الدرس الرابع عشر: فقرة التخلص

كنا في الدروس السابقة قد توقفنا عند شرح وإيضاح الفقرات الثلاث الأولى من فقرات المنبر الحسيني، وهي: المقدمة، القصيدة، المحاضرة(الموضوع).

وبقي علينا أن نواصل شرحنا ودراستنا للفقرات الثلاث الأخرى المتبقية، وهي التخلّص، المصيبة والدعاء.


4- فقرة التخلص

مرّ بنا، أن المنبر الحسيني كان في بدايته لا يتجاوز قصيدة رثاء يتلوها الشاعر عند أحد أئمة أهل البيت عليهم السلام فتتفاعل معها النفوس والقلوب حرقة وألماً وبكاءً...

ثم أخذ المنبر الحسيني يخطو خطوات نوعية ويمرّ بمراحل متعدّدة، حتى وصل المنبر الحسيني حالياً إلى مستوى كبيرٍ من التخصّص، فصار فنّاً خاصاً من فنون الخطابة، لا يقوى على النهوض بمهماته إلاّ من توافرت فيه شرائط خاصة بعضها ثقافية وأخرى فنيّة، يتواصل كل هذا مع متابعة ميدانية لأعراق المنبر وأساليب أساتذته وتراكم خبرات الخطباء وإبداعاتهم.

إن من خصائص خطيب المنبر الحسيني الناجح في يومنا هذا، إن


105


يمتلك حسّاً فنيّاً، وأسلوباً إنسيابياً، وذوقاً أدبياً، يقوى بها على نقل روّاد مجالسه من المحاضرة والبحث اللذين كان بصددهما إلى أيواء عاشوراء، وساحة كربلاء... أي أن هناك جسراً يعبر عليه المستمع من عالم البحث والمحاضرة إلى عالم المصيبة والبكاء والحزن... إن هذا الجسر الذي يحتاج إلى الحس الفني والأسلوب الإنسيابي والذوق الأدبي هو الذي يُعرف بـ (التخلّص)... أو (النُقلة)...

إن من غير المستساغ أن يتجاوز خطيب المنبر الحسيني فقرة التخلّص هذه لينتقل من فقرة المحاضرة إلى فقرة المصيبة رأساً (من الفقرة 3 إلى الفقرة 5). بل لا بد عليه أن يمهّد لهذا الانتقال عبر فقرة التخلّص.

والتخلّص أسلوب أدبي كان معروفاً عند العرب، حيث يذكر الشاعر معنىً ليمهّد الانتقال إلى معنى آخر.

أما في المنبر الحسيني، فإن التخلّص يعني: إن الخطيب حينما يشعر أنه قد أكمل بحثه، وأن المحاضرة التي قد تناولها أدت مهمّتها وكادت أن تصل إلى نهايتها، فإنه يبدأ بالتفكير والتخطيط والبحث عن فكرة ما أو مسألة ما لها ارتباط بمحاضرته من جهة، ويمكن من خلالها - كذلك- التعريج على أحداث واقعة كربلاء... أي يقوم بعملية تمهيد لذهنية المستمع وتهيئة لنفسيته وإعداد لمشاعره حتى تتفاعل في نهاية المجلس مع الأجواء العاطفية والحزينة لأحزان الطف. أن يتخلّص من المحاضرة إلى المصيبة.

إن (التخلّص) الناجح منوط بتوافر عدة شرائط أهمها:


106


أ- الذوق الخطابي والذهنية المنبرية التي تمكّن خطيب المنبر الحسيني من أخذ (فقرة التخلّص) بالاعتبار منذ أن يشرع بصياغة محاضرته وكتابة بحثه.. أي أن الخطيب الناجح هو الذي يفكّر وهو في بداية مجلسه كيف سيختم مجلسه هذا!!.. لأنه يعلم أن نجاحه وتوفيقه كخطيب لا يعود فقط إلى قوة المحاضرة، إذ قد يشترك في هذا مع بقية المحاضرين، ولكنه يعلم أن الأمر يتعلّق وإلى حدّ كبير - كذلك- إلى رهافة أسلوبه، وانسيابية طريقته في نهاية المحاضرة لربطها بكربلاء.

فحينما يطرح الخطيب محاضرة حول الصديق والصداقة، فإنه يفكر منذ بداية محاضرته بأفضل ربط بين محاضرته وحدث من أحداث كربلاء.. حيث يخطط -مثلاً- لأن يُنهي المجلس باستشهاد مسلم بن عوسجه الأسدي ومجيء حبيب بن مظاهر الأسدي رضوان الله عليه إلى مصرعه باعتباره كان صديقاً له ضمن تاريخ جهادي طويل...

فإذن عندنا بداية وهي محاضرة الصداقة، وعندنا نهاية وهي مصيبة استشهاد مسلم بن عوسجة ولكن كيف يربط بينهما؟ هنا يأخذ الخطيب بالتفكير والبحث عن فكرة ما تكون ضمن سياق المحاضرة فلا يشعر المستمع أنه قد دخل في موضوع جديد، بل قد لا يتصوّر أن هذه الفكرة ستنقله إلى كربلاء.. فيجد الخطيب الحديث الشريف: «لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث؛ في غيبته، ونكبته، وعند وفاته). ويكتشف أهلية مؤدى الحديث الشريف مع المهمة التي يسعى إليها.. فيجعل هذا الحديث في آخر محاضرته


107


لأنه يعتبر جسراً جيداً يربط به بين المحاضرة وكربلاء.. فيذكر الحديث مع شرح يتناسب والوقت حتى يصل إلى حضور الصديق في وفاة صديقه... ثم يقول: نعم كم يتألم الصديق حينما يسمع باحتضار صديقه خاصة من كان له معه تاريخ من الوفاء والصدق... فكيف بمن كان يسعى لمصرع أحد أصدقائه وإخوانه وفيه بقية من روح نعم كيف لنا أن نتصور شعور صديق سبقه صديقه إلى الشهادة يذهب إليه ليؤبنه ويبشره بالجنة، كما صنع حبيب بن مظاهر الأسدي حينما سار خلف الإمام الحسين عليه السلام إلى مصرع صديقه وابن عمه مسلم بن عوسجة الأسدي..

وهكذا رأينا كيف انتقل الخطيب من المحاضرة إلى المصيبة.

وهذا مجرد مثل لما ينبغي أن تكون عليه ذهنية خطيب المنبر الحسيني، حيث عليه أن يفكر حينما يشرع بكتابة محاضرته بكيفية إنهائها إلى كربلاء.

هذه هي الطريقة الأفضل، نعم يمكن للخطيب أن يبدأ محاضرته ثم يقف في نهايتها متأملاً وباحثاً عن (تخلّص) يعينه في مهمته، وهي مرحلة قد تأتي بعد طول خبرة ومزيد ممارسة.

ب- الاطلاع الواسع والدقيق على كل مفردات السيرة الحسينية. لقد أكّدنا مراراً أثناء دروسنا السابقة، أن من الأمور الأساسية التي تميّز خطيب المنبر الحسيني عن بقية المحاضرين والخطباء، أنه يمتلك اطّلاعاً واسعاً واهتماماً بالغاً بواقعة كربلاء وأحداثها، بل ويزيد على ذلك تميّزه بحفظ النصوص من خطب ومحاورات وأشعار


108


ذكرتها كتب السير.

إن واقعة كربلاء واقعة شمولية إذا صحّ التعبير، حيث جمعت بين بدايتها ونهايتها أحداثاً متنوعة ومواقف مختلفة، وسلوكيات متباينة، وظروفاً متعددة... جعلت منها منجماً ثميناً ومجالاً غنياً لإمكانية أن يربط بين أي موضوع يُتحدث عنه أو فكرة تناقش أو مسألة تطرح، أن يُربط بين كل ذلك وحدث من أحداث كربلاء، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.. ولهذا نجد أن خطباء المنبر الحسيني وهم يعالجون على منابرهم مختلف القضايا ويطرحون أنماط الأبحاث في جوانب الحياة المختلفة للإنسان والمجتمع ثم يربطون كل ذلك بكربلاء وعالمها.

إن من أهم ما يمكّن خطيب المنبر الحسيني من أن يكون ناجحاً في تهيئة التخلّص المناسب والمؤثّر في الوقت ذاته، أن يكون مطّلعاً وبشكلٍ دقيق وتفصيلي على كل ما يتعلق بحركة الإمام الحسين عليه السلام منذ أن رفض البيعة ليزيد بل وقبلها، إلى خروجه من المدينة إلى مكة وما جرى له في مكة، حتى خروجه منها إلى العراق، والمنازل التي مرّ بها وأحداثها وأشخاصها، ثم ظروف وصوله إلى كربلاء وكل المحاورات والتطورات حتى ليلة عاشوراء ثم الإهتمام الأكثر تفصيلاً بأحداث ليلة عاشوراء ثم متابعة دقيقة وتفصيلية لكل ما جرى في يوم عاشوراء من مواقف وأحداث وأشعار ونصوص حتى الشهادة، ثم ما جرى بعد ذلك وطول رحلة السبا من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام ثم العودة عبر كربلاء إلى المدينة.


109