الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1324 - 01 صفر 1440 هـ - الموافق 141 تشرين الأول 2018م
إذاعة الفاحشة

إدخال السكينة إلى القلوبكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقائه أعضاء مجلس خبراء القيادةالعدلُ قوّةمراقباتمراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

التصنيفات » فكر معاصر
الموقف من أحداث التاريخ بالرجوع إلى القرآن والسنة والعقل
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

 
القرآن الكريم يحاكم الشخصيّات التاريخية، وكذلك السنّة المطهّرة والفطرة الإنسانية والعقل البشري:
من الاُمور التي تثير الآخرين، ويكثرون التساؤل عنها، هي أنّ أتباع أهل البيت(عليهم السلام) يصرّون على التنقيب في التاريخ وعلى القضاء التاريخي، أي: يتّخذون مواقف قضائية تجاه الأحداث التاريخية، وهم يعترضون على الشيعة بحجّة أنّ ذلك يوجب الشحناء والبغضاء في صفوف الاُمّة الإسلامية، وإثارة النعرات الطائفية في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى تأليف القلوب وتوحيد الصفوف أمام التحدّيات الراهنة.

ونحن سنجيب على هذا الإشكال، وذلك من خلال الآيات القرآنية الشريفة والسنّة المطهّرة والأدلة المتّفق عليها بين الفريقين والدليل العقلي والقانون البشري، كل هذه الأُمور تحثّ الإنسان على نبش التاريخ والتنقيب عنه واتخاذ مواقف ممّا حدث في التاريخ.
 
سنّة الرثاء في القرآن الكريم:
وقد تكلّمت في العالم الماضي عن سنّة قرآنية عظيمة، ولم أقف على من ذكر هذه السنّة القرآنية - في حدود استقصائي- ولم أقف على من أثار هذه الدلالة القرآنية من علمائنا ـ فضلا عن علماء المذاهب الاُخرى ـ ألا وهي استعراض القرآن الكريم للظلامات التاريخية ابتداءً من قصّة هابيل وقابيل[1] ومروراً بأصحاب الأُخدود[2] وقتل الأنبياء[3] ومظلومية النبي يوسف[4] وأصحاب الكهف الذين وحّدوا الله بفطرتهم[5]، ولم يكونوا ينتسبون إلى دين من الأديان، "كما هو أحد الآراء التفسيرية"، وللأسف لم أسمع أحداً من الأُدباء من أتباع الإمامية من طرق هذا الباب، وهذا السبق سبق أدبي وسبق قرآني وسبق تربوي وسبق اجتماعي وسبق اعتقادي، وهو وجود أدب الرثاء والندبة والعزاء في القرآن الكريم، وللأسف لم يثر مفسّروا الإمامية هذا الباب، وهو باب أدب الرثاء، مع أنّ القرآن الكريم يحمل الأُسلوب الرثائي بطريقة عاطفيّة جيّاشة، وهذا الباب ـ أدب الرثاء ـ يقف إلى جانب أدب الحكم والمواعظ والأمثال والوعيد والبشارة.

والرثاء في القرآن الكريم بأُسلوب عاطفي جيّاش يهدف إلى إيصال المستمع للقرآن إلى التضامن مع المظلوم، والتنديد بالظلم والظالمين، ولو حلّلنا سورة البروج في موضوع أصحاب الأُخدود، وحلّلنا قصّة هابيل وقابيل لرأينا أنّها في منتهى الإثارة العاطفيّة للقاريء، وهذا ليس أدب رثاء فقط، ولكن كل ختمة نختمها من القرآن الكريم تتطوي على العديد من المراثي والندب، وهذا مطلب قرآني يهدف إلى فتح الملفّات التاريخية، ومن الملفّات التي فتحها القرآن الكريم الملفّات التاريخية المتعلّقة بالنبي وأصحابه، فنرى أنّ القرآن الكريم يفتح هذه الملفّات ويصنّف المحيطين بالنبي، ويصفهم بأوصاف إيجابية وسلبية بدرجات مختلفة، فيصف بعضهم بالمنافقين والمرجفين في المدينة[6] والمعوّقين والمبطئين والمتخلّفين[7]، كما أنّ هناك أوصافاً إيجابية تصفهم بأنّهم أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركَّعاً سجَّداً يبتغون فضلا من ربّهم[8]
 
موقف القرآن الكريم من البدريين الذين كانوا مع النبي محمّد(صلى الله عليه وآله):
في هذا العام زرت مكان معركة بدر الكبرى، والتي تبعد 150 كم عن المدينة المنورة ببركات النبي محمّد(صلى الله عليه وآله) وأئمة البقيع(عليهم السلام) والبضعة الطاهرة(عليها السلام)، وهناك رأينا أحد المشايخ، وقال لي: هل جئتم هنا إلى زيارة القبور؟ فقلت له: لا، وإنّما أتيت هنا لأرى مسرح المعركة التي انتصر فيها المسلمون، وكان لعلي(عليه السلام) دور أساسي ومحوري في هذا النصر، وهناك فتحنا القرآن، وحاولنا معرفة مكان العدوة الدنيا والعدوة القصوى ومكان الركب الموصوف في الآية بـ {أسفل منكم}[9]، حيث كان الإمام الصادق(عليه السلام) يوصي ابن أبي يعفور، ويقول: لا يفوتنّك مشهد من مشاهد النبي إلاّ واشهده[10]، ولعلّ في بعض الروايات وصلّ فيه ركعتين[11].
وهناك، ونحن ننظر إلى ساحة المعركة ففتحنا القرآن، وقرأنا في سورة الأنفال، وقرأنا هذه الآية أمام ذلك الشيخ الذي أنكر علينا زيارة القبور، {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[12].

واستنتجنا من الآية الكريمة أنّه كانت فئتان يذمّهما القرآن من بين البدريين أنفسهم ـ فضلا عن جميع الصحابةـ وهاتان الفئتان هما: المنافقون والذين في قلوبهم مرض، وعندما واجهنا ذلك الشيخ بهذه الآية قال: إنّ بدر لم تكن مدينة مسكونة.

فقلت له: إنّ القرآن لا يتكلّم عن سكّان بدر، وإنّما يتكلّم عن بعض الصحابة الذين كانوا مع النبي يحاربون ولكنّهم كانوا منافقين.
وعندها قال الشيخ: إنّي مرتبط بعمل وأريد الانصراف.
قلنا له: انصرف.

يقول السيد الطباطبائي في الميزان في ذيل هذه الآية: "أي: يقول المنافقون، وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، والذين في قلوبهم مرض، وهم الضعفاء في الإيمان ممّن لا يخلو نفسه من الشكّ والارتياب. يقولون ـ مشيرين إلى المؤمنين إشارة تحقير واستدلال ـ غرَّ هؤلاء دينهم إذ لولا غرور دينهم لم يقدموا على هذه المهلكة الظاهرة، وهم شرذمة أذلاّء لا عدّة لهم ولا عُدّة، وقريش على ما بهم من العدّة والقوّة والشوكة"[13].

القرآن الكريم يندّد ببعض البدريين، كما هو صريح الآية المذكورة، و"... مع ذلك نرى بعض المسلمين يعتقدون أنّ كل أهل بدر مغفور لهم حتى لو ارتكبوا ما ارتكبوا، ولعلّ الله عزّ وجلّ إطلع على أهل بدر، فقال: إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم..."[14]، والسيد الطباطبائي يردّ على هذه الرواية[15]; لأنّها تخالف صريح القرآن الذي ندّد ببعض البدريين.
 
اللعن مفهوم قرآنى يراد منه البراءة من الظالم ومساندة المظلوم:
ونحن نركّز على القرآن فضلا عن كتب التاريخ والسير والمراجع التي يعتمد عليها الفريقان، القرآن يعلّمنا نبش التاريخ ومحاكمة الشخصيات التاريخية واتخاذ المواقف منها، ونحن هنا نعلن شرعية اللعن المتمثّل بالبراءة من الظالم والوقوف مع المظلوم، واللعن ليس مفهوماً شيعياً عصبياً خرافياً أُسطورياً ناشئاً من العُقَد النفسيّة، وإنّما هو مفهوم قرآني إسلامي أصيل، وحتى في العرف القانوني الحديث فيها اللعن بتسميات أُخرى، وهي الاستنكار والشجب والإدانة، وفي مقابلها التضامن والمساندة والتأييد والدعم، وهذا هو التبرّي والتولّي، ولكن بمصطلحات حديثة ليس إلاّ.

القرآن لا يدعو إلى نصرة المظلومين والمصلحين الشرفاء فحسب، وإنّما يدعو إلى شجب وإدانة واستنكار ولعن الظالمين الذين لوّثوا التاريخ البشري، وتعدّوا على حق البشرية حتى لو صاروا رفاتاً وتراباً، والاستنكار من صميم الوجدان البشري، ومن فطرة الإنسان.

والبعض حتى من المثقفين يستوحشون من اللعن، والمشكلة لا تكمن في حروف اللعن "ل ع ن"، وإنّما في مضمون اللعن، واتخاذ الموقف المضاد للظالمين، ولهذا فاللعن الوارد في زيارة عاشوراء ينطلق من هذا المنطلق، وهذا هو منطق القرآن الكريم.
 
اتخاذ الموقف من أحداث التاريخ وشخصيّاته بناءً على مفهوم انكار المنكر:
وأضيف لما ذكرته في العام الماضي ـ وهو أنّ القرآن كتاب رثاء وندبة ـ أنّ القرآن الكريم يدعو إلى اتخاذ الموقف، ومحاكمة الأحداث التاريخية وشخصيّاته، ومن الضروريات الفقهية المتسالم عليها بين الفريقين هي إنكار المنكر، ويشمل مفهوم إنكار المنكر إنكار المنكر التاريخي، والذي مرّ عليه زمان طويل، ومن المعروف أنّ مراتب إنكار المنكر هي الإنكار بالقلب ثمّ باللسان ثمّ باليد، وحيث إنّنا لا نتمكن من إنكار المنكر التاريخي باليد واللسان إلاّ أنّنا نستطيع إنكاره بالقلب، وأحداث التاريخ لها موضوع قائم فيجب إنكاره إنكاراً قلبيّاً، نحن نقول: يجب، ولا نقول: يجوز ; لأنّ اتخاذ الموقف من المنكر التاريخي ممكن بالقلب.
 
انكار المنكر التاريخي في القرآن الكريم:
وهذا الكلام له شاهد من القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يعاتب ويؤنّب ويندّد باليهود المعاصرين للنبي محمّد(صلى الله عليه وآله) بما فعل أجدادهم قبل قرون عديدة ; لأنّهم متعاطفون مع أجدادهم، والقرآن الكريم لا يخاطبهم مخاطبة المتعاطف مع الظالم، وإنّما يخاطبهم مخاطبة الظالم والمرتكب للجريمة، وله شواهد عديدة، منها قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُول حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[16]، مع أنّ اليهود المعاصرين للنبي(صلى الله عليه وآله) لم يقتلوا رسل الله، ولكن الله خاطبهم بهذا الخطاب ; لأنّ هؤلاء رضوا بفعلهم ولم ينكروا عليهم.
وكذلك قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}[17]، مع أنّ اليهود المعاصرين للنبي ليسوا هم الذين عبدوا العجل.
 
ولعن الله اُمّة رضيت بذلك:
ومن هذا المنطلق يحارب الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أتباع بني أُمية باعتبار أنّهم رضوا بقتل الحسين(عليه السلام)، وهذا ما فعله القرآن الكريم مع بني إسرائيل المعاصرين للنبي(صلى الله عليه وآله)، وحملهم مسؤولية ما فعله أسلافهم.
وهناك حديث يقول: "بحشر المرء مع من أحب"[18]، أمثال قابيل وقارون وفرعون؟!
وهناك دليل عقلي فطري يحسّن الحسن ويقبّح القبيح، فكيف نحارب فطرتنا ونطمسها؟!
 
البراءة على صعيد العلاقات الدولية:
أمّا على صعيد العلاقات الدولية، ففي مطلع هذا العام الميلادي زار الرئيس الياباني قبور الجنرالات اليابانيين الذين شاركوا في الحرب العالمية فثارت ثائرة الصين وكوريا الجنوبية، فلِمَ ثارت ثائرتهم ونبشوا التاريخ؟ ولِمَ ينبش الرئيس الياباني هذا التاريخ ؟

الصين تقول: أنّ هؤلاء الجنرالات قد قاموا بجرائم في حق الإنسانية، ويجب اتخاذ موقف سلبي منهم والبراءة منهم، ومن غير المناسب زيارة قبورهم، بل طالب الصينيّون والكوريّون من الرئيس الياباني الاعتذار من هذا الفعل الذي يعدّ مساندة للمجرمين في حق الإنسانية، وأنّ هذا الفعل يربّي الشعب الياباني على الإجرام، ويرسّخ التجاوزات التي يقوم بها المجرمون في الأجيال القادمة.

إذن التاريخ يؤثّر في النفوس، وهو مجموعة من العلوم التي يمكن تطبيقها في الواقع، والتاريخ أبلغ تأثيراً في صياغة أفكار وعواطف المجتمع البشري من غيره.

وعندما يتساوى عند الإنسان الظلم والعدل، ولم يتخذ المواقف المناسبة منهما فإنّه يصبح ظالماً بصورة تلقائية، ولذلك يُرفض النازيّون والفاشيّون، وتُرفض الإشادة بهتلر وموسيليني ; لأنّ التضامن مع مثل هذه النماذج السيئة يسبّب أزمة في المجتمع البشري، ولهذا يركّز القرآن على الأحداث والسنن التاريخية والاستفادة منها.

التاريخ وعلم السيرة وتراجم الشخصيّات ليس تاريخاً قد مضى، وإنّما هي عقيدة وعبرة وعظة وقراءة دينية، وعدم الاعتبار من التاريخ يسبّب تكرار الخطأ الذي قام به الأوّلون.

إذن الإنسان الحضاري هوالذي يتمسك بالتاريخ ويستفيد منه في جوّ هاديء، وفي جوّ الحوار العلمي الموضوعي، وتكرار الأخطاء قد يُعطي إنطباعاً أنّها ليست أخطاء ; لأنَّ الناس يتفاعلون معها بشكل طبيعي ويعتادون عليها ولا ينظرون إلى الجانب السلبي منها.
 
 
آية الله الشيخ محمد سند – بتصرف يسير


[1] المائدة (5): 27 ـ 31.
[2] البروج (85): 4 ـ 8.
[3] البقرة (2): 61.
[4] يوسف (12): 4 ـ 33.
[5] الكهف (18): 9 ـ 26.
[6] التوبة (9): 73 ـ 87.
[7] الأحزاب (33): 18، الفتح (48): 11.
[8] الفتح (48): 29.
[9] الأحزاب (33): 10.
[10] كامل الزيارات: 66، الحديث 52.
[11] جامع أحاديث الشيعة 15: 70، الحديث 20598.
[12] الأنفال (8): 49.
[13] الميزان 9: 99.
[14] صحيح البخاري 3: 300، الحديث 4890، كتاب التفسير 65، سورة الممتحنة 60، باب "لا تتخذوا عدوّي وعدوكم اولياء".
[15] الميزان 19: 236.
[16] آل عمران (3): 183.
[17] البقرة (2): 51.
[18] بحار الأنوار 69: 81، كتاب الايمان والكفر، باب أنّ العمل جزء الايمان.

05-10-2016 | 15-03 د | 611 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net