الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1299- 02 شعبان 1439 هـ - الموافق 19 نيسان 2018م
في استقبالِ شهر شعبان

مواسم التبليغخصائص المبلّغ (28) معرفة الزمان والمكانحســــــــــينٌ منـّــــــــيمراقباتكلمة الإمام الخامنئيّ في لقائه الناشئة والشباب المشاركين في قوافل «السائرون على طريق النور»مراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

روضة المبلغين
مظاهر الهداية في سيرة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام وكلامه (1) _ محمّد عابدي
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

تمهيد
الإمام الحسن العسكريّ هو الإمام الحادي عشر الذي شعَّ في سماء الإمامة والذي تولّى الهداية العمليّة للناس. وقد عُرف الإمام عليه السلام بألقاب عديدة يدلّ كلّ واحد منها على شخصيته العظيمة فهو: العسكريّ، الرفيق، الزكيّ، الفاضل، الأمين، الميمون، النقيّ، الطاهر، المؤمن بالله، الصادق، الصامت، الأمين على سرِّ الله، العلاّم، وليّ الله، سراج أهل الجنّة، خزانة الوصيّين1، المضيء، الشافي، المرضي، الخالص، الخاصّ، التقيّ، الشفيع، السخيّ، الموفي والمستودع2، وتطالعنا ألقاب أخرى أمثال: ناطق عن الله3، مرشد إلى الله4، الهادي والمهتدي5، والتي تشير إلى الوظيفة الأساسيّة للإمامة، وهي استمرار الهداية البشريّة.

في هذا المقال سنتعرّض لمشاهد من الهداية التي امتاز بها الإمام عليه السلام. وأمّا الفارق الأساس بين الأئمّة والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في كيفيّة الهداية والنهوض بالرسالة القرآنية، فيعود إلى موضوع الحاكميّة.

واجه الأئمّة عليهم السلام مشاكل عديدة بسبب عدم وجود الحاكميّة، لذلك استعملوا أساليب متعدّدة للهداية بما يتناسب مع العصر والزمان. وقد امتاز عصر الإمام العسكريّ عليه السلام بالاضطراب والاختناق الداخليّ فعاش الإمام عليه السلام في أصعب الظروف، وتابع مسألة هداية الأمّة.

مظاهر الهداية في سيرة الإمام العسكريّ عليه السلام وكلامه
1ـ الهداية بالسلوك والعمل

لعلّ أكثر أدوات التأثير فعاليّة في الهداية السلوك العمل الذي يصدر عن القائمين على الهداية. وهنا نتذكّر كلام الإمام الصادق عليه السلام: "كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم"6. وكلّما كان الإيمان والعمل قويَّيْن، كان التأثير في المخاطبين أكبر، وكلّما ازداد الفارق بين عمل الهادي وكلامه، كان تأثيره فيهم ضعيف، لذلك يقول الإمام عليّ عليه السلام: "إنّ الوعظ الذي لا يمجّه سمعٌ ولا يعدله نفع ما سكت عنه لسان القول ونطق به لسان الفعل"7. وإلى هذا النوع يعود أكثر مظاهر الهداية في سيرة الإمام العسكريّ عليه السلام.

ينقل الشيخ المفيد عن محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر ويقول: دخل العباسيّون على (صالح بن وصيف) عندما حبس أبو محمّد عليه السلام فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع، فقال لهم صالح: ما أصنع به؟! قد وكلت به رجلين شرّ من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم. ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا له: ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كلّه، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا؟! فلما سمع ذلك العبّاسيون انصرفوا خاسئين8.

لنسمع أجمل مظهر من مظاهر الهداية بوساطة السلوك العمليّ نقلاً عن الشيخ الكلينيّ رحمه الله يقول: حبس أبو محمّد عند عليّ بن نارمش وهو أنصب الناس وأشدّهم على آل أبي طالب وقيل له: افعل به وافعل فما أقام عنده إلّا يوماً حتّى وضع خديه له، وكان لا يرفع بصره إليه إجلالاً وإعظاماً فخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسنهم فيه قولاً9.

2ـ الاستفادة من الأسلوب غير المحسوس

استعان الإمام العسكريّ في الغالب بالأساليب الخفيّة وغير المحسوسة بسبب أجواء العصر المضطربة، فكان يدير أمور الأمّة بشكل مخفيّ. بعض الأحيان كان يلتفت الناس والخلفاء إلى هداية المسيحيين10... وكان يشتغل الإمام عليه السلام بعض الأوقات بترميم البنية المعنوية والاعتقادية للمهتدين الشيعة وفي وقت آخر يحاول دفع النواقض ومراقبة أعمالهم.

يقول محمّد بن الربيع الشائي ناظرت رجلاً من الثنويّة بالأهواز، ثمّ قدمت سرّ من رأى وقد علق بقلبي شيء من مقالته فإني لجالس على باب أحمد بن الخضيب إذ أقبل أبو محمّد عليه السلام من دار العامّة يوم الموكب فنظر إليَّ وأشار بسبابته أحد أحد فردّ فسقطت مغشياً علي11.

3ـ الاستفادة من شأن الإمامة
كان الإمام عليه السلام يستعين بالكرامة لأجل الهداية فكان يسعى بأساليب متعدّدة لتصحيح العقائد وهداية الأمّة. ينقل العلّامة المجلسي عن إدريس بن زياد ويقول:
كنت أقول فيهم قولاً عظيماً فخرجت إلى العسكر للقاء أبي محمّد عليه السلام فقدمت، وعَليّ أثر السفر ووعثاؤه، فألقيت نفسي على دكّان حمّام فذهب بي النوم، فما انتبهت إلّا بمقرعة أبي محمّد عليه السلام قد قرعني بها حتى استيقظت فعرفته صلّى الله عليه فقمت قائماً أقبل قدمه وفخذه وهو راكب والغلمان من حوله. فكان أوّل ما تلقاني به أنه قال: يا إدريس "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون" فقلت: حسبي يا مولاي وإنما جئت أسألك عن هذا. قال: فتركني ومضى12.

4ـ الإجابة عن الشبهات

من جملة مظاهر الهداية عند الإمام عليه السلام، الإجابة عن الأسئلة والشبهات التي تدور حول العقائد والمسائل الدينيّة. وبهذا النحو كان يحاول الإمام الحفاظ على الدين وتقديم الدين القويم لأمّة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . سأل أبو هاشم الجعفريّ الإمام عن الإرث ولماذا كان للمرأة سهم واحد وللرجل سهمان؟ أجاب الإمام بأن المرأة ليس عليها جهاد وليست مكلّفة دفع تكاليف الحياة ولأنّ دفع الدية على الرجال وليس على النساء شيء13.

وأجاب الإمام عليه السلام عن بعض الشبهات التي تعرّضت للواجبات المالية (الخمس والزكاة...) في رسالة وجّهها إلى إسحاق بن إسماعيل النيشابوري: "إنّ الله بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم بل برحمة منه ـ لا إله إلا هو ـ عليكم ليميز الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم، لتسابقوا إلى رحمة الله ولتتفاضل منازلكم في جنّته، ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والولاية وجعل لكم باباً تستفتحون به أبواب الفرائض ومفتاحاً إلى سبيله، لولا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والأوصياء من ولده لكنتم حيارى كالبهائم لا تعرفون فرضاً من الفرائض وهل تدخل مدينة إلّا من بابها، فلما منَّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيّكم، قال الله في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ففرض عليكم لأوليائه حقوقاً أمركم بأدائها ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم، قال الله: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى واعلموا أنّ من يبخل فإنّما يبخل على نفسه والله الغني وأنتم الفقراء14.

5ـ الإفشاء للحفاظ على الدين

من جملة الفتن التي حصلت في زمان المعتمد والتي شكّلت خطراً على كيان المسلمين، مسألة الجاثليق المسيحيّ، ممّا جعل الإسلام يقف على مكان متزلزل، فلو لم يبادر الإمام إلى الإفشاء، لداهم الإسلام خطر كبير. صحيح أن الإمام عليه السلام كان مظلوماً وقد اغتصب العباسيّون الخلافة منه، ومع ذلك قام وأضاء مصباح الهداية.

رُوي عن عليّ بن الحسن بن سابور قال قحط الناس بسرّ من رأى في زمن الحسن الأخير فأمر المتوكّل بالخروج إلى الاستسقاء فخرجوا ثلاثة أيّام يستسقون ويدعون فما سُقوا، فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء ومعه النصارى والرهبان فكان فيهم راهب فلما مد يده هطلت السماء بالمطر وخرجوا اليوم الثاني فهطلت السماء فشكّ أكثر الناس وتعجّبوا وصبوا إلى دين النصرانية فأنفذ المتوكل إلى الحسن وكان محبوساً فأخرجه من حبسه وقال إلحق أمّة جدّك فقد هلكت فقال إني خارج من الغد ومزيل الشكّ إن شاء الله فخرج الجاثليق في اليوم الثالث والرهبان معه وخرج الحسن عليه السلام في نفر من أصحابه فلمّا بصر بالراهب وقد مد يده أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى ويأخذ ما بين إصبعيه ففعل وأخذ منه عظماً أسود فأخذه الحسن بيده وقال استسق الآن، فاستسقى وكانت السماء مغيمة فتقشّعت وطلعت الشمس بيضاء فقال المتوكل ما هذا العظم يا أبا محمد فقال عليه السلام هذا الرجل عبر بقبر نبيّ من أنبياء الله فوقع في يده هذا العظم وما كُشف عن عظم نبيّ إلّا هطلت السماء بالمطر"15.

6ـ التذكير بالسنن المتروكة

من جملة أساليب الهداية التي يمكن مشاهدتها في سيرة الإمام العسكريّ عليه السلام، توضيح السنن المتروكة. حاول الإمام عليه السلام بهذا الأسلوب إزاحة غبار الغربة عن الأحكام والفرائض الإلهية وإعادتها إلى المجتمع من جديد، وهي وظيفة ومسؤوليّة تقع على عاتق الهداة في كلّ عصر وزمان. التقى الإمام العسكريّ عليه السلام سبعين شخصاً من زائري كربلاء، جاءوا إلى منزله في سامراء فحدّثهم وأجاب عن أسئلة أرادوا أن يسألوها ولكنّهم لم يكونوا قد تلفّظوا بها بعد...

"ومنكم من سأل عن اختلاف بينكم وبين أعداء الله وأعدائنا من أهل القبلة والإسلام، وأنا أنبئكم بذلك، فافهموا، فقالت طائفة أخرى: اي والله يا سيدنا لقد أضمرنا، فقال إنّ الله عزَّ وجلَّ، أوحى إلى جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني قد خصصتك وعليّاً وحججي منه ليوم القيامة وشيعتكم بعشر خصال: صلاة الخميس، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والأذان والإقامة مثنى، وحيّ على خير العمل، والجهر في بسم الله الرحمن الرحيم، والآيتين، والقنوت، وصلاة العصر والشمس بيضاء نقيّة، وصلاة الفجر مغلسة واختضاب الرأس واللحية، والوشمة، فخالفنا من أخذ حقنا وحزبه في الصلاة فجعل أصل التراويح في ليالي شهر رمضان عوضاً من صلاة الخميس، كلّ يوم وليلة وكتّف أيديهم على صدروهم عوضاً من تعفير الجبين، والتختم باليسرى عوضاً من التختم باليمين، والفاتحة فرادى خلاف مثنى، والصلاة خير من النوم خلاف حيّ على خير العمل، والإخفاء عن القنوت، وصلاة العصر إذا اصفّرت الشمس خلافاً على بيضاء نقية، وصلاة الفجر عند تلاحف بزوغ الشمس خلافاً على صلاتها مغلسة، وهجر الخضاب والنهي خلاف على الأمر به واستعماله، فقال أكثرنا: فرحت عنا يا سيدنا قال: نعم، في أنفسكم ما تسألون عنه وأنا أنبئكم به"
16.

ثمّ ذكرهم الإمام ببعض السنن المتروكة الأخرى وبين البدع التي راجت مكانها. ومن جملتها التكبيرات الأربع في صلاة الميت بدل الخمس.

* من كتاب روضة المبلغين (3)، سلسلة روضة المبلغين، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- راجع: مع شمس سامراء، ص29 إلى 34، وتعود جذور هذه الألقاب إلى الروايات.
2- ليس لهذه الألقاب جذور روائية بل ذكرت في كتب التراجم والرجال والتاريخ، المصدر نفسه، ص34.
3- بحار الأنوار، ج36، ص312.
4- المصدر نفسه، ص 348.
5- دلائل الإمامة، ص 223 (هذان اللَّقبان ليس لهما جذور روائية).
6- الكافي، ج2، ص 78.
7- غرر الحكم ودرر الكلم، الحديث 456.
8- الإرشاد، ص344، إثبات الهداة، ج3، ص406، بحار الأنوار، ج50، ص 308.
9- الكافي، ج1، ص 508، إثبات الهداة، ج3، ص402.
10- سفينة البحار، ج1، ص260، حلية الأبرار، ج2، ص498.
11- الكافي، ج1، ص511، الحديث 20، الخرائج، ج1، ص445.
12- بحار الأنوار، ج50، ص283، مناقب آل أبي طالب، ج4، ص 428.
13- أعلام الورى، ص274.
14- تحف العقول، ص485.
15- الفصول المهمة، ص 268، الصواعق المحرقة، ص207، مناقب آل أبي طالب، ج4، ص425، كشف الغمة، ج3، ص 219.
16- الهداية الكبرى، ص344.

01-06-2015 | 15-08 د | 1388 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net