الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1312 - 05 ذو القعدة1439 هـ - الموافق 19 تموز 2018م
مولد الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام)

المراقبة المشدّدة للنّفسبعض التوصيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(2)مراقباتالنيّة الصّادقةكلمة الإمام الخامنئي في لقائه جمعاً من أساتذة الجامعات والنخبة والباحثين الجامعيين بمناسبة شهر رمضان المباركمراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

التصنيفات » فكر معاصر
العقيدة وتحرير النفس من المخاوف
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

مما لا شكَّ فيه، أنّ الخوف يبدد نشاط الفرد، ويُشل طاقته الفكرية والجسمية، وكان الإنسانُ الجاهلي في خوف دائم من أخيه الإنسان ودسائسه، ومن الطبيعة المحيطة به وكوارثها، ومن الموت الذي لا سبيل له إلى دفعه، ومن الفقر والجدب، ومن المرض وما يرافقه من آلام، وتخفف العقيدة من وطأة الاحساس بتلك المخاوف التي تشلُّ طاقة الإنسان عن الحركة والانتاج، وتجعله غرضا للهموم والهواجس.
 
الموت تحفة!
ينبّه القرآن الكريم إلى حقيقة أزلية، على الإنسان أن يوطّن نفسه عليها، وهي: (كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ)[1].

وعليه فلا بدَّ مما ليس منه بد، والموت لا بدَّ أن يدرك الحي يوما ما، كما أدرك مَنْ قبله، وهو شيء لا عاصم منه.. قال تعالى: (أينما تكُونوا يُدرككُم الموتُ ولو كُنتُم في بُروجٍ مشيَّدة..)[2]. وقال: (قُلْ لَّن ينفعكُم الفرارُ إن فررتُم من الموتِ..)[3].

فالقرآن ـ إذن ـ يؤكد أنّ الموت لا بدَّ منه، ثم أنّه أمرٌ منوط بإذن اللّه تعالى وليس بيد غيره، وهذه حقيقة لها انعكاسات إيحائية على نفس الإنسان، بأنَّ أي قوة أرضية أو سماوية لا تستطيع ـ مهما أُوتيت من قوة ـ أن تسلب الحياة عن الإنسان قال تعالى: (ما كان لنفسٍ أن تموتَ إلاَّ بإذن اللّه كتابا مُؤجَّلاً..)[4].

ولقد بيّن القرآن الكريم زيفَ مزاعم اليهود الذين كانوا مع حرصهم الشديد على الحياة يتصورون أنهم أولياء اللّه دون غيرهم، فكشف عن زيف مزاعمهم بهذا التحدّي الذي يخاطب دفائن النفوس، ذلك أنَّ المؤمن باللّه حقا لا يخشى الموت إذا حلَّ بساحته، فالموت هو انتقال من دار فانية إلى دار باقية، واليهود بما يمتازون به من نزعة مادية طاغية، يخشون الموت ويتشبثون بالحياة، ومن هنا واجههم القرآن الكريم بهذا التحدي البليغ قال تعالى: (قُل يأيُّها الَّذين هادُوآا إن زعمتم أنّكُم أولياءُ للّه من دُونِ النّاسِ فتَمنَّوا الموتَ إن كنتم صادقين * ولا يتمنَّونه أبدا بما قدَّمت أيديهم واللّه عليمٌ بالظالمين)[5].

ويقول الإمام علي (عليه السلام): «... فما ينجو من الموت من خافه، ولا يعطى البقاء من أحبّه»[6]. والمثير في الأمر أنّ العقيدة في الوقت الذي تخفف من خوف الإنسان من الموت، تصوّر الموت للمؤمن كأنه تحفة! ينبغي الإقدام عليه، وفي ذلك يقول الرسول الأكرم (ص): «تحفة المؤمن الموت» وإنّما قال هذا لأنَّ الدنيا سجن المؤمن، إذ لا يزال فيها في عناء من رياضة نفسه ومقاساة شهواته ومدافعة الشيطان، فالموت إطلاق له من العذاب، والإطلاق تحفة في حقّه لما يصل إليه من النعيم الدائم[7].

وقال الإمام أبو عبداللّه الحسين (عليه السلام) لأصحابه يوم عاشوراء: «صبرا يا كرام! فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضّراء إلى الجنان الواسعة والنّعيم الدائم، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟..»[8] .

من جانب آخر، تدعو مدرسة آل البيت: إلى ضرورة معرفة الموت، فإنّ معرفة الشيء قد تبدّد المخاوف منه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنَّ شدَّة توقّيه أعظم مما تخاف منه»[9]، وقد روي عن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) أنّه قال لمريض من أصحابه، عندما دخل عليه فوجده يبكي جزعا من الموت: «يا عبد اللّه، تخاف من الموت لأنّك لا تعرفه، أرأيتك إذا اتسخت وتقذّرت، وتأذيّت من كثرة القذر والوسخ عليك، وأصابك قروح وجرب، وعلمت أنّ الغسل في حمام يزيل ذلك كلّه، أما تريد أن تدخله، فتغسل ذلك عنك أو تكره أن تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال: بلى يا ابن رسول اللّه، قال (عليه السلام): فذاك الموت هو ذلك الحمام، وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك، وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاوزته، فقد نجوت من كلِّ غمٍّ وهمٍّ وأذى، ووصلت إلى كلِّ سرور وفرح»، فسكن الرجل واستسلم ونشط، وغمض عين نفسه، ومضى لسبيله[10].

ضمن هذا الاطار، قيل للإمام الصادق (عليه السلام): صف لنا الموت، قال (عليه السلام): «للمؤمن كأطيب ريح يشمّه، فينعس لطيبه، وينقطع التّعب والألم كلّه عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشدّ..»[11].

هكذا تقدم العقيدة إشعاعا من الأمن يخفف من وطأة الموت، فإنّه للمؤمن تحفة وراحة. قال رسول اللّه (ص): «شيئان يكرهما ابن آدم: يكره الموت فالموت راحة للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب»[12].

والأئمة: يؤكدون على الاكثار من ذكر الموت، لما فيه من آثار تربوية قيّمة، فهو يميت الشهوات في النفس، ويهوّن مصائب الدنيا التي تعصف بالإنسان مثل ريح السموم، يقول الرسول الأكرم (ص): «أكثروا من ذكر الموت فإنّه يمحّص الذنوب، ويزهّد في الدنيا»[13]. ويقول الإمام علي (عليه السلام): «أكثروا ذكر الموت، ويوم خروجكم من القبور، وقيامكم بين يدي اللّه عزَّ وجل تهون عليكم المصائب»[14].

ومن وصايا أمير المؤمنين لابنه الحسن (عليه السلام): «يا بُنيَّ أكثر من ذكر الموت، وذكر ما تهجُمُ عليه، وتُفضي بعد الموت إليه، حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك»[15]. وقال (عليه السلام) أيضا: «من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير»[16].

ونعود لنقول إنّ العقيدة تحرر النفوس من شبح الخوف من الموت من خلال التأكيد على أنّه حقيقة لا بدَّ منها، يجب التسليم بها، والتسالم معها عبر معرفة حقيقة الموت، وأنّه للمؤمن راحة، وبدلاً من نسيانه أو تناسيه، يجب أن نديم ذكره لما في ذلك من معطيات إيجابية قد أشرنا إليها فيما سبق.
 
الأستاذ عباس ذهبيات – بتصرف يسير


[1] آل عمران 3: 185.
[2] النساء 4: 78.
[3] الأحزاب 33: 16.
[4] آل عمران 3: 145.
[5] الجمعة 62: 6 ـ 7.
[6] نهج البلاغة، صبحي الصالح: 81 / خطبة 38.
[7] تنبيه الخواطر، الأمير ورّام 1 ـ 2: 268 باب ذكر الموت.
[8] معاني الاخبار، للصدوق: 288 ـ منشورات جماعة المدرسين ـ ط 1379 ه.
[9] نهج البلاغة: قصار الحكم / 175.
[10] معاني الاخبار، للصدوق: 290.
[11] عيون أخبار الرضا، لابن بابويه 2: 248 ـ مؤسسة الاعلمي ط 1.
[12] روضة الواعظين، للفتال النيسابوري: 486 في ذكر الموت.
[13] تنبيه الخواطر 1 : 269.
[14] الخصال ، للصدوق 2 : 616 حديث الاربعمائة.
[15] نهج البلاغة : 400 كتاب 31.
[16] روضة الواعظين : 490.

21-02-2017 | 15-12 د | 364 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net