المقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين المنتجبين.

"اللهم اجعلني عندك وجيهاً بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة"

يقوم المنبر الحسيني في عصرنا هذا بأدوار مهمة، ويتحمل أعباء كبيرة في تربية الأمة وإعدادها، وربطها بمفاهيم الإسلام ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، بالإضافة إلى دوره التاريخي الهادف لإبقاء واقعة كربلاء حيّة متقدة في النفوس، تتجاوب معها الأرواح، وتنفعل بها المواقف (كل يوم عاشوراء، كل أرض كربلاء)، وينهض خطيب المنبر الحسيني بمهمَّات ومسؤوليات غاية في الأهمية والحساسية.

وتعظم مسؤولية خطيب المنبر الحسيني في ساحتنا الإسلامية، إذ لم يعد هذا الخطيب مجرد ناعٍ يردد أبيات الرثاء، وقصائده بالأطوار الشجيّة والألحان المحزنة، وإن كان هذا الجانب هو جانب أساسي ومهم في مهمة خطيب المنبر الحسيني، بل أن جماهير المنبر الحسيني تتوقع من هذا الخطيب، أن يتناول موضوعات وأبحاثاً تغني الأمة، وتسهم في ربطها بدينها وشدّها إلى عظمائه، وتعين الإنسان المسلم على تلمّس طريق الخير والاستقامة.

إن لدماء سيد الشهداء عليه السلام والصفوة الشهداء معه، لها وقع واضح وتأثير بيّن على عواطف الأمة ومواقفها، وهذا ما يترجم في التجمّعات الجماهيرية الضخمة والحشود الحسينية اللافتة، التي تغص بها الساحات والشوارع والمساجد الضخمة والحسينيات الكبيرة، أيام عاشوراء في شرق الأرض وغربها.

إن الحسين عليه السلام وشهادته، قد جعلا الطريق ممهداً لخطيب المنبر الحسيني، أن يرتقي المنابر ويخاطب تلك الجموع، التي قد لا تتهيأ لأكابر المجتهدين وأعاظم العلماء، وهذه النقطة تشكّل مسؤولية شرعية كبيرة، وموقفاً دينياً يُسأل عنه خطيب المنبر الحسيني، في دقة ما يطرح على المنبر وحساسية كلامه وأبحاثه، وحرصه على نقاء الهدف وطهارة النيّة.

والأمة تنتظر من خطيب المنبر الحسيني، أن ينطلق من أيام عاشوراء ومواقف شهدائها، إلى معالجة الأمور التي تهم الإنسان المسلم، ويسعى لتهذيبه وتربيته وشده إلى قيم الشريعة التي ضحّى من أجلها سيد الشهداء عليه السلام.

وتختلف الساحات في مستوى وعي هذا الجانب، حيث نجد أن خطيب المنبر الحسيني في مجالس العراق وبلدان الخليج والمناطق العربية في إيران وكثير من المهاجر، هو المتحدث الأول والأخير ولا يشاركه غيره، ولهذا فالمسؤولية عليه هناك أوضح وأشد وأهم.
بينما تخفّ مسؤولية خطيب المنبر الحسيني في مجالس مناطق أخرى، حينما يشاركه متحدث أو خطيب آخر، ومع ذلك فإن ما يطلب من خطيب المنبر الحسيني اليوم هو غير ما كان يطلب منه بالأمس - إذ كان دوره محصوراً في الجانب المأساوي من واقعة كربلاء - وما يُطلب منه غداً، مع اتساع مساحة الوعي وتعاظم التحدّيات على أنواعها، وتنوع المعالجات التي يتناولها، سيكون أعظم وبدون أدنى شك.

إذ أن مما يزيد في مسؤولية المنبر الحسيني من جهة وحساسيته من جهة أخرى، إتساع الدائرة التي يخاطبها خطيب المنبر الحسيني. فبعدما كانت المجالس الحسينية محصورة في الحسينيات والقرى أو المناطق والأحياء الضيقة، راحت اليوم تنطلق لتغطي مساحات هائلة عبر الإذاعة والتلفاز والقنوات الفضائية.

وعموماً فإن على خطيب المنبر الحسيني أن يراعي جانبين يشبع كلاً منهما في محاضراته ومجالسه.

الجانب الأول: جانب العاطفة الحسينية وإذكائها وبأسلوب فني مهذب، يراعي فيه كرامة أهل البيت عليهم السلام، في حسن اختيار الشعر المناسب وسرد المصيبة الملائمة وبالأطوار والأساليب الحزينة التي تسهم في البكاء والتباكي على الحسين عليه السلام، والذي ورد فيهما التأكيد من أئمة أهل البيت عليهم السلام.

الجانب الثاني: جانب الفكرة والموعظة والطرح الذي ينبغي أن يوليه خطيب المنبر الحسيني اهتمامه ورعايته، وهذا منطلق من الفكرة الرائعة التي تقول: أن الحسين عليه السلام عَبرة وعِبرة، دمعة وفكرة ...

إن دروسنا في الحلقات القادمة ستتناول إن شاء الله تعالى فقرات المنبر الحسيني من حيث المقدمة التي يتميز بها عن بقية المنابر، ثم القصيدة التي يبدأ بها الخطيب مجلسه الحسيني عادة، وبعدها ندخل إلى فقرة:

المحاضرة والبحث الذي ينبغي على خطيب المنبر الحسيني أن يراعيه في مجالسه، ولا يبقى مجرد حافظ لأشعار الرثاء، ومردِّداً لما يسمعه من ألسنة أو تسجيلات مشاهير الخطباء بل عليه أن يتعب نفسه في المطالعة والقراءة والمتابعة لكل ألوان الثقافة وأنواع المعلومات التي يمكن توظيفها في إعداد خطبة المنبر الحسيني ومحاضرته وتهيئتها فيما سنتوقف بعد ذلك عند فقرتي (التخلّص) و(المصيبة) في دروس أخرى.

إن على عاتق خطيب المنبر الحسيني مسؤولية كبيرة، ومهمة جليلة، إذ عليه أن يولى كلا الجانبين اهتمامه ورعايته، فهو من جانب يهيئ محاضرته ويكتب بحثه ويتعب نفسه في اقتناص الموضوعات واختيار الأبحاث، شأنه شأن كل محاضر وكاتب ومؤلف.. يزاد عليه اهتمامه بالجانب الفني في خطبة المنبر الحسيني، إذ عليه اختيار القصائد المناسبة من الشعر العربي الفصيح (القريض) والأشعار الشعبية ذات المضامين الجيّدة، إضافة إلى اختياره الطور المناسب والطريقة الملائمة في إنشادِ هذه الأشعار وقراءتها بالأساليب والأطوار التي يألفها المنبر الحسيني، والتي تسهم وإلى حد كبير في إذكاء العواطف وتهييج النفوس وتأجيج المشاعر، باتجاه الحسين عليه السلام وشهادته وأحزانه كي يبقى ذلك التناغم الرائع بين الفكرة الرسالية والعاطفة الهادفة.

ولهذا فإن بين خطيب المنبر الحسيني وعموم الخطباء والمتحدثين، ما يمكن أن نطلق عليه نسبة العموم والخصوص مطلقاً في عرف المناطقة، حيث أن على خطيب المنبر الحسيني أن يسعى لإعداد محاضرة بكل شرائط نجاحها وجعلها ذات فائدة وعطاء ككل خطيب أو متحدث. ويزيد عليه اهتمامه بالجانب الفني والعاطفي في المنبر الحسيني، إذن فكل خطيب منبر حسيني هو محاضر ولكن ليس كل محاضر هو خطيب منبر حسيني.

وستتضح في الدروس القادمة الخطوات الأساسية التي نأمل أن تسهم في تسليط الضوء على الكيفية التي تمكّن خطيب المنبر الحسيني المبتدئ، وكل من يرغب بأن يكون من خدمة هذا المنبر وخطبائه، من إعداد وكتابة محاضرة مناسبة للمنبر ورسالته.

إن هناك فروقاً، أكثرها فنية وعرفية (إذ أن للمنبر الحسينيّ تقاليد وأعرافاً خاصة به) تميز خطبة المنبر الحسيني عن أي محاضرة أخرى، وستتضح هذه الفروقات في دروسنا القادمة إن شاء الله تعالى.

أخي القارئ

إن هذا الكتاب دروس في بناء المجلس الحسيني يقع ضمن السلسلة  التي يعدها معهد سيد الشهداء للتبليغ والمنبر الحسيني والتي تهدف إلى تأمين مواد دراسية ممنهجة، تهدف لإعداد الخطيب الحسيني المميَّز في شكل الخطابة ومضمونها.

وفي إطار هذه السلسلة أصدر المعهد كتاب معين القرّاء في أطوالا العزاء الذي لاقى رواجاً محموداً، على أمل إنجاز بقيَّة المتون التي يعدُّها المعهد.

معهد سيد الشهداء عليه السلام
للتبليغ والمنبر الحسيني