الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1372 - 12 محرم 1441هـ - الموافق 12 أيلول 2019م
أثر التوحيد في مواجهة البلاء

نُفوسٌ أبِيَّةالإنكفاء عن التبليغ بسبب الدراسةمراقبات

العدد 1371 - 05 محرم 1441هـ - الموافق 05 أيلول 2019م
اجتناب النزعة الدّنيويّة، درس من دروس عاشوراء

التحجّرمراقباتعرفان عاشوراءسؤالُ الخيرِ من اللهِ مراقبات

 
 

 

التصنيفات » حقيبة المبلغ
إثبات رسالة نبيّنا الأعظم محمّد الخاتم صلّى الله عليه وآله المعصومين
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

والكلام في ذلك في مقامين:
المقام الأوّل:في وجوده وظهوره في عصره ودعواه النبوّة: وذلك لا يحتاج إلى بسط مَقال، أو إقامة برهان، بعد إطباق الملل، واتّفاق كلمة الكلّ على ذلك على اختلافهم في الأديان، وتشتّتهم في الأقطار. وإن أنكر كثير منهم نبوّته كطوائف اليهود والنصارى والمجوس والبراهمة وعبدة الأصنام وسائر فرق الكفّار من المشركين والمُلحدين، ولكن لم يختلف اثنان منهم في أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان في العصر الكذائي وادّعى النبوّة لنفسه، وتبعه جماعة من قومه، وأنّ بلوغ ذلك فوق حدّ التواتر الموجب للعلم القطعي لمِن أوضح الواضحات.

المقام الثاني في إثبات نبوّته صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنقول:
لا شبهة عندنا أنّ الله تعالى «ربّ الورى» أرسل بالنبوّة «سيّد الورى» وأشرف أهل الأرض والسماء «إلى الورى» كافّة من الجنّ والإنس، وكلّ من يليق أن يبعث إليه رسول.
وإنّما بعثه إليهم «مبشّراً» للمطيع منهم بالنعيم «ومنذراً» للعاصي منهم بالجحيم. وهو «محمّد خير نبيّ مرسل» بإجماع فرق المسلمين عامّة.وقد «أرسله» الله تعالى «مع الكتاب المنزل» من لدنه سبحانه، وهو الفرقان الّذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصّلت:42.وكان ذلك «في فترة» وانقطاع من الرسل، بحيث «دارت رحى الجهالة» بين الخلائق «فيها» أي في تلك الفترة «فعمّت الورى» بأجمعهم «ضلالة» شديدة، وكفر عظيم. وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.. المائدة:19.
وطول المدّة بين بعثته صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين ارتفاع المسيح عليه السلام بما يقرب من 600 سنة، والناس «قد عكفوا فيها» أي أقاموا «على» عبادة «الأوثان»، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿..يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ.. الأعراف:138، «وأعرضوا» جلّهم بل كلّهم «عن طاعة الرحمن»، إلى أن بلغوا في الجهل والضلال مرتبة الوحوش والبهائم والأنعام، بل صاروا أضلّ منهم في الظلم والطغيان.
ومن الواضح أنّ هداية مثلهم إلى الحقّ والإيمان برفض العادات القبيحة، وترك ما انتشأوا عليه خَلَفاً عن سَلَفٍ، من ارتكاب الفواحش المنكرة، وترك ما اختمرت عليه طبائعهم من الأخلاق السيّئة الرديئة، وتبديلها بالمكارم الحسنة الجيّدة، أشقّ وأصعب من هداية مَن سبقهم من الأُمم السالفة أُولي الألباب، وأرباب الكتب والأديان.«فقام فيهم» ذاك النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم على وحدته ويُتمه وقلّة ذات يده من حطام الدنيا، «داعياً» لهم إلى الله تعالى «برفق» من البيان، من غير غلظة في الخطاب، ولا تخويف لهم بالعشيرة والقوّة، ولا تطميع لهم في الزخارف الدنيوية.وأخذ «يهديهم إلى سبيل الحقّ» ولم يألُ جهداً في وعظهم وإرشادهم، وتعليمهم المعارف الدينية، والعلوم الحقّة الإلهية. وهو، صلّى الله عليه وآله وسلّم، أُمّي لم يقرأ ولم يكتب، ولم يتعلّم لدى معلّم غير ربّه الأعلى تبارك وتعالى.وقد علمت الأُمم كلّهم ذلك لم ينكره أحد منهم، وعلموا أيضاً أنّ قومه لم يألوا جهداً في تكذيبه وسبّه وضربه وطرده، والسعي في قتله وهلاكه، وهم فراعنة العرب وأصحاب العدّة والعدد. فلم يُثنِه عن عزمه شيء من ذلك، ولم يثبّطه عن دعوته لهم أذاهم وقبائح أفعالهم، ولم يزل مُجدّاً في عمله غير خائف من سطواتهم، ولا هارباً ولا جزعاً عند مهاجماتهم عليه. ثمّ أتى على طبق دعواه بمعاجز شتّى كثيرة، كانشقاق القمر بإشارته، وسَيره في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وغير ذلك ممّا هو مذكور في كتب الأحاديث الصحيحة، وثبت بالتواتر التفصيلي أو الإجمالي بحيث لم يبقَ مجال للشكّ فيها، فضلاً عن إنكارها.

معجزة القرآن
ثمّ امتاز صلّى الله عليه وآله وسلّم، عن سائر الأنبياء عليهم السلام، بأعظم المعاجز، وهو «برهانه» الواضح، و«قرآنه» الكريم الّذي لا يَبلى على مرور الدهور، وتبدلّ العصور، ولا يزداد على كرور الأزمنة إلى يوم النشور إلاّ ضياءً وصفاءً.«وهل ترك» ذاك المعجز الخالد «للمبتغي» أي الطالب برهانه «مَثار شكّ» أو مظنّة شبهة؟وذلك لأنّ العاقل البصير كلّما غار متأمّلاً في بحار هذا القرآن العظيم لم يزدد إلاّ بهتاً فيه وإعجاباً به. ولا غرو فإنّه الترياق الأكبر، والكبريت الأحمر، وفيه المعاجز العجيبة والخواصّ الغريبة، وهو يجلّ عن التشبيه بالطّود الأشمّ، أو بالبحر الخضمّ علوّاً ورفعة، أو سعةً وعظَمة، وأنّ ما حواه من المواعظ والزواجر مأخذ كلّ خطيب مصقع، ومصدر كلّ واعظ مفقع.وكذا ما فيه من معالم الحلال والحرام، وسائر ما شرع من الأحكام منهل كلّ حاذق فقيه، ومغرف العالِم النبيه.وإنّ من حياض بلاغته ذاق البلغاء البلاغة، وبمعرفة بعض ما فيه من الأساليب الفاخرة والمعاني العالية باهى الأُدباء، وتفاخروا بإدراك الفصاحة، وأنّه لهدى للإنس والجانّ وفيه بيّنات من الفرقان.وهو نور يتوقّد مصباحه، وضياء يتلألأ صباحه، ودليل لا يخمد برهانه، وحقّ لا يخذل أعوانه وحبل وثيقة عروته، وجبل منيعة ذروته.

وهو للصدور شفاء، وللقلوب دواء
وأنّه لَإمامٌ يقتدي بِسمَته المقتدون، وعلَمٌ يهتدي بهديه المهتدون، فيه رياض الحِكم وأنوارها، وينابيع العلوم وبحارها. ".."وبالجملة إنّ هذا القرآن العظيم فيه آيات محكمات هنّ أُمّ الكتاب، وأُخر متشابهات، وفيه ناسخ ومنسوخ، ومجمل ومبيّن، وعامّ وخاصّ، ومطلق ومقيّد، وأحكام وفرائض، وسنن وقصص، ومواعظ وحكم، ومجازات واستعارات، وحقائق بيّنات، وأمثال وحكايات.وهو أشرف من جميع الكتب السماوية الّتي أُنزلت على الأنبياء السابقين، وأميز من الصحف المرسلة للرسل المكرّمين، في فصاحة اللفظ، وبلاغة المعنى، واستيفاء الدقائق، وبيان الحقائق، وحُسن النظم، وجودة الأُسلوب، وكثرة الرموز، والإشارة إلى العلم المكنوز، وخفايا الأسرار الّتي لا يدركها إلّا الأطهار الّذين أدركوا الموازنة بين عالَمي الغيب والشهود.وقد حوى من العلوم ما لا يُحيط بحقائقها علم البشر، ولا يدرك كنهها إلّا الراسخون في العلم، وهم الملهَمون منه تعالى بعلم ما في الكون من الخير والشرّ.وذلك مضافاً إلى ما فيه من الاعتدال في آياته الّتي ليست بنظمٍ ولا نثرٍ ولا رجزٍ ولا شعرٍ ولا خطبٍ ولا سجعٍ، وما فيه أيضاً من الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة على وجود الصانع تعالى ووحدانيته، وأوصافه المقدّسة، والحشر والنشر، وسائر وقائع يوم القيامة.وكذا ما فيه من الأدلّة على نبوّة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم، كآيات التحدّي وما حواه من وقائع القرون السالفة؛ كقصّة أصحاب الكهف، وذي القرنين، وموسى عليه السلام والخضر عليه السلام، وأمثالها ممّا لم يكن يعرفها إلاّ الخواصّ من أحبار اليهود.

وما اشتمل عليه أيضاً من الأخبار بالحوادث المستقبلة، والأُمور المغيّبة، كغلبة الروم على الفرس، وعدم تمنّي اليهود للموت ونظائرهما، والإخبار عن ضمائر بعض المنافقين من الصحابة.

وكذا ما اشتمل عليه من أسرار العلوم وأنواع المعارف، وجوامع الكلِم، ولوامع الحكم الّتي قصُرت الأوهام عن الإحاطة بها، وكلّت الأفهام عن إدراك حقائقها. فمهما تغلغل الأديب البارع في رياض فنونها، وتعمّق في بحار نكاتها ودقائقها، انفتح له باب المعرفة بما لم يكن يعرفه قبل ذلك من المسالك الموصلة إلى مقفلاتها، والمدارك الكاشفة له عن جُمل مشكلاتها، وظهرت له معالمُ أدرك بها ما كان قد خفيَ عليه من رشحاتٍ سائلةٍ من عيون خزائنها، ولاحت له لوائح من معرفة الشدائد من صعابها، وعندئذ يستخرج بغوّاص عقله على قدر غوره وفهمه شيئاً يسيراً من جواهر بحورها، ويقتبس بالزناد القادح من فكره جزءاً قليلاً من ضوء أنوارها. وإنّ ذلك كلّه أُمورٌ لا يعرفها إلاّ الكُمّل من العلماء الراسخين في العلم والمعرفة، والمعظّم من أهل الفنّ والدراية. وتراهم بعد الدقّة الكاملة، والتفكّرات العميقة في أسراره ومغازيه، معترفين بالعجز عن البلوغ إلى أقصى المراد، مُذعنين بالقصور عن فهم حقائق ما أفادوا، لم يزالوا من الإعجاب به في ازدياد خاضعين لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ص:54.وبالجملة، إنّ هذا الكتاب الكريم لَهُو من المعاجز المتجدّدة شيئاً فشيئاً، والغرائب المعجبة الحادثة يوماً فيوماً. وكم فيه من دواعي التلاوة والتكرار ومرغّبات لقراءته أو استماعه في الليل والنهار من سهولة مخارجه، وبهجة رونقه، وسلاسة نظْمه، وحُسن قبوله، وغير ذلك من خصائصه. وإنّك تراه في سورة قصيرة ينتقل القارئ فيه من وعدٍ إلى وعيدٍ، ومن القَصص إلى المثل، ومن الحِكَم إلى الجدل. وأمثال ذلك ممّا لم يوجَد شيء منه في الكُتب السماوية السابقة، فضلاً عن غيرها.

معجزات النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله في حديث الإمام الكاظم عليه السلام
روى الحِميَري القمّي في (قرب الإسناد) عن الحسن بن ظريف، عن معمّر، عن الرضا عليه السلام، عن أبيه موسى بن جعفر عليه السلام. قال:
«كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ [الصّادق] عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَاتَ يَوْمٍ - وَأَنَا طِفْلٌ‏ خُمَاسِيٌ‏- إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: أَنْتَ ابْنُ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْحُجَّةُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ؟
قَالَ لَهُمْ: نَعَمْ.
قَالُوا: إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آتَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَوُلْدَهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، وَجَعَلَ لَهُمُ الْمُلْكَ وَالْإِمَامَةَ، وَهَكَذَا وَجَدْنَا ذُرِّيَّةَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَتَعَدَّاهُمُ النُّبُوَّةُ وَالْخِلَافَةُ وَالْوَصِيَّةُ، فَمَا بَالُكُمْ قَدْ تَعَدَّاكُمْ ذَلِكَ وَثَبَتَ فِي غَيْرِكُمْ وَنَلْقَاكُمْ مُسْتَضْعَفِينَ مَقْهُورِينَ لَا تُرْقَبُ فِيكُمْ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ؟!
فَدَمَعَتْ عَيْنَا أَبِي عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ لَمْ تَزَلْ أُمَنَاءُ اللهِ مُضْطَهَدَةً مَقْهُورَةً مَقْتُولَةً بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالظَّلَمَةُ غَالِبَةٌ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ الشَّكُورُ.
قَالُوا: فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَأَوْلَادَهُمْ عَلِمُوا مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمِ، وَأُوتُوا الْعِلْمَ تَلْقِيناً، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِأَئِمَّتِهِمْ وَخُلَفَائِهِمْ وَأَوْصِيَائِهِمْ، فَهَلْ أُوتِيتُمْ ذَلِكَ؟
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ادْنُ يَا مُوسَى. فَدَنَوْتُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: اللّهُمّ أَيِّدْهُ بِنَصْرِكَ، بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ. ثُمَّ قَالَ: سَلُوهُ عَمَّا بَدَا لَكُمْ.
قَالُوا: وَكَيْفَ نَسْأَلُ طِفْلًا لَا يَفْقَهُ؟
قُلْتُ: سَلُونِي تَفَقُّهاً وَدَعُوا الْعَنَتَ.
قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنِ الْآيَاتِ التِّسْعِ الَّتِي أُوتِيَهَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ.
قُلْتُ: الْعَصَا، وَإِخْرَاجُهُ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ بَيْضَاءَ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَرَفْعُ الطُّورِ، وَالْمَنُّ وَالسَّلْوَى آيَةً وَاحِدَةً، وَفَلْقُ الْبَحْرِ.
قَالُوا: صَدَقْتَ، فَمَا أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ مِنَ الْآيَاتِ اللَّاتِي نَفَتِ الشَّكَّ عَنْ قُلُوبِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟
قُلْتُ: آيَاتٌ كَثِيرَةٌ، أَعُدُّهَا إِنْ شَاءَ اللهُ، فَاسْمَعُوا وَعُوا وَافْقَهُوا.
(أَمَّا أَوَّلُ ذَلِكَ): أَنْتُمْ تُقِرُّونَ أَنَّ الْجِنِّ كَانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَمُنِعَتْ فِي أَوَانِ رِسَالَتِهِ بِالرُّجُومِ وَانْقِضَاضِ النُّجُومِ، وَبُطْلَانِ الْكَهَنَةِ وَالسَّحَرَةِ. ".."
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنَ حِينَ ظَفِرَ بِالْحَبَشَةِ وَفَدَ عَلَيْهِ وَفْدُ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ وَوَصَفَ لَهُمْ صِفَتَهُ، فَأَقَرُّوا جَمِيعاً بِأَنَّ هَذَا الصِّفَةَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ. فَقَالَ: هَذَا أَوَانُ مَبْعَثِهِ، وَمُسْتَقَرُّهُ أَرْضُ يَثْرِبَ وَمَوْتُهُ بِهَا.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ أَبْرَهَةَ بْنَ يَكْسُومَ قَادَ الْفِيَلَةَ إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ لِيَهْدِمَهُ، قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبّاً يَمْنَعُهُ، ثُمَّ جَمَعَ أَهْلَ مَكَّةَ فَدَعَا، وَهَذَا بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ، فَأَرْسَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ وَدَفَعَهُمْ عَنْ مَكَّةَ وَأَهْلِهَا.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ أَبَا جَهْلٍ، عَمْرَو بْنَ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ، أَتَاهُ - وَهُوَ نَائِمٌ خَلْفَ جِدَارٍ- وَمَعَهُ حَجَرٌ يُرِيدُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِهِ، فَالْتَصَقَ بِكَفِّهِ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ أَعْرَابِيّاً بَاعَ ذَوْداً [الذّود من الإبل: ما بين الثّلاث إلى العشر] لَهُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ فَمَطَلَهُ بِحَقِّهِ، فَأَتَى قُرَيْشاً وَقَالَ: اعْدُونِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ فَقَدْ لَوَى حَقِّي، فَأَشَارُوا إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالُوا: ائْتِ هَذَا الرَّجُلَ فَاسْتَعْدِهِ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَهْزَؤونَ بِالْأَعْرَابِيِّ.فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ اعْدُنِي عَلَى عَمْرِو بْنِ هِشَامِ فَقَدْ مَنَعَنِي حَقِّي.
قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ فَدَقَّ عَلَى أَبِي جَهْلٍ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُتَغَيِّراً. فَقَالَ لَهُ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَعْطِ الْأَعْرَابِيَّ حَقَّهُ. قَالَ: نَعَمْ.وَجَاءَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْراً، انْطَلَقَ مَعِي الرَّجُلُ الَّذِي دَلَلْتُمُونِي عَلَيْهِ، فَأَخَذَ حَقِّي.فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالُوا: أَعْطَيْتَ الْأَعْرَابِيَّ حَقَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُغْرِيَكَ بِمُحَمَّدٍ، وَنَهْزَأَ بِالْأَعْرَابِيِّ. قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، دَقَّ بَابِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ:
أَعْطِ الْأَعْرَابِيَّ حَقِّهُ، وَفَوْقَهُ مِثْلُ الْفَحْلِ فَاتِحاً فَاهُ كَأَنَّهُ يُرِيدُنِي، فَقَالَ: أَعْطِهِ حَقَّهُ، فَلَوْ قُلْتُ: لَا، لَابْتَلَعَ رَأْسِي، فَأَعْطَيْتُهُ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ قُرَيْشاً أَرْسَلَتِ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ بِيَثْرِبَ إِلَى الْيَهُودِ، وَقَالُوا لَهُمَا: إِذَا قَدِمْتُمَا عَلَيْهِمْ فَسَائِلُوهُمْ عَنْهُ، وَهُمَا قَدْ سَأَلُوهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: صِفُوا لَنَا صِفَتَهُ، فَوَصَفُوهُ. وَقَالُوا: مَنْ تَبِعَهُ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: سَفلَتُنَا.فَصَاحَ حَبْرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَنَجِدُ قَوْمَهُ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لَهُ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ قُرَيْشاً أَرْسَلَتْ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي طَلَبِهِ، فَلَحِقَ بِهِ فَقَالَ صَاحِبُهُ: هَذَا سُرَاقَةُ يَا نَبِيَّ اللهِ، فَقَالَ: اللّهُمّ اكْفِنِيهِ، فَسَاخَتْ قَوَائِمُ ظَهْرِهِ‏ [الظّهر: الحيوان الّذي يُركب]، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ خَلِّ عَنِّي بِمَوْثِقٍ أُعْطِيكَهُ أَنْ لَا أُنَاصِحَ غَيْرَكَ، وَكُلَّ مَنْ عَادَاكَ لَا أُصَالِحُ. فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللّهُمّ إِنْ كَانَ صَادِقَ‏ الْمَقَالِ فَأَطْلِقْ فَرَسَهُ. فَانْطَلَقَ فَوَفَى وَمَا انْثَنَى بَعْدَ ذَلِكَ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وَأَزيَدَ بْنَ قَيْسٍ أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ عَامِرٌ لِأَزيَدَ: إِذَا أَتَيْنَاهُ فَأَنَا أُشَاغِلُهُ عَنْكَ فَأَعْلِهِ بِالسَّيْفِ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ قَالَ عَامِرٌ: يَا مُحَمَّدُ خَائِرْ [كذا، وفي نسخة حائر]. قَالَ: لَا، حَتَّى تَقُول أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى أَزيَدَ، وَأَزْيَدُ لَا يُخْبِرُ شَيْئاً.فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ نَهَضَ وَخَرَجَ وَقَالَ لِأَزْيَدَ: مَا كَانَ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَخْوَفَ عَلَى نَفْسِي فَتْكاً مِنْكَ، وَلَعَمْرِي لَا أَخَافُكَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقَالَ لَهُ أَزْيَدُ: لَا تَعْجَلْ، فَإِنِّي مَا هَمَمْتُ بِمَا أَمَرْتَنِي بِهِ إِلَّا وَدَخَلَتِ الرِّجَالُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، حَتَّى مَا أُبْصِرُ غَيْرَكَ، فَأَضْرِبُكَ‏؟!
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ أَزيَدَ بْنَ قَيْسٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ اجْتَمَعَا عَلَى أَنْ يَسْأَلَاهُ عَنِ الْغُيُوبِ فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَلَى أَزْيَدَ فَقَالَ: يَا أَزْيَدُ، أَتَذْكُرُ مَا جِئْتَ لَهُ يَوْمَ كَذَا وَمَعَكَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ؟ فَأَخْبرهُ بِمَا كَانَ فِيهِمَا، فَقَالَ أَزْيَدُ: وَاللهِ مَا حَضَرَنِي وَعَامِراً أَحَدٌ، وَمَا أَخْبَرَكَ بِهَذَا إِلَّا مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ نَفَراً مِنَ الْيَهُودِ أَتَوْهُ، فَقَالُوا لِأَبِي الْحَسَنِ جَدِّي: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى ابْنِ عَمِّكَ نَسْأَلُهُ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: وَمَا يُرِيدُونَ مِنِّي؟ فَإِنِّي عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللهِ، لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لَهُمْ. فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: أَتَسْأَلُونِّي عَمَّا جِئْتُمْ لَهُ أَمْ أُنَبِّئُكُمْ؟ قَالُوا: نَبِّئْنَا، قَالَ: جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ غُلَاماً مِنْ أَهْلِ الرُّومِ ثُمَّ مَلَكَ، وَأَتَى مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَمَغْرِبَهَا، ثُمَّ بَنَى السَّدَّ فِيهَا. قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كَذَا.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ وَابِصَةَ بْنَ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيَّ أَتَاهُ فَقَالَ: لَا أَدَعُ مِنَ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ شَيْئاً إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: ادْنُ يَا وَابِصَةُ، فَدَنَوْتُ.
فَقَالَ: أَتَسْالُ عَمَّا جِئْتَ لَهُ أَوْ أُخْبِرُكَ؟ قَالَ: أَخْبِرْنِي.
قَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ. قَالَ: نَعَمْ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا وَابِصَةُ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ بِهِ الصَّدْرُ، وَالْإِثْمُ مَا تَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وجَالَ فِي الْقَلْبِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّهُ أَتَاهُ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا حَاجَتَهُمْ عِنْدَهُ قَالَ: ائْتُونِي بِتَمْرِ أَهْلِكُمْ مِمَّا مَعَكُمْ، فَأَتَاهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِنَوْعٍ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: هَذَا يُسَمَّى كَذَا، وَهَذَا يُسَمَّى كَذَا، فَقَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ بِتَمْرِ أَرْضِنَا، فَوَصَفَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ، فَقَالُوا: أَدَخَلْتَهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ فُسِحَ لِي فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا.فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا خَالِي وَبِهِ خَبَلٌ، فَأَخَذَ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ – ثَلَاثاً - ثُمَّ أَرْسَلَهُ، فَبَرَأَ. وَأَتَوْهُ بِشَاةٍ هَرِمَةٍ، فَأَخَذَ أَحَدَ أُذُنَيْهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَصَارَ مِيسَماً، ثُمَّ قَالَ: خُذُوهَا فَإِنَّ هَذَا السِّمَةَ فِي آذَانِ مَا تَلِدُ إِلَى يَوْمِ‏ الْقِيَامَةِ. فَهِيَ توَالدُ وَتِلْكَ فِي آذَانِهَا مَعْرُوفَةٌ غَيْرُ مَجْهُولَةٍ. ".."
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ مَعَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحِيَالِ بحيراء الرَّاهِبِ نَزَلُوا بِفِنَاءِ دَيْرِهِ، وَكَانَ عَالِماً بِالْكُتُبِ، وَقَدْ كَانَ قَرَأَ فِي التَّوْرَاةِ مُرُورَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِهِ، وَعَرَفَ أَوَانَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ فَدُعِيَ إِلَى طَعَامِهِ، فَأَقْبَلَ يَطْلُبُ الصِّفَةَ فِي الْقَوْمِ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَقَالَ: هَلْ بَقِيَ فِي رِحَالِكُمْ أَحَدٌ؟فَقَالُوا: غُلَامٌ يَتِيمٌ. فَقَامَ بحيراء الرَّاهِبُ فَاطَّلَعَ، فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ نَائِمٌ وَقَدْ أَظَلَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْعُوا هَذَا الْيَتِيمَ، فَفَعَلُوا وَبحيراء مُشْرِفٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسِيرُ وَالسَّحَابَةُ قَدْ أَظَلَّتْهُ، فَأَخْبَرَ الْقَوْمَ بِشَأْنِهِ وَأَنَّهُ سَيُبْعَثُ فِيهِمْ رَسُولًا وَيَكُونُ مِنْ حَالِهِ وَأَمْرِهِ. فَكَانَ الْقَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ يَهَابُونَهُ وَيُجِلُّونَهُ.فَلَمَّا قَدِمُوا أَخْبَرُوا قُرَيْشاً بِذَلِكَ، وَكَانَ عِنْدَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ فَرَغِبَتْ فِي تَزْوِيجِهِ، وَهِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ خَطَبَهَا كُلُّ صِنْدِيدٍ وَرَئِيسٍ قَدْ أَبَتْهُمْ، فَزَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا لِلَّذِي بَلَغَهَا مِنْ خَبَرِ بحيراء.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ أَيَّامٌ أَلَّبَ عَلَيْهِ قَوْمهُ وَعَشَائِرهُ، فَأَمَرَ عَلِيّاً أَنْ يَأْمُرَ خَدِيجَةَ أَنْ تَتَّخِذَ لَهُ طَعَاماً فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ أَقْرِبَاءَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَعَا أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَقَالَ: (هَاتِ‏) لَهُمْ طَعَاماً يَا عَلِيُّ، فَأَتَاهُ بِثَرِيدَةٍ وَطَعَامٍ يَأْكُلُهُ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ فَقَدَّمَهُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: كُلُوا وَسَمُّوْا، فَسَمَّى وَلَمْ يُسَمِّ الْقَوْمِ، فَأَكَلُوا وَصَدَرُوا شَبْعَى.فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: جَادَ مَا سَحَرَكُمْ مُحَمَّدٌ، يُطْعِمُ مِنْ طَعَامِ ثَلَاثِ رِجَالٍ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، هَذَا وَاللهِ هُوَ السِّحْرُ الَّذِي لا بعده.فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ثُمَّ أَمَرَنِي بَعْدَ أَيَّامٍ فَاتَّخَذْتُ لَهُ مِثْلَهُ وَدَعْوَتُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ فَطَعِمُوا وَصَدَرُوا.".."
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَتَتْهُ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فَتَنَاوَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الذِّرَاعَ وَتَنَاوَلَ بِشْرٌ الْكُرَاعَ، فَأَمَّا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَاكَهَا وَلَفَظَهَا وَقَالَ: إِنَّهَا لَتُخْبِرُنِي أَنَّها مَسْمُومَةٌ. وَأَمَّا بِشْرٌ فَلَاكَ الْمُضْغَةَ وَابْتَلَعَهَا فَمَاتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأَقَرَّتْ، وَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: قَتَلْتَ زَوْجِي وَأَشْرَافَ قَوْمِي، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مَلِكاً قَتَلْتُهُ، وَإِنْ كَانَ نَبِيّاً فَسَيُطْلِعُهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى ذَلِكَ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَحْفِرُونَ وَهُمْ خِمَاصٌ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحْفِرُ وَبَطْنُهُ خَمِيصٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي فَأَخْبَرْتُهَا فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا هَذِهِ الشَّاةُ وَمِحْرَزٌ مِنْ ذُرَةٍ.قَالَ: فَاخْبِزِي. وَذَبَحَ الشَّاةَ وَطَبَخُوا شِقَّهَا وَشَوَوْا الْبَاقِيَ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّخَذْتُ طَعَاماً فَائْتِنِي أَنْتَ وَمَنْ أَحْبَبْتَ، فَشَبَّكَ أصَابِعَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ نَادَى: أَلَا إِنَّ جَابِراً يَدْعُوكُمْ إِلَى طَعَامِهِ.فَأَتَى أَهْلَهُ مَذْعُوراً خَجِلًا فَقَالَ لَهَا: هِيَ الْفَضِيحَةُ قَدْ حَفَلَ بِهِمْ أَجْمَعِينَ.فَقَالَتْ: أَنْتَ دَعْوَتَهُمْ أَمْ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ. قَالَتْ: فَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ.
فَلَمَّا رَآنَا أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ عَلَى الشَّوَارِعِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ التَّوَارِيَ- يَعْنِي قِصَاعاً كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ - وَالْجِفَانَ، ثُمَّ قَالَ: مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ؟ فَأَعْلَمْتُهُ،فَقَالَ: غَطُّوا السِّدَانَةَ وَالْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ، وَاغْرِفُوا وَأَخْرِجُوا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَغَطُّوا. فَمَا زَالُوا يَغْرِفُونَ وَيَنْقُلُونَ وَلَا يَرَوْنَهُ يَنْقُصُ شَيْئاً حَتَّى شَبِعَ الْقَوْمُ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، ثُمَّ أَكَلَ جَابِرٌ وَأَهْلُهُ وَأَهْدَوْا وَبَقِيَ عِنْدَهُمْ أَيَّاماً.
(وَمِنْ ذَلِكَ)‏: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ أَتَاهُ عَشِيَّةً وَهُوَ صَائِمٌ فَدَعَاهُ إِلَى طَعَامِهِ، وَدَعَا مَعَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَكَلُوا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: نَبِيٌّ وَوَصِيٌّ، يَا سَعْدُ أَكَلَ طَعَامَكَ الْأَبْرَارُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكَ الصَّائِمُونَ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ. فَحَمَلَهُ سَعْدٌ عَلَى حِمَارٍ قَطُوفٍ وَأَلْقَى عَلَيْهِ قَطِيفَةً، فَرَجَعَ الْحِمَارُ وَإِنَّهُ لَهِمْلَاجُ مَا يُسَايِرُ.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ بِقَدْرِ مَا يروي الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ سَبَقَنَا إِلَى الْمَاءِ فَلَا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ دَعَا بِقَدَحٍ فَتَمَضْمَضَ فِيهِ ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاءِ، فَفَاضَ الْمَاءُ فَشَرِبُوا وَمَلَؤُوا أَدَوَاتِهِمْ وَمَيَاضِيَهِمْ وَتَوَضَّأوا. فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَئِنْ بَقِيتُمْ، أَوْ بَقِيَ مِنْكُمْ، لَيَتَّسِعَنَّ بِهَذَا الْوَادِي بِسَقْيِ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ مَائِهِ، فَوَجَدُوا ذَلِكَ كَمَا قَالَ‏.
(وَمِنْ ذَلِكَ): إِخْبَارُهُ عَنِ الْغُيُوبِ، وَمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، فَوُجِدَ ذَلِكَ مُوَافِقاً لِمَا يَقُولُ.
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّهُ أَخْبَرَ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ، بِمَا رَأَى فِي سَفَرِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضٌ وَصَدَّقَهُ بَعْضٌ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا رَأَى مِنَ الْمَارَّةِ وَالْمُمْتَارَةِ وَهَيَآتِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَمَا مَعَهُمْ مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَأَنَّهُ رَأَى عِيراً أَمَامَهَا بَعِيرٌ أَوْرَقُ، وَأَنَّهُ يَطْلُعُ يَوْمَ‏ كَذَا مِنَ الْعَقَبَةِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. فَغَدَوْا يَطْلُبُونَ تَكْذِيبَهُ لِلْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُمْ، فَلَمَّا كَانُوا هُنَاكَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَذَبَ السَّاحِرُ، وَأَبْصَرَ آخَرُونَ بِالْعِيرِ قَدْ أَقْبَلَتْ يَقْدُمُهَا الْأَوْرَقُ فَقَالُوا: صَدَقَ، هَذِهِ نَعَمْ قَدْ أَقْبَلَتْ‏.".."
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيِّ مَرَّتْ بِهِ أَيَّامَ حَفْرِهِمُ الْخَنْدَقَ، فَقَالَ لَهَا: إِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: إِلَى عَبْدِ اللهِ بِهَذِهِ التَّمَرَاتِ، فَقَالَ:
هَاتِيهِنَّ. فَنَثَرَتْ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَنْطَاعِ وَفَرَّقَهَا عَلَيْهَا وَغَطَّاهَا بِالْأُزُرِ، وَقَامَ وَصَلَّى، فَفَاضَ التَّمْرُ عَلَى الْأَنْطَاعِ، ثُمَّ نَادَى: هَلُمُّوا وَكُلُوا. فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا وَحَمَلُوا مَعَهُمْ وَدَفَعَ مَا بَقِيَ إِلَيْهَا.".."
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَتَاهُ قَوْمٌ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَنَا بِئْراً إِذَا كَانَ الْقَيْظُ اجْتَمَعْنَا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ تَفَرَّقْنَا عَلَى مِيَاهِ حَوْلِنَا، وَقَدْ صَارَ مَنْ حَوْلَنَا عَدُوّاً لَنَا، فَادْعُ اللهَ فِي بِئْرِنَا. فَتَفَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي بِئْرِهِمْ، فَفَاضَتِ الْمِيَاهُ الْمَغِيبَةُ فَكَانُوا لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى قَعْرِهَا – بَعْدُ - مِنْ كَثْرَةِ مَائِهَا.فَبَلَغَ ذَلِكَ مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابَ فَحَاوَلَ ذَلِكَ فِي قَلِيبٍ قَلِيلٍ مَاؤُهُ، فَتَفَلَ الْأَنْكَد فِي الْقَلِيبِ فَغَارَ مَاؤُهُ وَصَارَ كَالْجَبُوبِ‏ [الجبوب: وجه الأرض].".."
(وَمِنْ ذَلِكَ): أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ أَتَتْهُ حِينَ نَزَلَتْ سُورَةُ (تَبَّتْ) وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ [بَعْضُ أَصْحَابِهِ]، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ أُمُّ جَمِيلٍ مُحْفَظَةٌ - أَيْ مُغْضَبَةٌ - تُرِيدُكَ وَمَعَهَا حَجَرٌ تُرِيدُ أَنْ تَرْمِيَكَ بِهِ. فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَرَانِي. فَقَالَتْ [لِلرَّجُل]: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللهُ. قَالَتْ: لَقَدْ جِئْتُهُ، وَلَوْ أَرَاهُ لَرَمَيْتُهُ، فَإِنَّهُ هَجَانِي، وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِنِّي لَشَاعِرَةٌ. فَقَالَ [الرّجُلُ]: يَا رَسُولَ‏ اللهِ، لَمْ تَرَكَ؟ قَالَ: لَا، ضَرَبَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَاباً.
(وَمِنْ ذَلِكَ): كِتَابُهُ الْمُهَيْمِنُ الْبَاهِرُ لِعُقُولِ النَّاظِرِينَ، مَعَ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْخِلَالِ الَّتِي إِنْ ذَكَرْنَاهَا لَطَالَتْ.***
فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ هَذَا كَمَا وَصَفْتَ؟
فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى [الكاظم] عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مَا تَذْكُرُونَ مِنْ آيَاتِ مُوسَى عَلَى مَا تَصِفُونَ؟
قَالُوا: عَلِمْنَا ذَلِكَ بِنَقْلِ الْبَرَرَةِ الصَّادِقِينَ.
قَالَ لَهُمْ: فَاعْلَمُوا صِدْقَ مَا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، بِخَبَرِ طِفْلٍ لَقَّنَهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ تَلْقِينٍ، وَلَا مَعْرِفَةٍ عَنِ النَّاقِلِينَ.
فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّكُمُ الْأَئِمَّةُ الْقَادَةُ وَالْحُجَجُ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ.فَوَثَبَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيَّ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ الْقَائِمُ مِنْ بَعْدِي (..) ثُمَّ كَسَاهُمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَوَهَبَ لَهُمْ وَانْصَرَفُوا مُسْلِمِينَ».

24-12-2015 | 16-17 د | 817 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net