الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1307 - 07 شوال 1439 هـ - الموافق 21 حزيران 2018م
غزوة حنين رافد المقاومين

التبليغ هو سبيل الإسلام الأوّلكلمة الإمام الخامنئي في لقائه كوكبةً من الشعراء والمثقّفين وظائف المبلّغين (7)مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَمراقباتمراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

التصنيفات » خطاب القائد
خطاب الإمام الخامنئي في الذّكرى الثّامنة والعشرين لرحيل الإمام الخمينيّ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

خطاب قائد الثّورة الإسلاميّة سماحة الإمام الخامنئي في الذّكرى الثّامنة والعشرين لرحيل الإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) في المرقد المطهّر للإمام الرّاحل
1396/3/14هـ .ش
2017/6/4 م


بسم‌الله‌الرّحمن‌الرّحيم

والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديّين المعصومين لا سيّما بقيّة الله في الأرضين.

سلام الله وصلواته على الابن البارّ للنبيّ الأكرم، والمحيي للدّين النبويّ، إمامنا الكبير؛ الذي نحتفل اليوم بذكرى رحيله المؤلمة، الذي اجتمعت اليوم كلّ هذه الحشود المحبّة والعاشقة احتفاءً بذكراه.

أيها الإخوة والأخوات الأعزّاء! سأتناول في حديثي اليوم، وبشكل رئيسيّ، بعض المسائل المتعلّقة بالإمام والثّورة؛ وإذا ما سنحت الفرصة، سأتعرّض في نهاية الحديث، بنحو مختصَر للكلام حول بعض مسائل السّياسة الداخليّة للبلاد، ومسائل السّياسة الخارجيّة.

تكرار الحقائق يمنع تحريفَها
بالطّبع، لقد جرى الحديث كثيرًا، طوال هذه السّنوات، حول الإمام الخميني؛ هذا الرّجل العظيم، من قِبل الشخصيّات والمفكّرين، ولكن أوّلًا، ما قيل حول الإمام والثّورة ــ لا ينفصلان عن اسم الثّورة ــ ما قيل ـ لا يمثّل كلّ ما يرتبط بالإمام والثّورة؛ ما زالت هناك أمور كثيرة لم تُذكر بعد، وينبغي أن ترسخ في أذهان النّاس بمرور الزّمان. ثانيًا، ينبغي الرّجوع والمراجعة مجدّدًا وتكرار ما قيل وقلناه وكرّرناه حول الإمام والثّورة؛ لأنّه إذا لم يجرِ تكرار حقيقةٍ ما والحديث عنها لمرّات، وذكر تفاصيلها وجزئيّاتها، فمن الممكن أن تُحرَّف هذه الحقيقة بمرور الزّمان. يعلم معظمكم بوجود دوافع لتحريف شخصيّة الإمام والثّورة- الّتي كانت أكبر إبداعات الإمام- علينا أن نكرّر الحقائق الّتي ذُكرت حول الإمام والثّورة، ونعيد ذكرها ونسحب البساط من تحت أرجل المحرّفين. هكذا كان الأمر في الشّرع المقدّس، وفي الحقائق التاريخيّة؛ لقد أُمرنا بتكرار الكثير من المعارف الدينيّة؛ على سبيل المثال، قراءة القرآن بنحو دائم وذلك حتّى لا ننسى الحقائق القرآنيّة، أو التّاريخ -التّاريخ الحقيقيّ والصّحيح-علينا أن نكرّره ونتكلّم عنه مرارًا. ولو لم يبيّن شعبنا ويذكر "عاشوراء" بهذا الشّكل وبإصرار على امتداد القرون، لكان من الممكن لهذه الواقعة المهمّة أن تُنسى، أو أن تُظهَّر بنحو أضعف كثيرًا ممّا هي عليه.

إنّ خطابي اليوم موجّه بالأساس لكم أنتم أيّها الشّباب الأعزّاء؛ السّبب في ذلك [أوّلًا]، أنّ الشّباب لم يشهدوا ولم يعيشوا عهد البطولات الكبيرة، وإنّما سمعوا فقط بعهد انتصار الثّورة، ومرحلة الدّفاع المقدّس، ومرحلة الحركات العظيمة والجهود الكبيرة الّتي بُذلت في وجه الانفصاليّين، وهذه المراحل بالنّسبة إلى شبابنا تشكّل تاريخًا وماضيًا.

لذا، ينبغي التّوضيح وذكر القضايا لهم على وجه الخصوص؛ هذا أوّلًا. ثانيًا، إنّ أذهان الشّباب هي هدف للمحرّفين؛ فهؤلاء اليوم يريدون العمل على أفكار شبابنا بنحو خاصّ، وذلك للحؤول دون معرفة الجيل الواسع لهذا البلد بالكثير من الحقائق. لذا، كان خطابي اليوم موجّهًا للشّباب..
  
الثّورة الإسلاميّة؛ تحوّلٌ سياسي اجتماعي
إنّ الثّورة الإسلاميّة الّتي قام بها الإمام العظيم، وتحقّقت الإرادة الإلهيّة على يديه وبقيادته، لم تكن مجرّد انتقال للسّلطة السياسيّة، بأن نُحّيت جماعة عن رأس السّلطة لتحلّ محلّها جماعة أخرى، بل إنّ الثّورة كانت تحوّلًا عميقًا؛ سواءً في سياسة البلاد-حيث أحدثت تحوّلًا عميقًا على الصّعيد السّياسي-  أم في صلب المجتمع الإيراني. فعلى الصّعيد السّياسي، كان هذا التحوّل بمعنى أنّه بدّل ديكتاتوريّة متوارثة، مرتبطة بالأعداء، تابعة للأجانب، كانت تحكم البلاد-بحكومة كهذه -بحكومةٍ الأساس والاعتماد فيها على الشّعب، مستقلّة وعزيزة وذات هويّة؛ هذا التحوّل العظيم حصل على الصّعيد السّياسي. وهكذا أيضًا فيما يتعلّق بصلب المجتمع، حيث كان مجتمعنا قد فقد هويّته؛ وتبدّلت إيران-مع كلّ تلك العراقة الثقافيّة، وتلك العظمة، وكلّ أولئك العلماء، والفلاسفة، وكلّ هذه المعارف الإنسانيّة العظيمة في هذا البلد- إلى مجتمع تابع للغرب وفاقد للهويّة. كان هدف الثّورة تغيير هذا الوضع، بأن تُبدّل المجتمع إلى مجتمع ذي هويّة، له استقلاله، وأصالته، وأخلاقيّته، وإبداعاته؛ فكانت الثّورة الإسلاميّة تمثّل مثل هذا التحوّل الذي قاده الإمام بدعم الشّعب إلى الانتصار.

أهدافٌ بالحدّ الأقصى.. انتصار وتحوّل عظيم
عندما كان إمامنا العظيم يذكر في بياناته وخطبه تلك الأهداف، فإنّما كان في الحقيقة يطرح أهدافًا بالمستوى الأقصى؛ وكانت تبدو للأشخاص المشكّكين والمتشائمين بعيدة المنال، وأنّ الإمام لن يستطيع تحقيق أهداف كهذه؛ وحتّى [برأي] السياسيّين [كان الحال كذلك]. أحد السياسيّين المعروفين والمحترمين والذي بدوري أكنّ له الاحترام، قال لي: "عندما طرح الإمام مسألة الإطاحة بالنّظام والسّلطة في البلد، تساءلت لِمَ يطرح الإمام هدفًا كهذا؟ فهذا أمر غير ممكن ومستحيل!"؛ أي إنّه حتّى السياسيّون المحنّكون والمجاهدون والمضحّون لم يكونوا يفكّرون بمثل هذا الشيء. لقد طرح الإمام هدفًا بمستوى أعلى. وإذا قارنتم هذا الهدف العالي السّقف بهدف ثورة المشروطة (الحركة الدستوريّة) على سبيل المثال، فقد كان هدف الحركة الدستوريّة الحدّ من صلاحيّات الشّاه عبر المجلس النيابيّ؛ أو بنهضة تأميم صناعة النّفط[1]، والذي كان بيد الإنكليز، وجعله في تصرّف حكومتنا. قارنوا بين هذه الأهداف الصّغيرة وذات الأسقف المتدنّية، وبين هدف الإمام الذي كان يهدف إلى ذلك التحوّل العظيم؛ فهذه الثورات الّتي كانت تتمتّع بالحدّ الأدنى من الأهداف لم تنتصر وأخفقت، وأما الإمام، فقد انتصر وحقق ذلك الهدف العظيم ذا الحدّ الأقصى. هؤلاء حقّقوا في بداية الأمر نجاحات صغيرة، لكنّهم أخفقوا فيما بعد. واستطاع الإمام أن يحقّق النّصر الكامل وأن يحافظ على هذا الانتصار ويخلّده.

نزول الشّعب إلى السّاحة سرُّ الانتصار
وهنا سؤال يُطرح، كيف استطاع الإمام أن يقود هذه الحركة العظيمة إلى الانتصار، وأن يحافظ على هذا الانتصار؟ السرّ في ذلك بحسب الموازين الظاهريّة-مُضافًا بالطّبع إلى الإرادة الإلهيّة-هو أنّ الإمام استطاع أن يُنزل المجتمع، وعموم أفراد الشّعب وخاصّة الشّباب منهم، إلى السّاحة. ففي كلّ حركة، وفي كلّ بلد يرِد فيه عموم أفراد الشّعب الميدان، ويقفون فيه ويقاومون، سيبلغون هدفهم؛ لا تخلّف ولا تأخير في ذلك؛ ولم يثبت عكس ذلك في أيّ مرحلة تاريخيّة؛ لقد استطاع الإمام أن يجترح هذه المعجزة وأن يقوم بهذا العمل العظيم، ويُنزل عموم أفراد الشّعب وخاصّة الشّباب إلى الميدان، وأن يبقيَهم فيه.

من أين حصل الإمام العظيم على قدرة كهذه؟ وهذه هي المسألة الّتي أريد التّأكيد عليها والّتي نستلهم منها الدّروس في يومنا هذا. لقد كان الإمام يتحلّى بجاذبيّات شخصيّة، حيث كانت توجد جاذبيّة في شعاراته؛ وهذه الجاذبيّة كانت من القوّة بحيث استطاع أن يُنزل فئات الشّعب المختلفة وخاصّة الشّباب إلى السّاحات. وعلى الرّغم من أنّ الشابّ، سواءً في مرحلة المقارعة والنّضال، أم في العقد الأوّل لانتصار الثّورة، كانت تواجهه أمور جاذبة أخرى، وطروحات وأفكار مختلفة؛ كالأفكار اليساريّة والأفكار الرأسماليّة، حيث كان هؤلاء يطلقون أفكارًا برّاقة ومتنوّعة، هذا فضلًا عن إغراءات وبريق الحياة العاديّة الّتي قد تواجه الشّباب، والّتي يمكن للشابّ أن يختارها؛ لكنّ الشّباب اختاروا الإمام، وطريقه، والقيام، والنّضال، اختاروا الثّورة؛ فلِمَاذا؟ من أجل هذه الجاذبيّات الموجودة في الإمام.
 
جاذبيّات الإمام: شخصيّته وشعاراته وأفكاره

1- الصدق والصراح: كان الإمام (قده) يتحلّى بشخصيّة قويّة جدًّا، صلبة جدًّا، يمكنها الوقوف في وجه الصّعاب. وكان الإمام يتحلّى بالصراحة، صراحة القول، والصّدق، فكان صادقًا في كلامه؛ وكلّ مخاطبيه كانوا يتلمّسون هذا الصّدق في أقواله؛ كانت هذه جاذبيّات الإمام الشخصيّة. كما كان إيمان الإمام بالله وتوكّله عليه ظاهرًا في أفعاله وأقواله على السّواء؛ فسواء أقواله وأفعاله، كانت كلٌّ منها تُظهر مدى إيمانه بالله وتوكّله عليه. كانت هذه جاذبيّات الإمام.

2- الإسلام المحمّدي الأصيل: وكانت هناك بعض الجاذبيّات المرتبطة بالأصول الّتي طرحها الإمام، فمثلًا من جملة المفاهيم الّتي طرحها الإمام للنّاس، كان الإسلام المحمّدي الأصيل. الإسلام الأصيل يعني الإسلام الذي ليس أسيرًا للتحجّر، ولا للالتقاط. ففي العصر الذي كان التحجّر فيه موجودًا، وكان الالتقاط فيه موجودًا، طرح الإمام الإسلام الأصيل، فكان هذا أمرًا جاذبًا للشابّ المسلم.

3- السيادة الشعبية: من جملة المباني والشّعارات المطروحة من قِبل الإمام، كانت مسألة السّيادة الشّعبيّة؛ أي أن يكون اختيار  حاكميّة البلد في يد الشّعب؛ أن يختار النّاس ما يريدون في جميع ميادين الحياة. أحد شعارات الإمام كان إيمان الشعب بذاته وثقته بنفسه، أي إنّه كان يقول للشعب ويكرّر "إنّكم تستطيعون"، "إنّكم قادرون"؛ في العلم،   والصّناعة، والأعمال الأساسيّة، وفي إدارة البلاد، وإدارة القطاعات المهمّة في البلاد، في الاقتصاد وغيره، أنتم قادرون على الاعتماد على أنفسكم. كانت هذه جاذبيّات شخصيّة الإمام الّتي استطاعت أن تجذب الشّباب. فما كان من هؤلاء الّا أن التحقوا بثورة الإمام، وانتصرت الثّورة.

4- الاستقلال والحرية: ومن جملة المباني الإعلاميّة وشعارات الإمام، كان الاستقلال؛ والحريّة؛ والعدالة الاجتماعيّة والعدالة الاقتصاديّة؛ كانت هذه مباني الإمام الّتي طرحها؛ وهذه كلّها جذّابة.

ومن جملة مباني الإمام، الخروج من دائرة سلطة أميركا؛ وكان هذا أمرًا جاذبًا للشّباب. وأنا أقول لكم، إنّ الخروج اليوم من مخالب سلطة أميركا أمر جذّاب بالنّسبة إلى الشّباب [حتّى] في البلاد الّتي لديها معاهدات طويلة الأمد مع أميركا. أي في بلد مثل السعوديّة على سبيل المثال، الّتي هي في خدمة أميركا، إن استطلعتم آراء الشّباب -وهذا معلوم ومجرّب- سترون أنّهم كلّهم يمقتون الارتباط بأميركا، ويحبّون الخروج من سلطة الظالمين؛ كانت هذه واحدة من مميّزات [مباني الإمام].
 
رحل جسد الإمام، أما روحه: حيّة..جاذبة!
رحل الإمام، وبعد رحيله أمِل البعض بأن يتمكّن من ثني النّاس عن نهجه، ولم يستطِع بحمد الله تعالى. لقد مضت سنوات على رحيل الإمام، وراح البعض في الخارج وعملاؤهم في الدّاخل يتحيّنون الفرص، ويحلمون بأن تكون الثّورة قد غفلت، هرمت، تعطّلت وبطل مفعولها، فيتمكّنوا [حينذاك] من الهجوم ويعيدوا ذلك النّظام، الذي كان حاكمًا قبل الثّورة، إلى الحُكم من جديد، [ولكن] لم يستطيعوا. ما هي علّة هذه الإخفاقات؟ إنّها جاذبيّة الإمام العظيم، جاذبيّة مباني وأصول الإمام الّتي أوجدها في البلد. وسأتناول هذا الموضوع فيما بعد؛ لقد رحل جسد الإمام من بيننا، إلّا أنّ روحه موجودة؛ فروح الإمام حيّة، ونهجه حيّ، ونَفَسه حيّ في مجتمعنا. تلك الجاذبيّات الّتي كانت موجودة في حياته الظّاهريّة، وهي كالمغناطيس  تجذب النّاس والشّباب والقلوب إليه، ما زالت موجودة اليوم.إنّ اسم الإمام هو حلّال للمشاكل، هذا فضلًا عن أنّ أصوله لا تنتهي ولا تبلى بمرور الزّمان. هذه الأمور موجودة. وعليه، فإنّ شعار العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وشعار الاستقلال، والحريّة، وشعار السّيادة الشّعبيّة، والخروج من دائرة السّلطة الأمريكيّة والقوى العالميّة، ما زالت حتى اليوم أيضًا شعارات جذّابة لشعبنا وشبابنا.

قوّة الثّورة في التّعبئة والاستقطاب
   إنّنا حتمًا وللإنصاف متأخّرون في تحقيق بعض هذه الشّعارات. إنّنا متأخّرون في موضوع العدالة الاجتماعيّة، ومتأخّرون فيما يتعلّق بتحقّق المباني والأصول الإسلاميّة؛ لا ننكر هذا، لكنّ هدفنا، ومقصد همّتنا هو ما حدّده الإمام العظيم، إنّنا نسعى وراء هذه الأهداف؛ وهذا أمر جذاب لجيلنا الشابّ؛ ليس لجيل الشّباب في بلدنا فقط ، بل كذلك في البلدان الأخرى، وخاصّة في البلدان الإسلاميّة؛ هذه هي قوّة الثّورة في التّعبئة[2]؛ ما أريد قوله إنّ على المسؤولين في البلاد، والنّاشطين السياسيّين أن لا يغفلوا عن قدرة الثّورة هذه على التعبئة؛ فهذه نعمة كبيرة للغاية، هذه النّعمة الّتي حظي بها بلدنا وشعبنا؛ إنّ للثّورة القدرة على التّعبئة؛ ويمكنها توجيه الشّباب وذوي العزم والإرادة من النّاس، والطيّبين العقلاء منهم نحو الأهداف العليا والسّامية، وهدايتهم باتّجاهها والتقدّم بهم؛ فما من قوّة دافعة بعظمة وقوّة الثّورة وشعاراتها؛ إنّنا اليوم بحاجة إلى هذا الأمر، وسنحتاجه إلى سنوات طويلة قادمة.

أيها الإخوة والأخوات الأعزّاء! إنّ أعداءنا ليسوا جالسين وعاطلين من العمل، صحيح أنّهم لم يتمکّنواحتى الآن من توجيه ضربة كبرى وأساسية لنا؛ لقد تقدّمنا وتطوّرنا، وتمكنّا من إنجاز أعمال كبيرة.

هل يوجد وقاحة أبشع من هذا؟ 
ولكن العدوّ يكمن لنا؛ انظروا إلى أين وصلت وقاحة العدوّ. يقف الرئيس الأمريكي في نظام قَبَليّ متخلّف مُنحطّ بالكامل إلى جانب رئيس القبيلة ويرقص معه رقصة السّيف، ثم يعترض على أربعين مليون صوت أدلى بها الشّعب الإيرانيّ في انتخابات حرّة!

     إنّ أعداء بهذا المستوى من الوقاحة والتهتّك وقلّة الحياء، يقفون إلى جانب مَن يقتلون النّاس في الشّوارع والأسواق في اليمن ليلًا ونهارًا، ثمّ يتحدّثون عن حقوق الإنسان؛ هل هناك وقاحة أكبر من هذه؟ إنّهم يقصفون اليمن في اللّيل والنّهار منذ حوالي سنتين ونصف السّنة؛ كما أنّهم لا يقصفون المواقع العسكريّة في اليمن وحسب، بل تعدّى ذلك الى المناطق المدنيّة والنّاس العُزَّل في الأزقّة والأسواق والمساجد والمستشفيات والبيوت.إنّهم يقتلون الأبرياء، يقتلون النّساء والأطفال والكبار؛ ثمّ يذهبون ويقفون إلى جانبهم ويتبادلون المديح والغزل، ويتشدّقون باسم حقوق الإنسان، ويفرضون الحظر على الجمهوريّة الإسلاميّة بسبب حقوق الإنسان. فهل يوجد وقاحة أبشع من هذا؟ نحن وفي مقابل عدوّ كهذا نحتاج إلى قدرة الثّورة على التّعبئة والاستقطاب.

أكرِموا الثّورة وعظّموها! أنتم المخلصون الحريصون على البلاد والشّعب، أحيوا قيَم الثّورة بالمعنى الحقيقيّ للكلمة؛ البلاد بحاجة لهذا الأمر. وهذا لا يكون بأن ننسى تلك القيَم السّامية ونغفل عن الثّورة الإسلاميّة، لمصلحة الأهداف قصيرة الأمد وفي غمرة التّحولات المختلفة على صعيد السّياسات الرّاهنة والعابرة والأحداث اليوميّة.

العقلانيّة الحقيقيّة هي في الرّوح الثوريّة
إذا أردنا اليوم أن نتقدّم في ميدان العِلم والسّياسة والاقتصاد، إذا أردنا القيام بأعمال كبرى، نحتاج إلى تلك الجرأة والثّقة بالنّفس الّتي تمنحها الثّورة للشّعب. فلا تزيلوا تلك الجرأة والثّقة، لا تقوموا بإضعافها. الشّعب الإيرانيّ اليوم بحاجة إلى هذه الثّقة بالنّفس؛ شبابنا اليوم جاهز للمُضيّ في الطّرق الكبيرة، ومستعدّ للمشاركة في الأعمال العظيمة، مستعدّ للنّزول إلى الميدان. إنّني أقول لكم: لدينا في البلاد ملايين الشّباب الجاهزين، فيما لو تكرّرت تجربة مثل تجربة سنوات الستّينات، فسوف ينزلون إلى السّاحة بمنتهى الاقتدار وعزّة النّفس والشّجاعة والعزم، ولسوف يحرسون البلاد ويحافظون عليها.

في بعض الأوقات، أسمع البعض يطرحون مفهوم وعنوان "العقلانيّة" في مقابل شعارات الثّورة؛ وكأنّ العقلانيّة هي النّقطة المقابلة للثوريّة؛ كلّا! هذا خطأ؛ العقلانيّة الحقيقيّة أيضًا كامنة في الرّوح الثوريّة. النّظرة الثوريّة هي الّتي تستطيع أن تُظهر لنا الحقائق. انظروا وتأمّلوا! متى أطلق الإمام الخمينيّ على أمريكا لقب "الشّيطان الأكبر" وتحدّث عنها كموجود وحكومة غير جديرة بالثّقة؟ هذا ما علَّمه إمامنا الخمينيّ العظيم للشّعب الإيرانيّ –علّمه لنا- قبل سنوات طوال؛ اليوم وبعد مُضيّ كلّ تلك السّنوات، يقول رؤساء البلدان الأوروبيّة إنّ أمريكا غير جديرة بالثّقة ولا يمكن الاعتماد عليها!
(كما يقول الشّاعر)
ما يشاهده الشّاب في المرآة                  يراه الشّيخ في الطّين البسيط!

هذه هي العقلانيّة. العقلانيّة هي أن هذه الفكرة والعبارات الّتي يطرحها اليوم رؤساء البلدان الأوروبيّة بأنّه لا يمكن الوثوق بأمريكا، كان الإمام الخمينيّ قد قالها قبل أكثر من ثلاثين سنة. ونحن جرّبنا هذه المسألة و اختبرناها بأنفسنا؛ في الحقيقة والواقع، الأمريكيّون غير جديرين بالثقة؛ الأمريكيّون ليسوا أهلًا للثّقة في جميع القضايا والمجالات؛ ومن الممكن أن أتكلّم عن هذا الموضوع في فرص أخرى إن شاء الله.

لكنّ درب الإمام وكلماته وأفكاره حيّة ومستمرّة
   هي العقلانيّة؛ معنى العقلانيّة هو أن يعرف الإنسان الأصالة والأشياء الأصيلة؛ العقلانيّة معناها الاعتماد على الشّعب وطاقاته الدّاخلية. العقلانيّة هي الاعتماد والتوكّل على الله العليّ العظيم. ليست العقلانيّة في أن يعود الإنسان بعد التحرّر من مخالب الهيمنة الأمريكيّة والاستكبار إلى الاقتراب منها مجدّدًا. هذه ليست عقلانيّة؛ العقلانيّة هي ما كان عند الإمام؛ العقلانيّة هي ما تقوله لنا الثّورة.

وألخّص المطلب لأقول: إنّ أكبر درس علَّمنا إيّاه الإمام العظيم هو درس الرّوح والفكر والعمل الثّوري؛ وهذا ما ينبغي أن لا ننساه. الإمام ليس تراثًا ثقافيًّا! بعضهم ينظر إلى الإمام الخمينيّ وكأنّه تراث ثقافي. الإمام الخمينيّ حيّ فينا، هو إمامنا؛ هو رائدنا؛ إنّه يقف أمامنا. أجل، إنّ جسم الإمام غير موجود، لكنّ دربه وكلماته وأفكاره وأنفاسه حيّة ومستمرّة. انظروا للإمام بهذه العين وتعلّموا منه دائمًا.

..وللتّسوية أيضًا تكاليف
بعضهم يرى العقلانيّة بشكل آخر ويقول: "إنّ تحدّي القوى الكبرى مُكلف"؛ بالطّبع هو يرتكب خطأً. نعم، التحدّي له تكاليف، لكن التّسوية [الاستسلام] أيضًا لها تكاليف.

انظروا إلى الحكومة السعوديّة؛ لأجل إرضاء الرّئيس الأمريكيّ الجديد تضطرّ لصرف أكثر من نصف احتياطاتها الماليّة لخدمة أهدافه وطبقًا لرغبات أمريكا. أليست هذه تكاليف؟ التّسوية أيضًا لها تكاليف. إذا كان التحدّي عقلانيًّا ومتطابقًا مع المنطق وعلى أساس الثّقة بالنّفس فإنّ تكاليفه أقلّ بكثير من تكاليف التّسوية. لقد تحدّثتُ سابقًا –وإن شاء الله سأتعرّض لهذا الموضوع في لقاءات تالية – بأن القوى المتآمرة والمعتدية لا تقتنع بحدّ وتقف عنده؛ وهذا ما شاهدناه وخبرناه في تعاملنا وتجاربنا خلال هذه الأعوام الأخيرة. إنّهم يضعون حدًّا معينًا، وعندما تتراجعون إلى هذا الحدّ، فإنّهم يبدأون فورًا بطرح مطالب جديدة. ومن خلال هذه الضّغوطات يجبرونكم على إعطائهم مطالبهم الجديدة؛ وهذه السّلسلة ستستمر بهذا الشّكل؛ هذا الابتزاز لا يتوقّف.

الروحيّة الثوريّة حاجةٌ للبلاد
الروحيّة الثوريّة تعني أن لا يجعل مسؤولو البلاد هدفهم إرضاء القوى المستكبرة؛ بل أن يجعلوا هدفهم إرضاء النّاس والشّعب والاستفادة من الطّاقات الوطنيّة الداخليّة وتقوية العناصر الفعّالة في داخل البلاد. هذه هي النّزعة الثوريّة. معنى الثوريّة هو أن لا يستسلم البلد ومسؤولوه لأيّ هيمنة وتسلّط. أن لا يستسلموا لردّ الفعل ولضعف النّفس. أن لا يرضخوا ويقبلوا  بمنطق القوّة والابتزاز من الطّرف المقابل، وأن لا تنطلي أخاديعه وحيله عليهم- هذه القوى الكبرى  وعلى الرغم من أنّها متجبّرة ومتسلّطة ولديها الكثير من الأسلحة، إلّا أنّها لا تترك الخداع والاحتيال أيضًا وأينما تُتاح الفرصة لهؤلاء الأعداء، فإنّهم أهل الخداع والمكر والاحتيال والمماطلة والتّزوير وماشابه- هذا هو معنى النّزعة الثوريّة.

لبّ كلامي هو هذا: أيّها الإخوة الأعزاء، أيّتها الأخوات العزيزات،أيها الشّباب الكرام في كلّ أرجاء البلاد،أيّها المسؤولون المحترمون في البلاد، اعلموا جميعًا أنّنا اليوم بحاجة إلى الروحيّة الثوريّة والمسار الثوريّ والشّعارات الثورية وإلى أصول ومباني ثورة إمامنا العظيم. البلد بحاجة لهذا الأمر. فلا ترفضوا النّزعة الثوريّة بحجّة أنّها تطرّف وما إلى ذلك، الثورية هي حاجة حاليّة للبلاد. هذا هو الدّرس الذي أعطانا إيّاه الإمام العظيم، ويجب علينا الاستفادة من هذا الدرس. هذا هو بحثي الأول وبحثي الأصليّ والأساسيّ.

اللهم! أنزل رحمتك وفضلك عند عصر هذا اليوم من شهر رمضان على هذه الجماهير الصّائمة وهذه البطون الجائعة وهذه الشّفاه الظّامئة.
اللهم! بحق محمد وآل محمد، انصر الشّعب الإيرانيّ وارفع رأسه في كل ساحاته المهمّة.
اللهم! اجعل إمامنا العظيم الذي لا تزال روحه وأنفاسه حيّة بيننا، أكثر حضورًا وحياةً يومًا بعد يوم.
اللهم! اشمل الشّهداء الأعزّاء لهذا الشّعب وشبابه المضحّي بلطفك وفضلك.
أرضِ عنّا القلب المقدّس لوليّ العصر (أرواحنا فداه) وسرّه منا.
اللهم! اجعل دعاء ذلك العظيم يشمل حال الشّعب الإيرانيّ وحال هذا الحقير، وأنِر أبصارنا بجمال صاحب الزّمان.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


[1]حركة تزعّمها مصدّق في أوائل الخمسينات ودعمها آية الله الكاشاني.

15-06-2017 | 15-08 د | 350 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net