المحاضرة الثالثة: الصلاة جماعةً في المسجد

تصدير الموضوع:

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلّى الخمس في جماعة فظنّوا به خيراً"1.

الهدف:

حثّ الناس على إقامة الصلاة جماعةً في المسجد وبيان عظيم الأجر والثواب الذي أعدّه الله تعالى لذلك.


53


المقدمة
لا يخفى أن صلاة الجماعة مظهر من مظاهر العزة والإتحاد ورصّ الصفوف كونها عنواناً لارتباط الأمة بالله تعالى ولها أثرها الكبير في إشاعة جو الثقة والمحبة والمودة بين عموم المسلمين وهي سنّة إلهية من السنن التي أجزل الله تعالى عليها الأجر والثواب وعظيم الدرجات في الآخرة، ولذلك نجد أن نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمتنا الأطهار عليهم السلام وعلماءنا الأبرار حرصوا على إحياء هذه السنّة طيلة أيام حياتهم وحثّوا المسلمين على عدم الإنقطاع عنها في مختلف الظروف والأحوال.


علة الجماعة: فالعبادة جماعةٌ لها أثرها في إحياء الدين وظهور الرسالة وإقامة الحجة على المترددين وتمييز أصناف الناس، فعن الإمام الرضا عليه السلام: إنما جُعلت الجماعة لئلا يكون الإخلاص والتوحيد والإسلام والعبادة لله إلا ظاهراً مكشوفاً مشهوراً، لأن في إظهاره حجة على أهل الشرق


54


 والغرب لله وحده، وليكون المنافق والمستخف مؤدياً لِما أقرَّ به يظهر الإسلام والمراقبة، وليكون شهادات الناس بالإسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى، والزجر عن كثير من معاصي الله عز وجل2.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يُعرف من يصلِّي ممن لا يصلِّي، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيّع، ولولا ذلك لم يمكِّن أحداً أن يشهد على أحد بصلاح، لأن من لم يُصلِّ في جماعة فلا صلاة له بين المسلمين، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يصلِّ في المسجد مع المسلمين إلا من علة"3.

فضل صلاة الجماعة

عن الإمام الصادق عليه السلام: "الصلاة في جماعة تفضل على كل صلاة الفرد بأربعة وعشرين درجة، تكون خمسة وعشرين صلاة"4.


55


وعنه عليه السلام: "من صلّى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمة الله"5.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلّى المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة في المسجد جماعةً فكأنما أحيى الليل كله6.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديثً طويل نقتطع منه أكثره دلالة:".....فإن زادوا (أي الجماعة) على العشرة فلو صارت السماوات كلها قرطاساً والبحار مداداً والأشجار أقلاماً والثقلان مع الملائكة كتّاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة....."7.

فضل المشي إلى الجماعة

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مشى إلى مسجد يطلب فيه الجماعة كان له بكل خطوة سبعون ألف حسنة، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك، وإن مات وهو على ذلك وكَّل الله به سبعين ألف ملك يعودونه في قبره، ويؤنسونه في وحدته، ويستغفرون له حتى يبعث"8.


56


أخطار ترك صلاة الجماعة:

اعتبارهم مستحقي العقاب: واستنكر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ترك المؤمنين لصلاة الجماعة حتى اعتبر ذلك فعلاً ينبغي العقاب عليه، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لأناس أبطأوا عن الصلاة في المسجد -: "ليوشك قوم يدعون للصلاة في المسجد أن نأمر بحطب فيوضع على أبوابهم، فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم"9.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: همّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإحراق قومٍ في منازلهم كانوا يصلّون في منازلهم ولا يصلّون الجماعة، فأتاه رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله أنا ضرير البصر وربما أسمع النداء ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "شُدّ من منزلك إلى المسجد حبلاً وأحضر الجماعة"10.

وهنا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعتبر البعد أو التقدم في السنّ أو كونه ضريراً أو عدم وجود من يعينه للوصول إلى


57


 المسجد عذراً في عدم حضور الجماعة، وهذا يشكّل حافزاً كبيراً ليراجع كلٌ منا حساباته وتقصيرنا في عدم حضور الجماعة في المسجد.

اعتبارهم مفارقي جماعة المسلمين: وكأن الصلاة رمز وحدة المسلمين وجماعتهم وأن تاركها تاركٌ لجماعة المسلمين، فعن الإمام علي عليه السلام - أيضا -: "ليحضرنّ معنا صلاتنا جماعة، أو ليتحولن عنا ولا يجاورونا ولا نجاورهم"11.

ومن الواضح من هذه الأحاديث أنها تعتبر أن خطورة ترك صلاة الجماعة إنما هي بلحاظ ترك الجماعة، مما يكشف أن صلاة الجماعة شكل من أشكال الجماعة قبل أن تكون شكلاً من أشكال الصلاة، وأن تاركها يطعن في جماعة المسلمين ويوهنها ويضعفها وهذا ما لا يجوز، بل ويعتبر فاعله مسيئاً ومتعدياً.

صلاة جيران المسجد

وحثّت الروايات جيران المسجد على أداء صلواتهم فيه حتى لا يشكوهم يوم القيامة، فعن علي عليه السلام: "لا صلاة لجار


58


 المسجد إلا في المسجد، إلا أن يكون له عذر أو به علة"، فقيل: ومن جار المسجد يا أمير المؤمنين؟ قال: من سمع النداء12.

وعنه عليه السلام: "حريم المسجد أربعون ذراعاً، والجِوار أربعون داراً من أربعة جوانبها"13.

وفي الروايات أن المساجد تشكو إلى الله جيرانها الذين لا يرتادونها كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها، فأوحى الله عز وجل إليها: وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة، ولا أظهرت لهم في الناس عدالة، ولا نالتهم رحمتي، ولا جاوروني في جنتي"14.

وعنه عليه السلام: ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: "مسجدٌ خراب لا يصلّي فيه أهله، وعالمٌ بين جهّال، ومصحفٌ معلّق قد وقع عليه غبار لا يُقرأ فيه"15.


59


هوامش

1- وسائل الشيعة ج8، ص 286.
2- وسائل الشيعة ج8، ص 287.
3- وسائل الشيعة، ج27، ص 292.
4- ميزان الحكمة، ج2، ص 1648.
5- وسائل الشيعة، ج8، ص 295.
6- الامالي، الصدوق، ص 407.
7- العروة الوثقى، السيد اليزدي، ج3، ص 112.
8- الامالي، الصدوق، ص 517.
9- ميزان الحكمة، ج2، ص 1648.
10- وسائل الشيعة، ج8، ص 293.
11- الامالي، ص 296.
12- وسائل الشيعة، ج5، ص 194.
13- الخصال، الشيخ الصدوق، ص 544.
14- الامالي، ص 696.
15- وسائل الشيعة، ج5، ص 201.