابتغاء الأجر، وتقوية إرادته ليقدر على قهر الهوى وضبط النفس ويُحكى له قصص الصادقين وجزاءهم في الدنيا.


162


هوامش

1- سورة التحريم 6
2- لقمان 13.
3- لقمان 16.
4- لقمان 17.
5- مريم 54-55.
6- لقمان 18
7- لقمان 19.
8- لقمان 14.
9- لقمان 15.