الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1286 - 30 ربيع الثاني 1439هـ - الموافق 18 كانون الثاني 2018م
الجهاد الزّينبي... ورموز الظّلم

تقوية الفقه والاهتمام بالمسائل الأخرى في الحوزات‏خصائص المبلّغ (15) حُسن المظهر (زينة الظاهر)مراقباتإيّـاكـم وطـول الأمـلکلمة الإمام الخامنئي في لقاء حشدٍ كبير من أهالي قم بمناسبة ذكرى 19ديمراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

روضة المبلغين
موت الأمم وهجرة الحضارات في القرآن
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق


هل تهاجر الحضارات من وجهة نظر القرآن الكريم أم أنها تموت؟


تحدّث القرآن الكريم في العديد من الآيات الشريفة حول زوال الأمم والأقوام والمجموعات من العصاة والمذنبين. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الأمم والأقوام هم أصحاب حضارة، فهل كان القرآن الكريم يريد القول إنّ الأمم تزول أو الحضارة؟.

هل وافق القرآن الكريم على نظرية الحركة التكاملية للمجتمع البشري، وبالتالي اعتبار أفول الحضارات ليس بمثابة الموت وأنّ المقصود زوال الأمم والأقوام؟ أو أنّ القرآن الكريم رفض هذه النظرية فاعتبر أنّ أفول الحضارات بمثابة موتها؟ ما هو أوج الكمال وأعلى مراتبه من وجهة نظر القرآن؟

هل الكمال والتطوّر وأوج المجتمع البشري تتصل بالحقيقة في ظل القرآن؟ أو أنّ كمال وتطوّر لمجتمعات لا يحتاجان إلى الإيمان من وجهة نظره أيضاً؟

1- موت الأمم وهجرة الحضارات: يظهر من خلال البحث والدراسة أنّ القرآن الكريم لا يتبنّى موت الحضارات, بل الذي يتبنّاه هو موت الأمم والأقوام. ويظهر من خلال آيات القرآن السماوية أنّ الحضارات تهاجر وتنتقل من أرض إلى أرض، والقرآن الكريم لم يستخدم مصطلح الحضارة, إلا أنه استخدم عبارتي القوم والأمة اللتين تحكيان عن المجتمع وعن الناس أصحاب الحضارة.

عندما يتحدّث القرآن الكريم عن قوم أصابتهم نار ذنوبهم، ممّا أدّى إلى الخراب والفساد، فقد استعان بعبارتي "أهل القرية" و"القرية".

وعندما يتحدّث عن تحوّل حال قوم فإنه يُرْجع هذا التحوّل إلى روحية أولئك القوم سواء كانت لجهة التعالي أو ما يعارض ذلك: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ1

قد يكون تحوّل روحية الناس في اتجاه الصلاح وقد يكون في جهة الفساد، تحوُّل وضع الناس مرتبط بهم، ولا جبر في المسألة على الإطلاق. وهذا يعني أنّ لكلّ قوم وجماعة، روحاً جماعيّة حيث يعتمدون على هذه الروح في تحديد مصيرهم.

ملاحظة: هناك بحث بين المفكّرين حول المجتمع، فهل للمجتمع شخصية مستقلّة بعيداً عن الأفراد أو أن الأمر ليس كذلك؟.

في هذا الخصوص، هناك أربع نظريات:

1- أصالة الفرد.
2- أصالة الفرد عندما يكون بين أفراد المجتمع علاقة ميكانيكية مع بعضهم البعض.
3- أصالة الاجتماع حيث تحكم المجتمع الروح الجماعية.
4- أصالة الفرد والمجتمع معاً فيكون التركيب بينهما من نوع التركيب الحقيقي، مثال ذلك التركيب الكيميائي حيث يكون لكلّ فرد خاصيّة وتحصل خاصِّيَّة أخرى من خلال اجتماع الأفراد.2

صحيح أنّ الأفراد في المجتمع هم الذين يتخذون القرارات وأنّ لهم دوراً كذلك فإنّ للجمع دوراً أيضاً هذا الجمع الذي عَبَّر عنه القرآن بالأمة. يتحدث القرآن عن موت وحياة المجتمع: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ3.

اعتبرت الآية الشريفة أنّ موت الأمة لا مفرّ منه, إلّا أنه لا يلزم من موت الأمة، موت حضارتها, لأنّ الحضارة تصبح متعلّقة بالمجتمع الإنساني عندما تقع الأمة والقوم في قبضة الموت وتتوقّف الحضارة عن التطور، إلا أنّ هذه الحضارة تتطوّر وتنمو بين جمع آخر وأمة أخرى. المجتمع البشري يتحرك في الأساس نحو الكمال والتعالي، وكل مجموعة من البشر ينقلونه قدماً إلى الأمام بمقدار تدبيرهم ومعرفتهم ورؤياهم حتى يوصلوه إلى قوم آخرين.

كتب الأستاذ مطهّري في شرح هذه النقطة، وتوضيح الآية الشريفة: يجب الدقة في ما أشار إليه "توينبي" من أنّ كلّ حضارة محكومة بالموت والزوال، فإذا كان المقصود مجتمعاً خاصّاً، فهذا صحيح، وأما إذا كان المقصود موت المجتمع الإنساني الذي ترتبط به الحضارة، فهذا ليس صحيحاً, لأنّه:

مكن تحليل هذه النظرية إلى أمرين: الأوّل أنّ كلّ مجتمع إنساني إذا أُخذ بمفرده، عند ذلك يكون له دورة محددة, "لكلّ أمة أجل" إنّ حضارة وثقافة القوم التي تتطوّر، ليس لها عمر لا ينتهي، بل ستموت في يوم من الأيام. هذا إذا أخذنا كلّ مجتمع على حدة.

الأمر الآخر هو تكامل المجتمع الإنساني. المجتمع الإنساني يختلف عن كلّ قوم مستقلّ, لأنّ الأمر المسلّم به هو أنّ انحطاط وأفول الحضارة في قوم يقارن ظهورها على قوم آخر، وهكذا حال الإسلام... يغرب الإسلام من بلد معين، أمثال فلسطين، إلا أنه يظهر في باكستان بالتقارن مع ذلك... إذاً أن نأخذ الحضارة والثقافة البشرية في قوم معينين فهذه مسألة وإما أن تكون في كل المجتمع البشريّ فهذه مسألة أخرى..."4


يشير كلام الأستاذ هذا وبوضوح إلى أنّ موت الأمم لا يعني موت الحضارات, لأنّ الروح الجماعية التي تضفي الكمال على المجتمع البشري، باقية حيث تطلع الحضارة في مكان آخر. إذاً الآية لا تدلّ على موت الحضارات.

2- إرث الأقوام السابقة الزائلة للأقوام اللاحقة: يُستفاد من مجموع الآيات التي تحدّثت عن زوال الأمم والأقوام، أنّ زوال قوم لا يؤدي إلى زوال ثقافتهم. حتى إنّ الأقوام التي ابتليت بعذاب مفاجئ، يأتي من بعدهم قوم آخرون يرثون حضاراتهم ويطورونها ويوجدون ثورة في أركانها.

يعبر القرآن الكريم عن الذين يرثون قوماً تعرضوا للزوال، بعبارة الخليفة أو الوارث حيث يرثون حضارة القوم السابقين، نشير هنا إلى بعض الموارد:

أ- جاء في القرآن الكريم حول قوم عاد: ﴿وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ5

جاء في تفسير كشف الأسرار في شرح الآية الشريفة: "اذكروا نعمة الله لكم حيث جعلكم ساكني الأرض، من بعد قوم نوح وأورثكم مساكنهم ومنازلهم وأموالهم وكانت مساكنهم في الأحقاف من رمل عالج من حضرموت إلى بحر عمان"6 وجاء في تفسير المنار: "أي واذكروا فضل الله عليكم ونعمه إذ جعلكم خلفاء الأرض من بعد قوم نوح وزادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة"7.

وجاء في تفسير الميزان: "وخصّ من بينها نعمتين ظاهرتين هما أنّ الله جعلهم خلفاء في الأرض بعد نوح وأنّ الله خصّهم من بين الأقوام ببسطة الخلق وعظيم الهيكل البدني المستلزم الزيادة والشدّة والقوّة، ومن هنا يظهر أنهم كانوا من ذوي حضارة وتقدم".8

ويكون لخلافة قوم لقوم ومجموعة لمجموعة وشخص لشخص، معنى إذا ترك له أثر. عندما خلف قوم عاد قومَ نوح انتقلت إليهم أرضهم مع ما كان عليها من ثروة وبناء و... ثم أضافوا إلى تلك الثقافة الميتة الحياة وقد تحدّث الله تعالى حول عظمة حضارتهم: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ9

ب- يتحدث القرآن الكريم عن قوم ثمود الذين جعلهم الله تعالى خلفاء قوم عاد: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ10 جاء في تفسير نوين11/ 178 حول قوم ثمود: "ثمود قوم من العرب وهم أبناء كاثر بن إرم بن سام بن نوح حيث كانوا يعيشون في وادي القرى في الجبال بين الشام والحجاز وكانوا أصحاب مهارة في صناعة الأحجار والبناء، كانوا يقصّون الأحجار وينقشونها ويبنون قصوراً شامخة مرتفعة، وقد روى العديد من المفسّرين أنّ أوّل شعب بدأ يقصّ الحجارة من الجبال وينحت بها ويبني أبنية، هم طائفة ثمود حيث بنوا ألفاً وسبعمائة مدينة بالحجارة" وكان صالح منهم أرسله الله مبعوثاً إليهم لأجل هدايتهم.

طلبوا المعجزة منه فجاء بها، إلا أنهم لم يعودوا عن طريق الباطل ولم يتوقّفوا عن عبادة الأصنام واستمرّوا بإهانة وأذية النبي وتجرأوا على معجزته حتى أصيبوا بالعذاب".

كتب الشيخ الطوسي في شرح الآية: "أي تفكروا فيما أنعم الله عليكم حيث جعلكم بدل قوم عاد بعد أن أهلكهم وأورثكم ديارهم بوأكم في الأرض أي مكنكم من منازل تأوون إليها".12

يظهر من القرآن الكريم ومن رأي المفسّرين أنّ قوم عاد قد زالوا وبقيت حضارتهم العظيمة إرثاً لقوم ثمود وقد تمكّن قوم ثمود من الارتقاء في درجات الكمال بسبب الحضارة التي وصلت إليهم حتى بلغوا مرحلة تحدث عنها القرآن الكريم: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ13.

"أي تذكّروا إذ جعلكم الله تعالى خلفاء لعادٍ في الحضارة والعمران والقوّة والبأس".14

ومن هنا، فإن هلاك وزوال الأمة والقوم، لا يعني زوال حضارتها, بل إذا زالت أمة من الحياة، تنتقل حضارتها إلى أمة أخرى تعمل على إيصالها إلى مراتب الكمال.

ج-تحدث الله تعالى عن بني إسرائيل وأنهم وارثو فرعون وقومه مع أنهم كانوا يعارضونه وقد استلموا الأرض الموعودة ومصر بعد فرعون والفراعنة فأسّسوا لحضارة كبيرة، مع العلم أن: ما بناه فرعون أزاله الله تعالى. وهذا يعني أنّ الأبنية والآثار حتى لو جرى تخريبها أو تغييبها عن الأنظار، فإنّ البشر ترث روح الحضارة المتعالية 15: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ16.

واستعمل الله تعالى وبالإضافة إلى الآية الشريفة، عبارة الوراثة في سورتي الشعراء17 والدخان: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ18

ومع أنّ الله أرسل إليهم الطوفان والجراد وتعرضوا للدمار ومع ذلك بقي جزء من آثارهم حيث انتقل إلى القوم الذين جاءوا من بعدهم كما جاء في القرآن الكريم ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ19.

يظهر من الآية الشريفة ومن الآيات الأخرى أن خلافة قوم لقوم ووراثة مجموعة لمجموعة هما من السنن الإلهية التي لا تتوقّف لا بل تستمر ما دام العالم عالماً.

طبعاً لا يخفى أن بين الحضارات اللاحقة والحضارات السابقة اختلافات أساسية، فالحضارات اللاحقة تأتي بثقافة جديدة وتتكامل وتبدأ حركتها.

تُعْرف كلّ حضارة من خلال ما يشير إليها من علامات ورموز خاصّة. فحضارة اليهود، تختلف عن حضارة مصر وعن حضارة إيران القديمة وكذلك عن الحضارة الإسلامية حيث يوجد بينها افتراقات أساسية. يقولون على سبيل المثال: إنّ حضارة إيران القديمة لم تهتمّ بالكتابة كما اهتمت بها الحضارة الإسلامية التي لم تهتمّ في التعليم الديني بالمجسّمات والفنون التصويرية.

3- وحدة وتكامل المجتمع: إذا كانت التعاليم الإسلامية تتحدّث عن المستقبل وبشكل قطعي على أنه للصالحين والأتقياء الذين يرثون الأرض ويرثون روح التطور والكمال والحضارة الإنسانية، تتضح هذه النتيجة وهي أنّ روح المجتمع والحضارة تتجه نحو الكمال وأن كمال الحضارة هذه في المستقبل يثبت أنّ الحضارات لا تموت، بل تهاجر من أرض إلى أخرى وهذه من جملة السنن الإلهية.

وإذا كان الأمر غير ذلك، أي أن تتجه الحضارات نحو الزوال وليس نحو السطوع والكمال، فهذا يتعارض مع الوعد الإلهي للصالحين والأتقياء والمستضعفين بالخلافة. يصبح للوراثة معنى عندما يصل للوارث شيء ذو قيمة.

يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الآية الشريفة: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ20:

"الوراثة والإرث على ما ذكره الراغب انتقال قنية إليك من غير معاملة. المراد من وراثة الأرض انتقال التسلّط على منافعها إليهم واستقرار بركات الحياة... فيكون مؤدَّى الآية أنّ الأرض ستتطهّر من الشرك والمعصية ويسكنها مجتمع صالح يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً".21


ويقول العلّامة: "وهذه البركات إمّا دنيوية راجعة إلى الحياة الدنيا كالتمتّع الصالح بأمتعتها وزينتها... وإمّا أخروية وهي مقامات القرب التي اكتسبوها في حياتهم الدنيا فإنها من بركات الحياة الأرضية وهي نعيم الآخرة كما يشير إليه قوله تعالى حكاية من أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ *الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "22

إذاً الناس المؤمنون والصالحون هم وارثو الحضارات الكاملة والمجتمعات المتطوّرة. بناءً على هذه التعاليم القرآنية، فالحضارات لا تنطفئ، بل تنتقل من مكان إلى آخر وتبقى روحها حيّة وجارية، فتغرب في مكان وتطلع في مكان آخر، حتّى يصل الأمر إلى الحضارة الكاملة الزاخرة بالمعنويات والبعيدة عن كلّ نقص أصيبت به الحضارات القديمة، وذلك على أيدي الإنسان الكامل: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ23
وجاء في آية أخرى (النور 55) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ.

وهناك آيات أخرى تدلّ على هذا الأمر، وقد تحدثت إحدى الآيات الشريفة عن أمّة محمّدصلى الله عليه وآله وسلم باعتبارها الأمّة التي تخلف الأمم السابقة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ24
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
25.

إذاً تصبح خلافة ووراثة المؤمنين والصالحين للأمم السابقة، ممكنة تتصل بالحقيقة عندما تتجه الحضارة البشريّة نحو الكمال والوحدة.

طرح الأستاذ الشهيد مطهّري عدداً من الأسئلة بالالتفات إلى آيات الوراثة: هل تستمر الثقافات والحضارات والمجتمعات والأمم على ما هي عليه دائماً؟ أو أنّ حركة الإنسانية نحو حضارة وثقافة واحدة ومجتمع واحد حيث يكون ذا لون واحد وهو الإنسانية؟

وهل الحضارات والثقافات متعددة زيادة على تطوّرها؟ أو أنها من الممكن أن تصل إلى الوحدة أثناء سيرها نحو الكمال؟

ويقول في الجواب: "إنّ هذه المسألة، مرتبطة بمسألة ماهية المجتمع ونوع ارتباط الروح الجمعية والروح الفردية ببعضها البعض، بناءً على نظرية أصالة الفطرة، وإنّ الوجود الاجتماعي للإنسان وحياته الاجتماعية وفي النهاية روح المجتمع الجمعية وسيلة لفطرة الإنسان النوعية تختارها لأجل الوصول إلى الكمال النهائي، لذلك يجب القول: تسير كافّة المجتمعات والحضارات والثقافات نحو التوحّد، واتحاد الشكل وفي نهاية الأمر الإندماج ببعضها البعض، وإنّ مستقبل المجتمع الإنساني، هو المجتمع العالمي الواحد الذي تصل فيه كافّة القيم الإنسانية الفعلية إلى فعليتها، وعند ذلك سيصل الإنسان إلى كماله الحقيقي وسعادته الواقعية، وفي النهاية إلى إنسانيته الأصيلة"26

إنّ المستقبل هو لأصحاب التقوى والحقّ، بينما الباطل والباطلون سيكون مصيرهم الزوال. هذا وعد الله الذي سيكون حقيقة في يوم من الأيام: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ27

يتحدث العلّامة الطباطبائيّ حول كيفية كون العاقبة للمتّقين،28 وقد كتب في شرح الآية المتقدّمة: "وكون العاقبة مطلقاً للمتقين من جهة أنّ السنة الإلهية تقتضي بذلك، وذلك أنه تعالى نظم الكون نظماً يؤدّي كل نوع إلى غاية وجوده وسعادته التي خلق لأجلها، فإن جرى على صراطه الذي ركّب عليه، ولم يخرج عن خطّ مسيره الذي خُطَّ له... والإنسان الذي هو أحد هذه الأنواع... هداه الله إلى عاقبته الحسنة، وأحياه الحياة الطيبة، وأرشده إلى كلّ خير يبتغيه"29.

إنّ كمال المجتمع البشريّ هو بالتقوى ومداراة الحقّ وإنكار الباطل والمجتمع، الكامل هو المجتمع الذي يقيم الحقّ ويبتعد عن الباطل والذي يختار أفراده طريق التقوى، وأمّا الحضارة التي تقوم في ظلّ هكذا أعمال، فهي حضارة كاملة وهي حضارة أتقياء الأرض.

لا يمكن أن تُقام حضارة الأتقياء من دون بذل الجهود ويصل عدوّ الله إلى حقيقة عندما ينهض الأتقياء انطلاقاً من الثقافة والشعور والفكر والإدراك والألم فيكونون كالصاعقة على مخربي الحضارات وعلى المفسدين في التاريخ، ليجلسوا على مسند إحياء الحضارات فيؤسّسون لحكومة الصالحين. وبما أنّ رجالاً كهؤلاء سيأتون وأنّ هكذا صالحين سيكون لهم وجود، وعد الله تعالى بحضارتهم في نهاية تاريخ البشر، ويكون هذا الطلوع بعد غروب الذين عملوا على توجيه حضاراتهم نحو الفسق وانحرفوا عن ما أراده الله تعالى.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الصالحين سيمسكون زمام الأمور، وسيرثون الأرض وأنّ غير الصالحين والفاسقين سيبتلون بالعذاب الأليم.

لقد وعد الله، وسيتحقّق هذا الوعد. من جملة ذلك ما جاء في الآية الشريفة: ﴿وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا30.

هناك نوعان من الخراب والموت: الخراب والموت الطبيعيّان وذلك عندما ينتهي عهد البناء وتصبح الأعمدة عاجزة عن حمل السقف، فتنهار الأعمدة وينهار السقف بتبعها.كذلك الإنسان، تفقد أعضاؤه قدرتها فيصبح قعيد الأرض ويفقد روحه بإذن الله فيصل إلى الموت.

إلّا أنّ هناك نوعاً آخر من الخراب والموت تحدث الله تعالى عنه كثيراً في العديد من الآيات، وهو الموت قبل الموعد (طبعاً هناك موت وخراب آخر قبل الموت يحصل على أثر السوانح و... وهذا غير مقصود من البحث هنا) ويكون على أثر عذاب الله ممّا يجعل حياة المجتمع والأمة مضطربة و..

ولكن لماذا يحصل ذلك؟ ولماذا يلقي الله قوماً أسرى للموت ويخرّب مدنهم وقراهم؟

أراد الله تعالى وجود مجتمع متكامل وبشرٍ صالحين. يقضي الله على قوم ليمنع وجود المعاصي التي تصدر عنهم، وأمّا المعاصي التي تمنع الإنسان من الكمال والتي تجعل الكون مظلماً فيجري إزالتها من خلال إزالة هؤلاء الأشخاص المفسدين، ويرتقي قوم آخرون يعملون على تخليص الكون من الظلام معتبرين من الماضي.

وتستمرّ هذه الحركة حتى يستقرّ الإنسان الكامل في حضارة ومجتمع كامل. كما نُقلت آراء متعددة في تفسير الآية الشريفة المتقدّمة.

يعتقد بعض المفسّرين أنّ الآية الشريفة تتحدّث عن ما قبل القيامة حيث يحصل خراب كافّة القرى والمدن. وللعلّامة الطباطبائي رأي آخر. وبما أن رؤيته تتفق مع ما نحن فيه، لذلك سنقوم بنقل عباراته. يعتقد العلّامة أن الآية الشريفة المتقدّمة، معطوفة على الآية الشريفة 16 من سورة الإسراء والتي تنصّ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا.

ثمّ يقول بعد ذلك: "الغرض العامّ بيان سنّة الله تعالى الجارية بدعوتهم إلى الحقّ ثمّ إسعاد من سعد منهم بالسمع والطاعة وعقوبة من خالف منهم وطغى بالاستكبار".

ثمّ يكتب في شرح الآية الشريفة: "وعلى هذا فالمراد بالإهلاك التدمير بعذاب الاستئصال كما نقل عن أبي مسلم المفسّر والمراد بالعذاب الشديد ما دون ذلك من العذاب كقحط أو غلاء فينجر إلى جلاء أهلها وخراب عمارها أو غير ذلك من البلايا والمحن. فتكون في الآية إشارة إلى أنّ هذه القرى سيخرب كلّ منها بفساد أهلها وفسق مترفيها، وأنّ ذلك بقضاء من الله سبحانه".31

إذاً وبناءً على الآيات الشريفة، تبتلى الأمم والأقوام المنحرفون بالغضب الإلهي ويكون المصير هو الذي نصّت عليه السنة الإلهية حول قوم نوح وعاد وثمود، فيجمع بساط الظلم والظلام ليحل مكانه التعالي والكمال والتطوّر للمجتمع الإنساني حيث تنتشر الحضارة المعنوية بعيداً عن القبائح والرذائل والظلم و...إنّ هذا المجتمع هو الذي يبنيه المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف حيث يكرّس فيه القيم والأمن32 فتخرج له الأرض دفائنها وتنزل له السماء بركاتها.


هجرة الحضارات في القرآن، الدوافع والأسباب

اتضح أنّ القرآن الكريم يتبنّى عقيدة هجرة الحضارات. فيما يلي يجب أن نبحث حول دوافع وأسباب هجرة الحضارات من مكان إلى آخر. لماذا تفقد الحضارة القدرة على التطوّر في أرض بينما تمتلكها في أرض أخرى؟

إنّ دراسة الحضارات القديمة، تبين أنّ الشعوب والأرض تكون في مرحلة وبرهة من الزمن تحمل لياقة ونموّ وتطوّر الحضارة وتفقدها في مرحلة وبرهة أخرى.

فالروم على سبيل المثال كانوا ولمدّة ألف سنة33، يحملون قدرة واستعداداً عاليين، فتمكّنوا من إيجاد حضارة كبيرة وحافظوا عليها لسنوات طويلة، وبعد ذلك فقد الروم هذه القدرة والاستعداد وفقدوا ذاك الدفء الذي تحيا الحضارة تحت ظلاله, لذلك هاجرت الحضارة الرومانية إلى أماكن عديدة، أي أنها تفرّقت إلى أجزاء، هاجر كلّ منها إلى مكان.

يشير القرآن الكريم إلى أنّ تقدّم وانتشار وانحطاط الحضارة إنما هو في ظلّ عمل الناس وضعفهم فيه. إذا كانت الأرض تمتلك خصائص وأرضية الإنتاج والعطاء الحضاري، وكان شعب تلك الأرض مُجدّاً وصاحب قدرات فكرية وجسمية، عند ذلك لا تتّجه تلك الحضارة نحو الانحطاط، والعكس صحيح، أي إذا وجد الضعف وطلب الراحة وإذا فقدت القدرات الفكرية الضرورية، عند ذلك تكون الأرض عقيمة من الحضارة ولا تلد تلك الأرض حضارة على الإطلاق ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ34.

الله تعالى لا يطفئ مصباح أمة مُضاءً، إلّا أنّ الأمة هي التي تضع هذا المصباح في مهبّ الريح حيث سينطفئ هذا المصباح بالتأكيد طبق السنّة الإلهية. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ35.

البشر قادرون على الوقوف في وجه الرياح، وقادرون على حفظ هذا المصباح مضاءً دائماً، وقادرون بما يمتلكون من بُعْد نظر وجامعية في الفكر، من منع كلّ الآفات والأخطاء التي تدفع الحضارة نحو الظلام والتي تجعل من أسسها ضعيفة. وكلّ أمة تتمكّن من إدراك سرّ بقاء حضاراتها، يمكنها الحفاظ عليها لسنوات طويلة، وبالتالي بإمكانهم الحفاظ عليها بعيداً عن الأخطار التي تهدّدها. أمّا أبرز وأهمّ أسرار الحضارة التي ذكرها المتخصّصون في الحضارات وأصحاب المطالعة في تاريخ الأمم، فهو القدرة على التكيّف مع تحوّلات الزمان. إذا لم تصرّ الأمة التي وُلدت الحضارة فيها على الأمور غير الضرورية لبقائها، وإذا لم تنظر إلى المستقبل بعين الماضي، فستبقى هذه الحضارة.

يعتبر الشهيد مطهّري أنّ النظر إلى المستقبل بعين الماضي، سبب خراب وأفول الحضارة، ويوضح سرّ أفول الحضارات نقلاً عن إدوارد هالتكار، المتخصّص بالتاريخ والمنظّر في باب التاريخ وحضارة البشر: "يتمكّن الإنسان من التغلّب على أساس انحطاط الحضارة بما يمتلك من نموّ معرّفي. والسرّ في ذلك أنّ أمة ترتقي لأسباب خاصّة، إلّا أنّ ظروف المكان تتغيّر بعد ذلك، وأنّ هؤلاء قد ارتووا من الماضي بحيث يميلون إلى النظر للمستقبل بعين الماضي دائماً, أي أنهم يغفلون عن التغييرات، فيضعف زمانهم وأمّا إذا ظهرت حضارة مع روح وخصائص خاصّة وأعطت شعبها القدرة على المرونة، أي عدم الإصرار على الأمور غير الضرورية، فهذه الحضارة يمكنها أن تبقى للأبد".36

بناءً على هذا التحليل، فإنّ كافّة العوامل والدوافع والأسباب التي تؤدّي إلى وجود الحضارة، لا يمكنها أن تكون كذلك على مستوى بقائها.

ينبغي على الشعوب صاحبة الحضارات عدم التعلّق بماضيها والغفلة عن الأحداث المحيطة بها. الزمان يغير الكثير من الأمور، وإذا لم يتغير قالب المجتمع والحضارة وإذا لم يتغير الباطن تارة ولم يحصل التأقلم مع الزمان، يفقد حيويته وضياءه ويصبح في الحاشية.

قد تكون الأمة صانعة للحضارة في مرحلة ما، وقد تكون في مرحلة تعيش حالة تطوّر وتقدّم حيث تحمل لواء الحضارة، إلّا أنها تصبح منزوية وخارجة عن الزمان إذا كانت تعود إلى الماضي باستمرار وإذا كانت تعتبر أنها مكتفية بالماضي وإذا كانت تجد أنها في غنى عن الموجات الجديدة والمستقبلية، حيث تعتبر كلّ حركة وابتكار وكلّ كلام جديد، أمراً صغيراً حقيراً غير ذي قيمة.

يؤكّد القرآن الكريم على أنّ البشر يجب أن يكونوا مبدعين في كلّ حركة، وإذا وصل المجتمع إلى أوج الكمال أو تدنى إلى مستويات الذلّ، فكلّ ذلك يتعلّق بأهل ذاك المجتمع. إذا أتجه هؤلاء الناس لإيجاد تغيير إيجابي، يتجه المجتمع نحو الإيجاب ويبلغ الأوج، وأمّا إذا كان التغيير سلبياً وابتعد عن الأمور الحسنة والخصال الحسنة والسلوك الحسن، فسيغرق في الوحول العفنة، وسيسقط المجتمع في وحول الذلّ. نعم يجب عليهم عدم تقليد الآباء والأجداد بشكل أعمى، ويجب رفع كلّ ما يمنع التقدّم والتطوّر.

حذّر الله تعالى البشر في القرآن الكريم وأراد لهم الخروج من حصار التقليد ومعرفة طريق الصواب من الضلال بوساطة فكرهم.

إذاً يؤكّد القرآن الكريم أنّ الناس هم الذين يقومون بالدور الأساس حيث يمكنهم إيجاد حضارة بجهودهم وعملهم وحركتهم السليمة والعاقلة، وكل ذلك طبقاً للسنّة الإلهيّة وأمّا الاستسلام للضعف والخضوع والكسل والحركات المريضة وعدم التلاؤم مع السنن الإلهية، فكل ذلك يؤدّي إلى موت الحضارة. ومن المناسب التوقّف مليّاً عند رؤية القرآن الكريم لظاهرة الحضارة والشعب المبدع للحضارة ومن المناسب الاطّلاع على زوايا حياة الشعوب والأقوام أصحاب الحضارة الذين أخبر القرآن الكريم عن زوالهم وذلك للعبرة والتعلّم.

طبعاً في هذا المجال لا يمكن الإشارة إلى كافّة الموارد التي ذكرها القرآن الكريم، إلا أنه من الممكن الالتفات إليها ولو بشكل إجمالي، والإشارة إلى بعض السلوكيات القبيحة التي ابتلي بها موجدو الحضارة حيث كانت عاقبتهم الزوال، وبالتالي أفول الحضارة في تلك الأرض وطلوعها في أرض أخرى.

هذه الرؤية، تبين جزءاً من رؤية القرآن والتي هي رؤية دقيقة وجامعة وعميقة.

1- الظلم: الظلم يهدم البنيان. القصور والأبنية لا تهدمها الريح الصرصر بل آهات المظلومين.

يتحوّل أصحاب الحضارة بعد مدّة في أعين الناس إلى وجوه قبيحة منفّرة بسبب سلوكيّاتهم غير المناسبة، فيفقدون النفوذ الشعبيّ والقاعدة الاجتماعية, لذلك يتّخذون مواقع معادية للناس فيتحوّلون نحو الظلم للحفاظ على مواقعهم، والظلم يضعف ويهدم قصور الحضارة.

ولكن ما هو الظلم؟ وما هي مصاديقه؟ لعلّ البحث هنا غير مختصّ بتقديم تعريف دقيق. ولعلّ من المناسب التذكير ببعض النماذج التي ذكرها القرآن الكريم، وذلك كما وضّحها المرحوم الأستاذ محمد تقي جعفري في شرحه نهج البلاغة حيث وضح زوايا الظلم بدقّة حيث يعتبر أنّ الظلم أعلى وأكبر ممّا يقال في التعريف حيث كتب: "يظن بعض البسطاء أنّ الظلم عبارة عن القتل العمدي لإنسان أو أكثر. في هذا الحال يكون القاتل ظالماً والمقتول مظلوماً. أو أنّ الظلم عبارة عن حرمان شخص أو مجتمع من المعاش ومن محصول تعبه وبشكل عام، يظنّ هؤلاء أنّ الظلم هو الاعتداء الواضح على مال وروح وحيثية الفرد أو المجتمع، حيث يكون الاعتداء محلّ تنفّر كافّة البشر. مع العلم أنّ موضوع الظلم حسّاس للغاية وهو أوسع من الظواهر المتقدّمة. أمّا معنى الظلم فهو عبارة عن الاعتداء على القانون الواقعي "للحياة المعقولة" وعلى هذا الأساس:

1- إنّ أدنى اعتداء على نداء الوجدان، ظلم للذات.

2- السماح للآخرين بالاعتداء على الذات،ظلم لها.

3- التقليل من قيمة العمل والنشاط ونتيجة جهود البشر، ظلم.

4- إيجاد وظروف تجعل الشخص يصرف النظر عن حقّ عمله ونشاطه، ظلم، حتى لو كان المظلوم راضياً ومسروراً بالظروف.

5- إيجاد الاضطراب وأسباب الركود الفكريّ عند الآخرين، ظلم.

6- الاعتداء على حرية الآخرين، ظلم، حتّى مع تحريف معنى الحرية والحصول على رضا الشخص عينه الذي يتمّ الاعتداء على حريته، أو تحريف الظواهر المقبولة.

7- إيجاد الاحتياجات المصنوعة بين الناس لإجبارهم على اختيار بضاعة أو أفكار غير ذات قيمة، ظلم.

8- التلاعب بأفكار وعواطف الناس لإلزامهم الاحتياجات الأنانية، ظلم.

9- استغلال أذهان الناس لإظهار أنّ صورة الحقّ إلى جانبهم والتعدّي على شخصية البشر،ظلم.

10- تقديم الذات للإدارة السياسية للمجتمع من دون التسلّط على الأهواء واللذائذ الذاتية، هو اعتداء وظلم للمجتمع.

11- سحق القوة والامتياز الذي يحصل والذي يمكنه علاج آلام الناس والتقليل من مشاكلهم والذي يمكنه رفع حجر من أمامهم لتحسين أوضاع حياتهم المادية والمعنوية، هو أسوأ أنواع الظلم التي تمارس على الناس، عدا عن كون هذه القدرة والامتياز سلاحاً يحارب في ساحة البقاء.

بشكل عامّ الظلم هو المفهوم المقابل للعدالة. العدالة، هي السلوك المطابق للقانون، وبما أنّ كافّة شؤون الناس الفردية والاجتماعية، مشمولة بالقانون بمعناه العام، فالظلم هو الانحراف عن ذاك القانون بأيّ شكل حصل. ويكفي للقضاء على مجتمع أو حضارة وجود واحد من أنواع الظلم التي ذكرنا ببعض مصاديقها".37

أشار القرآن الكريم في العديد من الآيات الشريفة إلى أنّ الظلم هو سبب زوال المجتمع والأمم وأفول الحضارات، وهنا نكتفي بذكر بعض هذه الآيات:

﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ38.

القرن وجمعه قرون على معنيين: الزمان ومرحلة وبرهة معنية أو أهل زمان خاصّ.

يعتقد بعض أصحاب اللغة أنّ للقرن حقيقة في كلا المعنيين.39 المعنى الأول مشهور, وقد يكون المعنى الثاني هو المراد في الآية الشريفة.

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ40

﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ
41 و...42

2- الفساد: الفساد هو الخروج عن الاعتدال، سواء كان قليلاً أو كثيراً. مثال ذلك الفساد في النفس والبدن و....43 ويستخدم في الغالب بخصوص عمل الإنسان.44 ويطلق الفساد على الاستيلاء على مال الآخر بالباطل, لأنه خروج عن الاعتدال.45

عندما يُبتلى المجتمع بالفساد، سواء كان اقتصاديّاً أو اجتماعيّاً، فقد خرج عن حدّ الوسط والاعتدال. والفساد: هو الاعتداء على حقوق الآخرين عن طريق الاعتداء على القانون والتخلّف عنه.

من هنا اعتبر القرآن الكريم أنّ عمل المفسدين سواء كان في الاقتصاد أو الاجتماع هو فساد أو إفساد في الأرض, لأنّ عمل المفسد من وجهة نظر القرآن، لا ينحصر بدائرة صغيرة وليس صحيحاً أنّ هذا الفساد لا يخرج عن حدود الشخص وأطرافه ولا يتعدّى إلى أماكن أخرى في المجتمع, بل يسري الفساد إلى كافّة أركان المجتمع ويحرق الأخضر واليابس.

يعتبر القرآن الكريم أنّ صاحب الوجهين والمنافقين الذين يتصرّفون بشكل في الظاهر وبشكل آخر في الخفاء، الذين لهم أسلوب حياة في الخلوة، وأسلوب آخر في الجلوة، الذين يتظاهرون بالإيمان ويخفون في بطونهم الكفر، يعتبرون المؤمنين فاسدين وناشرين للفساد.

رفع القرآن الكريم النقاب عن وجوههم وعدّد صفاتهم واحدة واحدة وحذّر من فسادهم ويقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ46

يعتبر القرآن الكريم أنّ هذه الحركة ذات الوجهين عبارة عن مرض, لأنّ الإنسان السالم ليس له إلا وجه واحد ويجب عليه إيجاد الوفاق بين ظاهره وباطنه، إمّا أن يُظْهر الإيمان أو الكفر، وأمّا الطريق الثالث فهو مرض. جاء في آية أخرى حول المنافقين المُفسدين والباحثين عن الفساد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ47

جاء في شأن نزول هذه الآيات: "نزلت هذه الآيات في الأخنس بن شريق، وهو رجل جميل. جميل البيان. كان يتظاهر بحبّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويعتبر نفسه مسلماً.كان كلّما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يجلس معه ويظهر إيمانه، وكان يُقسم أنه يحبه وأنه آمن بالله، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يأنس به ويلاطفه ويُظهر له المحبة. عندما ظهرت عداوة بينه وبين طائفة ثقيف، هجم عليهم وقتل حيواناتهم وأحرق مزروعاتهم".

يتحدّث القرآن الكريم عن فرعون وأنه شخص فاسد ومفسد، ومن جملة فساده أنه كان يقتل الرجال ويبقي على النساء: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ48

تحدّث القرآن الكريم في سور: الأعراف، هود، الشعراء عن هلاك قوم نوح، هود، صالح ولوط وشعيب، وأشار إلى أنّ هؤلاء الأقوام كانوا أصحاب حضارة وثروة ومكنة، ثم زال ما عندهم بسبب الفساد. وكلّ قوم يزولون على أثر الفساد. وهنا نشير إلى بعض النماذج على لسان القرآن الكريم:

أ- الفساد الاقتصادي: الاقتصاد من جملة الأسس والأركان المهمّة والأساسيّة في المجتمع، وهو من الأعمدة الأساسيّة للحضارة.

إذا سقط هذا الركن المهمّ، تسقط كافّة أركان المجتمع الأخرى الواحد بعد الآخر. يؤكّد القرآن الكريم لنبيه شعيب وفي سبيل الحفاظ على هذا الركن سالماً، أن يبذل جهده لإصلاح اقتصاد مجتمع مدين حتى لا يسقط المجتمع.

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ49


أمر الله تعالى شعيباً الانتقال إلى أهل مدين وتحذيرهم من الفساد في الأرض وليؤكد لهم أن فسادهم في الأرض وانحرافهم الاقتصادي وغير الاقتصادي، بعدما عمل الصالحون والرسل وأنبياء الله العظام على إصلاحها وتطهيرها، هو بمثابة السقوط في وادي الموت الكبير.

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ50

جاء في تفسير المنار حول معنى الإصلاح والإفساد: "إنّ الإفساد في الأرض، يشمل إفساد نظام الاجتماع البشريّ بالظلم وأكل الأموال بالباطل، والبغي والعدوان على الأنفس والأعراض وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام. وإصلاحها، هو ما يصلح به أمرها، وحال أهلها من العقائد الصحيحة المنافية لخرافات الشرك ومهانته، والأعمال الصالحة المزكّية للأنفس من أدران الزوائل، والأعمال الفنية المرقية للعمران وحسن المعيشة فقد قال تعالى في أوائل هذه السورة (الأعراف):

"
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُون فقد أصلح الله تعالى حال البشر بنظام الفطرة وكمال الخلقة ومكّنهم إصلاح الأرض بما آتاهم من القوى العقلية والجوار وبما أودع في خلق الأرض من السنن الحكمية وبما يبعث به الرسل من مكملات الفطرة، فالإفساد إزالة صلاح أو إصلاح وقد كان قوم شعيب من المفسدين للدين والدنيا، كما يُعلم من هذه الآية وما بعدها، والإصلاح وما يكون بفعل فاعل وهو أمّا الخالق الحكيم وحده، وأمّا سخرهم للإصلاح من الأنبياء عليهم السلام، والعلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط، والحكّام العادلين الّذين يقيمون القسط، وغيرهم من العاملين الذين ينفعون الناس في دينهم ودنياهم، كالزرّاع والصنّاع والتجّار وأهل الأمانة والاستقامة، وهذه الأعمال تتوقّف في هذا العصر على علوم وفنون كثيرة، فهي واجبة، وفقاً لقاعدة ما لا يتم الواجب إلّا به، فهو واجب.."51

لقد أغلق قوم شعيب الطريق على الإصلاح وفتحوا طريق الفساد. وبما أنّ مدينتهم كانت على ملتقى القوافل، لذلك كانوا يستفيدون من هذا الأمر بشكل سيِّئ ويضيّقون على القوافل والتجّار ويشترون بضاعتهم بثمن بخس، ويبيعون بضاعتهم بثمن عالٍ، أي أنهم كانوا يفسدون في المعاملات وبتبادل البضاعة.

وكانوا يمنعون الناس من الالتحاق بالحق والاجتماع على شعيب.

﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ52 روي عن ابن عباس في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ أنه قال: "كانوا يجلسون في الطريق فيقولون لمن أتى عليهم، إنّ شعيباً كذّاب فلا يفتننَّكم عن دينكم"53.

"يُلاحظ أنّ ابن عبّاس اعتبر أنّ الصراط هو الطريق الحقيقي بينما اعتبره مجاهد أنه الطريق المجازي وقال: المقصود كلّ طريق حقّ".

وبما أنّ أهل مدين والأيكة لم يصغوا للحكم والنصائح ولتحذيرات الأنبياء المصلحين والذين يستشرفون المستقبل، انحرفوا عن الطريق، فابتلوا بالعذاب الأليم وكان الدمار من نصيبهم: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ54.

وجاء في آية: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين
﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ55.

قوم شعيب هم نموذج أخبر الله تعالى عن عملهم ومصيرهم. والسنّة تقتضي عذاب كلّ قوم وجماعة تعمد إلى الفساد وعدم الإصغاء إلى النصائح والتحذيرات، وهي سنّة جارية في كلّ مكان وفي كلّ أرض.

إنّ الحضارات ومهما كانت كبيرة شامخة وتمتلك عدداً كبيراً من الجنود والقادة أصحاب التدبير، تتجه نحو الزوال عندما يدبّ الفساد إلى الأركان الاقتصادية.

كتب الأستاذ محمّد تقي جعفري: "يمكن للفساد، أو الاختلالات الاقتصادية أن تكون سبباً لزوال كلّ حضارة, حتى لو كانت الحضارة تتحرّك في أعلى مستوياتها... البديهيّ أنّ المسائل الاقتصادية تشكّل قوام الحياة البشرية وساحة حركتها, لأنّ الإنسان لا يمكنه الاستمرار بالحياة من دون استهلاك موادّ الطبيعة، سواء كانت الحياة في شكلها الابتدائي أو في أعلى أشكالها".56

ب- الفساد الجنسيّ: خلق الله تعلى الإنسان مع احتياجات متعدّدة. ووضع أمامه طرقاً لتحقيق كلّ واحد من هذه الاحتياجات، فإذا تمكّن من إرضاء حاجته عبر الطريق الصحيح، فقد اختار الطريق السليم ووصل إلى المنزل بسلام، وإلا سيُبتلى بالانحراف والوقوع في المستنقعات.

ت- الحاجة الجنسيّة: هي حاجة شريفة قيّمة وضعها الله تعالى في وجود الإنسان ممّا يضفي على المجتمع الإنساني الحركة والسعي والانشراح، وهي حالة تخرج الإنسان من حالة الركود، وبها قوام أركان المجتمع.

يتمكّن الإنسان وبوساطة هذه الحاجة، من الابتعاد عن الانزواء وعن حياة الغابات والصحاري ويلحق بالجمع، فيهب لتأسيس عائلة ويعمل بجدّ واجتهاد لإدارة المجتمع، فتتحرّك عجلة الحياة، ويزداد النسل البشريّ من خلال اختيار الشريك إذ إنّ قوام المجتمع بهذا النسل، وعلى أثر ذلك تظهر الحضارة ويتمتّع الإنسان بالكمال في ظلّ مجتمع وفي أرض متطوّرة.

فإذا كانت هذه الحاجة قد وُضعت في وجود الإنسان من أجل بقاء النسل البشريّ وتأسيس المجتمع وإثمار الحياة والتخلّص من الوحدة والحيرة والانزواء، فإذا لم يعمل الإنسان على إيجادها بشكل صحيح وإذا رفض ما أمر به الأنبياء عليهم السلام، عند ذلك ستحصل الجريمة البشرية كما أصاب بعض الفرق والمجموعات التي كانت تشبع هذه الرغبة بأيّ وسيلة وطريق، وهنا يشير القرآن الكريم إلى واحدة من هذه الجرائم البشرية وذلك لأجل الاعتبار منها: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ57

كان قوم لوط يعيشون النعمة وكانوا يعيشون في أرض يُطلق عليها سدوم وعمورة، وهي أرض عامرة خضراء وفيها العديد من المراعي والحيوانات.

إلّا أنّ هؤلاء القوم لم يشكروا النعمة واختاروا طريق الفساد، فأقاموا مجالس الفساد من دون حياء إذ إنّهم اختاروا الرجال وابتعدوا عن النساء.

آمن لوط بإبراهيم ثمّ جاءه التكليف من الله تعالى لنجاة قومه من مستنقع المثليّة. عمل كثيراً إلّا أنّ النتيجة لم تكن مُرضية. وفي النهاية ضاقت الأمور عليه فطلب من الله تعالى إزالة أساس هؤلاء القوم من ساحة الوجود: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ58

استجاب الله تعالى له، وأرسل ملائكة العذاب إلى هؤلاء القوم لتخريب ديارهم وقلبها رأساً على عقب، فدُفن في الأرض جميع عبدة الشهوات:

﴿وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ.

جرت السنّة الإلهية، وأنجز الله تعالى وعده وتمّ القضاء على القوم الفاسدين: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ59

ج- الإسراف: خلق الله الإنسان ووضع الطبيعة في اختياره من أجل الاستمرار بالحياة وللحفاظ على النشاط فيها والتطوّر والتكامل.

أعطى الله تعالى الإنسان، العقل والشعور والقدرة على معرفة الحقّ من الباطل ليتّبع طريق الكمال وليميّز بينه وبين المخلوقات الأخرى وليؤسّس للحياة والمجتمع الإنساني وليحافظ على الطبيعة ويستفيد من مواهب الطبيعة في حياته وحياة الموجودات الأخرى وذلك بشكل عقليّ، وأعطاه الله الجسم القويّ ليتمكّن به من التغلّب على الموانع والعبور عنها ولينظم حياته على أفضل وجه، وجعل فيه القوّة الشهوانية ليتمكن من الوصول إلى الهدف وزيادة النسل البشريّ والحؤول دون الاندثار، فإذا لم يستفد الإنسان بشكل صحيح من آلاء الله ولم يستخدم ما أعطاه الله في سبيل الكمال وتمتين أسس مجتمعه، وإذا جعل قواه واستعداداته وكذلك الطبيعة وما فيها والعناصر الأربعة: الماء والتراب والهواء والنار، أموراً عبثية أو استفاد منها من دون ضوابط بل كان مسرفاً فيها، خرج عن زمرة من أحبّ الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ60 إنّ الاستفادة من أنواع المآكل والمشرب والمواد الغذائية، مقدارٌ محدَّد، فإذا تجاوز حدود الاستفادة وجدت الآفات. لقد غرقت العديد من المجتمعات الإنسانية والحضارات في مستنقع الموت وذلك للإسراف في المآكل والمشرب، ولأنّ الكثير من الدول بالأخص الدول المتقدمة، تتجه نحو الإسراف والتبذير، يعيش جزء من العالم في ظلمات الفقر والجوع حيث إنّ الجوع يلاحق الكثير من تلك المجتمعات.

لقد دقّت الحضارة الغربية والعديد من المجتمعات والدول المتطوّرة، ناقوس موتها بسبب الإسراف والتبذير، وستصل إلى الانحطاط والزوال إذا استمرّت بهذه الحركة التخريبية، وإذا لم تنزل من مركب الغرور والكبر وإذا لم تبتعد عن الإسراف والتبذير.

كان فرعون على رأس المجتمع المصريّ المتحضّر والمتطوّر، وكان يتمتّع بقدرة وسلطة وهيمنة وثروة وشوكة لا حدود لها, حيث لم يكن لأحد أن يتصوّر أن يسقط هذا الشخص ممّا كان فيه, إلّا أنّ تلك الحضارة قد سقطت وزالت سلطته وغرق في الماء ذليلاً حتّى إنّ الماء حمل جسده إلى الساحل لأجل العبرة.

اعتبر القرآن الكريم أنّ هذا الإنسان العاصي والظالم، من المسرفين ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ61

ويقول: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ62 السنّة الإلهية أن يزول المسرفون والمبذّرون. هذا قانون عامّ ودائرة شموله واسعة. إنّ كلّ قوم وأمة ومجموعة لا تصغي لنداء الحقّ ولا تذعن لله تعالى وتتعامل مع آلاء الله من دون قواعد وضوابط وتسرف فيما هو بين أيديها، سيكون مصيرها الزوال.

هكذا كان مصير قوم عاد أصحاب القصور والأبنية العظيمة، ومع ما كانوا يمتلكون من عظمة وقدرة وكذلك قوم ثمود والذين كانوا على مقدرة عالية في البناء في قلب الصخور والجبال الصعبة، وكانوا على مقدرة عالية في شقّ الجبال والصخور،63 وذلك بسبب معاصيهم الكثيرة ومن جملة ذلك الإسراف والاستفادة غير الصحيحة من القوّة والسلطة والفكر والطبيعة ومن نعم الله المتعدّدة، فدُفنوا في قلب الصخور وأحاط بهم العذاب الإلهي وزالوا من الجذور.

كان قوم ثمود يمتلكون كلّ مقوّمات الراحة والحياة الطيبة من البساتين والمراعي والمحاصيل والبيوت الجميلة، إلّا أنهم لم يصغوا لصالح عليه السلام واتبعوا المسرفين، فكان ما حدث لهم كما حدثنا الباري عز وجل في سورة الشعراء.64

كذلك قوم لوط الذي كانوا من المسرفين حيث تجاوزوا الحدود التي وُضعت لهم، فلم يكتفوا بالنساء بل وصل التجاوز والاعتداء إلى الرجال والصبيان، فكان لهم العذاب الأليم: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ65.

3- الترف: تبقى الحضارات والمجتمعات ثابتة وصلبة من خلال بذل الجهود ومن خلال التضحية والعمل لأجل الإنسان الآخر الذي يتطلّب القناعة والابتعاد عن الترف، ومن ثَمَّ تقبل الحرمان والمحرومية والتعايش مع الصعوبات والآلام ومشقّات الأيام.

إنّ أيّ حضارة وأية حركة تاريخية عظيمة، وأية حركة تغيرية مصيرية، لم تقدّم أيّ ابتكار وخلاقية ولم تغرب من ساحة الوجود إلا بعد الغرق في الترف.

في كلّ مكان وُجدت حضارة وفي كلّ مكان وُجد مجتمع وعلى امتداد التاريخ، كان الناس يصلون إلى العزة والمقدرة والحضارة والمجتمع الحيوي، إلّا ورافق ذلك التفكّك والآلام.

ظهرت الحضارة الإسلامية على أثر الجهود والتضحيات والإرادة الصلبة وكان حيويّاً لسنوات. ولكن لو تحول هؤلاء الناس المضحّون ليدخلوا مجالات العمل على اختلافها والذين يضحّون في الليل والنهار ليبنوا حضارة ومجتمعاً قوياً من دون توقّف، وإذا غرقت الأجيال اللاحقة في الانتصارات بعد الوصول إلى الأوج، وطلبوا الرفاه والترف وحسن العشرة وإذا أمضَوْا أيامهم على جانب من الترف وفي حدائقهم الغناء ينعمون بما امتلكوا من ذهب وبساتين وفواكه عديدة، وإذا استخدموا الآخرين لأجل مآربهم وسكنوا القصور مرتاحي البال غارقين في أيامهم الجميلة يسرفون في كلّ ما يحيط بهم... من الواضح أنّ هذه الحضارة ستؤول إلى الأفول حتى يصل بها الأمر إلى أن تبقى مدنهم خالية لا تجد من يحافظ عليها أو يحرسها وستبقى خالية من الغَيور الذي لا يحرّكه أيّ شيء عندما يأتي العدو. هكذا حضارة لن يكون مصيرها سوى الزوال.

كتب جواهر لآل نهرو حول غرق الحضارة الرومانية في الظلام: "أليس من الغريب أنّ مدينة إمبراطور الروم السلطوية تتجه نحو الانحطاط والزوال بهذه السرعة والسهولة إذ وصل الأمر بالقبائل أن تهبّ لمقارعتها ومحاربتها".

قد يتصوّر البعض أن ما وصل إليه الروم هو بسبب التقسيم أو لأنّ روما أضحت كالصدف الخالي من الداخل. قد تكون هذه الأمور صحيحة.

"وصلت سلطة الروم في تلك الأيام إلى أوج الشهرة والاعتبار، ويشير تاريخ الروم القديم إلى أنّ الكثير من الناس كانوا يعتقدون أنها تقود العالم. لذلك كانوا يتصرّفون معها باحترام فائق، لا بل يمكن القول باحترام خرافيّ. وعلى هذا الأساس، استمرّت روما بحياتها، كان الظاهر أنّ الروم أصحاب إمبراطورية قوية، وفي الحقيقة كانت هذه السلطة غير ذلك. الظاهر أنّ روما كانت هادئة، يتراءى العدد الكبير من رجالها وأتباعها في المسارح وساحات الرياضة والأسواق، إلّا أنّ ذاك الوضع كان محكوماً بالانقراض, لأنّ الحقيقة أنّ هناك دولة ضعيفة، وانهار أساسها، بالأخص وأنها كانت تُعرف بالحضارة الإشرافية التي بنيت على أساس الفقر والاستعباد"66.

الثروة، شفرة ذات حدين، يمكنها أن ترفع شأن المجتمع وتوصله إلى الأوج وتجعل أسسه صلبة قوية ثم إنّها تضفي التعالي على الفنون والصناعات وتزدهر الزراعة بوساطتها وكذلك تربية المواشي وينتشر العلم والمعرفة ويزول الجهل...

كما أنّ الثروة بإمكانها إغراق المجتمع في مستنقع الموت بسبب الاستفادة غير الصحيحة.

كتب ويل ديورانت: "هذا هو تقريباً القانون العامّ التاريخيّ أنّ الثروة التي هي سبب ظهور الحضارة، تنذر بانحطاط وانقراض تلك الحضارة أيضاً. والسبب في ذلك أنّ الثروة كما بإمكانها إيجاد الفناء، تؤدّي إلى وجود الترف وجعل الجسم والطبيعة لطيفين وظريفين"67.

يعتبر القرآن الكريم أنّ ظاهرة الترف، هي ظاهرة شؤم للمجتمع الإنساني وهي خطر كبير على مستوى العزّة والقدرة، ويُهيِّئ المترفون الأرضيّة لأيّ نوع من أنواع الذلّ والوضاعة والمهانة في المجتمع.

إنّ الذين يهيّئون الأرضية لعدم الرضا الجماعيّ ويوسعون دائرة الفقر من خلال طمعهم وظلمهم واستئثارهم بالأملاك العامّة ويضيّقون المجال على الناس الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوّة حيث يصبح هؤلاء جاهزين لأيّ تغيير، هنا يبدأ العدوّ الهجوم من دون أن تتوفر القوة المقابلة للمقاومة والمواجهة.

إنّ طمع أولئك يمنعهم من سماع صوت الحقّ, لذلك وقفوا أمام حقانية رسل الله وأعلنوا إننا كافرون بما أُرسلوا به: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ68

أمّا الأمم التي لا تستعدّ لمواجهة الطامعين والمترفين العاصين لأمر الله والمتخلّفين عن القانون والمعايير الأخلاقية والإنسانية، ولم يهبّوا للمعارضة متّبعين في ذلك الأنبياء والعلماء أصحاب العلم والتقوى، ليطهّروا الأرض من أوساخ الطامعين المترفين، هؤلاء سيغرقون في المستنقعات التي أوجدوها بالفسق والمعصية: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا69

4- الالتزام والتقيد بالأفكار القديمة: ارتقت الحضارات الإنسانية الكبيرة في ظلّ الأفكار الجديدة والمتعالية وفي ظلّ العقلانيّة.

إنّ الأفكار الجديدة والثقافات الحيّة هي التي تؤدّي إلى إيجاد الحضارة وتحرّك عجلتها.

تحصل الحضارة على الحياة والحركة نحو الكمال والتطور والتعالي من خلال الأفكار والتعاليم المتجدّدة وتتنفّس في أجواء الفكر الجديد المتطوّر والمبدع والعميق، فلا تذبل مع مرور الزمان ولا تتوقّف عن الحركة.

ينبغي على الحضارة أن تطير على أجنحة العقلانية والاستفادة من عقول الآخرين وأفكارهم المتجدّدة ومن خلال التخلّي عن الأفكار القديمة غير الفاعلة، لتتمكّن من الإبداع في مجال الفناء والوصول إلى أعلى مستويات التطوّر الصناعي والزراعي والتعليم والتربية، وعليها أن تثبت أقدامها في طرق جديدة على مستوى تربية الأطفال والناشئة والشباب. كما أنّ عليها إبداع أساليب جديدة لمحاربة المشاكل الاجتماعية.

الفكر والعقلانية هما روح الحضارة. إذا توقّف الفكر عن الحركة وامتنع العقلاء عن استخدام عقولهم في سبيل الكشف عن طرق جديدة لحركة قافلة الحضارة، وإذا جلس الجهلاء على الأريكة، تَفْرغ الحضارة من الداخل وتنهار بسرعة.

إنّ حيوية وتعالي الحضارة يرتبطان بشكل أساس بالأفكار الجديدة والمتجدّدة باستمرار. وقد تكون الأفكار الجديدة اليوم متعالية بإمكانها إيجاد حضارة ونفخ الروح في جسدها، إلّا أنها قد لا تكون كذلك في الغد وما بعده ممّا يؤدّي إلى الأفول والذبول.

ممّا لا شكّ فيه أنّ حركة القدماء كانت على أساس الزاوية التي كانوا ينظرون منها ممّا أدّى إلى وجود موج خاصّ، ولكن إذا أردنا اليوم إيجاد ذاك الموج من منطلق ذاك الفكر وتلك الرؤية، فلن نتمكّن من ذلك، بل سنسقط.

إنّ السبب الذي جعل العديد من الحضارات تتعرّض للأفول وعدم القدرة على الحركة في المجالات الجديدة والاستفادة من الأفكار الجديدة لحياتها ونشاطها، هو أنّ أصحابها كانت أعينهم تتجه باستمرار نحو الماضي، فغضّوا أبصارهم عن المستقبل وغفلوا عن كلّ الحركات والجهود والأفكار الجديدة ولم يسمعوا بها.

يقول الشهيد مطهّري في هذا الخصوص: "هناك سببان لتوقّف المجتمع: الأول: تقديس الماضي أي: التعلّق بالماضي من جهة فيقدّسه، ويقبّح الجديد عمداً لأنه جديد. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك وهناك الكثير حول الأمر الأول وهذا ما واجهه كافّة الأنبياء عليهم السلام حيث كان يقال ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ كان تعاطي الأمم مع الأنبياء عليهم السلام مختلفاً، حيث كانت كلّ أمة تواجه الأنبياء عليهم السلام بخصائص معيَّنة وفساد أخلاقي محدّد، ولكنّ الأمر المشترك الذي واجهه كافّة الأنبياء عليهم السلام، هو أصل التقليد.

الثاني والذي هو عكس هذا الوضع، العداء مع الجديد، فهو موجود حيث يقبّحون الجديد لأنه جديد، فكانوا يخالفون كلّ شيء جديد. وكان البعض يعمّم الحديث النبويّ: "شرّ الأمور محدثاتها" على كلّ الأمور في الدين. مع العلم أنّ المقصود هنا هو البدعة".70

إنّ التطلّع إلى الماضي وإقفال الآفاق على الجديد وإغلاق ساحات ومجالات الجديد والوقوف أمام كلّ فكر جديد، كلّ ذلك يمنع المجتمع من التطوّر ويقفل الطريق أمام تعالي وتكامل الحضارة، وعندما يقفل طريق التعالي والتكامل وعندما لا تتمكّن الحضارة من مماشاة الزمان والإجابة عن احتياجاته، تصل إلى الأفول والزوال.

إنّ التعلّق بالفكر القديم ليس منحصراً بالمسائل العقائدية والدينية، بل كلّ نوع من التعلّق الفكريّ وكلّ فكر قديم، بمثابة آفة للتطوّر والتعالي. إذا أغلق المفكّرون والعلماء والمثقّفون، نوافذ أذهانهم وأفكارهم أمام التحوّلات العلمية والظواهر الجديدة والأساليب المحدثة، وإذا رفضوا الإبداعات والاختراعات العلمية في مجال العلم، وإذا لم يستفيدوا من الأساليب التعليمية الجديدة، فهم بذلك يأخذون المجتمع إلى الحضيض ويقوِّضون أسس حضاراتهم.

وهناك الكثير من الحضارات التي تلاشت بعد ما ابتليت بهذا المرض.

كتب جواهر لآل نهرو قائلاً: "إنّ نهاية إمبراطورية الروم الغربيَّة والتي كانت في الوقت عينه مرحلة نهاية جلال وعظمة روما حيث زالت الحضارة الظاهرية والسطحية التي وجدت في روما، في ظرف يوم واحد تقريباً, لأنّ مصادرها قد جفت قبل ذلك بكثير.

وعلى هذا الأساس نحن نرى أنّ إحدى مراحل التاريخ العظيمة شهدت تراجعاً للبشرية. وقد حصل هذا الأمر في الهند وفي مصر والصين واليونان وروما وأماكن أخرى. وبعد مرحلة من النشاط العلميّ والتجارب التي حصلت بمشقّة وتعب وجهد على امتداد سنوات، وبعد حصول حضارة وثقافة، وجدت حالة من التوقّف. طبعاً لم يكن الأمر مجرد توقف وسكون فقط، بل كان رجوعاً إلى الوراء.

وكأنّ ما حدث عبارة عن إيجاد حجاب على الصورة الماضية. ممّا أجبر الناس على تسلّق جبال العلم والاختبار من جديد.

لعلّ البشر كانوا في كلّ مرحلة يرتقون قليلاً، ثمّ بعد ذلك يصبح طريق الصعود أكثر سهولة. بالضبط كما نشاهد أنّ في كل فترة تقوم مجموعة بعد مجموعة بالصعود إلى "قمة إفرست"...

من هنا نرى أنّ الظلام أحاط بأوروبا، حيث بدأت قرون الظلام وأصبحت صورة الحياة خشنة وصعبة وخالية. لم يبقَ أيّ نوع تقريباً من أنواع التعليم والتربية حتى بدا وكأنّ الحرب والنزاع هما الوسيلة الوحيدة للحياة والانشغال. طبعاً مرحلة سقراط وأفلاطون كانت بعيدة للغاية".71

يتحدّث القرآن الكريم حول الأشخاص الذين كانوا يشجّعون الناس على تقليد القدماء والذين كانوا يمنعونهم من الإصغاء لأفكار رسل الله الجديدة، حيث كانوا يعرضون على الناس أدياناً جديدة ويحذرونهم من التقليد الأعمى والضال والمخرب، ثم يقول: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ72

لقد وضعت الآية الشريفة والآيات المشابهة لها، الإصبع على أهمّ سرّ من أسرار بقاء المجتمع والحضارة حيث ينبغي على المسلمين بالأخصّ الحذر من الذين يُرجعونهم إلى الثقافة والحضارة البالية القديمة إذ لا يمكن التطوّر والتقدّم من خلال التقليد الأعمى وغير المنطقيّ.

المترفون لا يسمحون للدين أن ينهض لعلاج الاحتياجات الجديدة والإجابة عن احتياجات الناس حيث أراد الدين فكّ أغلال القيد الأعمى ليفتح بذلك آفاق الفكر على الناس، لذلك ينبغي وعلى الدوام مواجهة هذه الظواهر المشؤومة بوعي وفي كلّ زمان ومكان.

 


1- سورة الرعد، 11.
2- مجموعة الآثار، الشهيد مطهري ج13، 816.
3- سورة الأعراف، 34.
4- مجموعة الآثار، الشهيد مطهري، ج13، 817.
5- سورة الأعراف، 69.
6- كشف الأسرار وعدة الأبرار، الخواجه عبد الله الأنصاري، باهتمام علي أصغر حكمت،ج3، 659،أمير كبير.
7- تفسير المنار، محمد عبده، تقرير رشيد رضا، ج8، 498، دار المعرفة، بيروت.
8- الميزان، محمد حسين الطباطبائي،ج8، 178.
9- سورة الفجر، 7-8.
10- سورة الأعراف، 74.
11- أي التفسير الجديد (في العربية).
12- التبيان،الشيخ الطوسي،ج4، 450، مكتب الإعلام الإسلامي، قم.
13- سورة الفجر، 9.
14- تفسير المنار،ج8، 503.
15- م.ن،ج9، 98.
16- سورة الأعراف، 137.
17- سورة الشعراء، 57-59
18- سورة الدخان، 25-28.
19- سورة الأعراف، 166.
20- سورة الأنبياء، 105.
21- الميزان،ج14، 330، الأعلمي، بيروت.
22- سورة المؤمنون، 10-11.
23- سورة القصص، 5.
24- سورة النور، 55.
25- سورة يونس، 14.
26- مجموعة الآثار، الشهيد مطهري،ج2، 359.
27- سورة الأعراف، 128.
28- الميزان،ج4، 106، مجموعة الآثار،ج2، 359.
29- الميزان،ج7، 225.
30- سورة الإسراء، 58.
31- الميزان،ج13، 132، الأعلمي، بيروت.
32- مجموعة الآثار،ج13، 819.
33- جولة في تاريخ العالم، جواهر لعل نهرو، ترجمة محمود تفضلي،ج1، 200، أمير كبير.
34- سورة الرعد، 11.
35- سورة الأنفال، 53.
36- مجموعة الآثار،ج13، 818.
37- ترجمة وتفسير نهج البلاغة، محمد تقي جعفري، ج5، 168، مكتب نشر الثقافة، طهران.
38- سورة يونس، 13.
39- تاج العروس،ج 18، 443.
40- سورة القصص، 59.
41- سورة الأنعام، 47.
42- سورة الأعراف، 4 - 5.
43- مفردات الراغب، 379.
44- م.ن، 274.
45- تاج العروس،ج5، 166.
46- سورة البقرة، 11-12.
47- سورة البقرة، 205.
48- سورة القصص، 4.
49- سورة هود، 84 - 85.
50- سورة الأعراف، 85.
51- تفسير المنار،ج8، 526.
52- سورة الأعراف، 86.
53- تفسير المنار،ج8، 531.
54- سورة الأعراف، 91.
55- سورة هود، 94-95.
56- ترجمة وتفسير نهج البلاغة، ج5، 218.
57- سورة العنكبوت، 28-29.
58- سورة العنكبوت، 30.
59- سورة العنكبوت، 34.
60- سورة الأعراف، 31.
61- سورة يونس، 83.
62- سورة الدخان، 30-31.
63- سورة الفجر، 7-9.
64- سورة الشعراء، 147-148-149-150-158.
65- سورة الأعراف، 81.
66- جولة في تاريخ العالم،جواهر لآل نهرو، ج1، 282.
67- تاريخ الحضارة، ويل ديوارنت، ج1، 263.
68- سورة سبأ، 34.
69- سورة الإسراء، 16.
70- مجموعة الآثار،الشهيد مطهري، ج13، 806.
71- جولة في تاريخ العالم، جواهر لآل نهرو، ج1، 283.
72- سورة الزخرف، 23.

10-06-2015 | 15-19 د | 1191 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net