الدرس الثامن عشر: أوصاف خطيب المنبر الحسيني1

استكمالاً لدروسنا الماضية، نطرح اليوم درساً حول المواصفات التي يفترض توافرها في الخطيب الحسيني حيث يعتبر خطيب المنبر الحسيني، هو قطب الرحى، في تلك التجمعات الضخمة، والمحافل الكبيرة، فهو العامل الأول، الذي يؤدي إلى نجاح المآتم الحسينيّة. فبقدر إجادة خطيب المنبر الحسيني لمهمّته، وتمكّنه من إشباع بحثه، ومحاضرته، علميّاً وعاطفياً. يتقرر مقدار حضور الناس إليه أو انكفاؤهم عنه.

ولهذا، فإنه لابُدَّ من توافر شروط، ومؤهّلات، في مَن يريد اعتلاء أعواد المنبر الحسيني، وهي قد تكون من الكثرة والتنوع، مما يجعل مصادقيها في الخطباء قليلة.

وقديماً قال المناطقة: إن الشيء كلما كثرت شروطُه عزّ وجودُه.

إن هذه الأوصاف، والمؤهلات، قد تتغير من بيئة لأخرى، ومن مستوى ثقافي وعلمي لثانٍ، حسب نوعية الحاضرين، وما ينتظره روّاد المجالس من أبحاث ومحاضرات، أو بما يستطيعه خطب المنبر الحسيني، من إشباع الجانب العاطفي، وإثارة كوامن الحزن لواقعة


130


كربلاء. ويمكن لنا أن نصنّف المواصفات والمؤهلات هذه إلى ثلاثة أصناف؛ يشترك فيها الخطيب الحسيني مع العلماء والمثقّفين والمحاضرين في بعضها، ويختصّ في بعضها الآخر، والمؤهّلات هي:


1- المؤهلات العلميّة والثقافية

على كل خطيب، في أي شأن من الشوؤن، أن يكون ذا اطلاع ودراية بالموضوع، أو البحث الذي يريد طرحه. وبقدر ما كان هذا الخطيب، أو المحاضر، ملمّاً بأطراف الموضوع، وامتداداته، وشواهده، تكون محاضرته أدق، وأنجح، وبالتالي أكثر فائدة. وهذا الأمر يشترك فيه خطيب المنبر الحسيني، مع كل خطيب أو متحدّث. إلا أن الاختلاف هو في طبيعة المحاضرات وموضوع البحث لكل خطيب. ولهذا فإن خطيب المنبر الحسيني، يشترك عموماً، مع كل خطيب أو محاضر، من علماء المسلمين وخطبائهم ومحاضريهم، وبشكل واضح، إلاّ في بعض هذه الموارد التي تمليها طبيعة المنبر الحسيني. وأهم هذه المؤهلات هي:

أ- دراسة تخصصية في العلوم الإسلامية: بما يصطلح عليه بـ "الدراسات الحوزويّة". من مقدمات، كعلوم العربية المتنوعة والمنطق، والتفسير، والحديث، ثم الفقه وعلم الأصول. وكلما تقدّم خطيب المنبر الحسيني، في الدراسات الإسلامية، كلما كان أقدرَ على الطرح الإسلامي الأصيل، وأكثر إحاطة بالمسائل ذات الأبعاد الفقهية، أو التفسيريّة التي يتعرض لها في محاضراته.

وهذه النقطة، في غاية الأهمية، لا من حيث التعمّق، في فهم المسألة الفقهيّة، وأسلوب طرحها منبرياً فقط، بل أنها تسهمُ في عملية اندماج


131


خطيب المنبر الحسيني، في أجواء طلاّب الحوزة العلّمية. فقد كان مألوفاً - سابقاً - أن يعتلي المنبر، من لا حظ له في الدراسات الدينيّة، خاصة في المآتم التي تهتم بحسن صوت الخطيب، مما أنتج وجوداً غير مرتبط بالحوزة العلمية، وطبيعتها، وانعكس بالتالي على نظرتها إلى خطيب المنبر الحسيني.

نعم، قد لا يصل خطيب المنبر الحسيني، في متابعته للدروس الحوزويّة، إلى مستوى التخصّص الذي يصل إليهِ طلاّبُ العلوم الدينية المتفرغون لهذه الدروس، ولكن لا بد من دراسة حوزوية على قدر مهم من التتبّع. إن هذه النقطة تميّز خطيب المنبر الحسيني، عن المحاضر المسلم والمثقف المسلم، اللذين قد يكتفيان بمعلومات فقهيّة وأصوليّة عامّة، بينما ينبغي على خطيب المنبر الحسيني، أن ينال حظاً كبيراً من الدراسات الإسلاميّة التخصصيّة.

ب- ثقافة تاريخيّة مركّزة: لما كان خطيب المنبر الحسيني، يولي المسائل التاريخيّة، فيما يتعلّق بتاريخ الإسلام والمسلمين، بل ودراسة التاريخ قبل الإسلام، وفي الحضارات الأخرى، كل هذا من جهة، وبما يخص سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وسير أهل بيته عليهم السلام، والصحابة، والتابعين من جهة أخرى. إضافة إلى مزيد عناية بأدق التفاصيل، لكل ما يتعلّق بسيرة الإمام الحسين عليه السلام، منذ ولادته وحتى استشهاده، وبما جرى على أهل بيته بعد ذلك من جهة ثالثة. كل ذلك يحتم على خطيب المنبر الحسيني، أن يولي المسائل والأبحاث، والدراسات


132


التاريخيّة، اهتماماً بالغاً ودقيقاً.

ونظرة ولو سريعة، على مكتبات خطباء المنبر الحسيني الخاصّة، تكشف ضخامة الجانب التاريخي في ثقافتهم، وخاصة فيما يتعلق بواقعة كربلاء.

وقد انعكس اهتمام خطباء المنبر الحسيني بالتاريخ، وأحداثه على ثقافة الإنسان الشيعي، بحيث غدا مطّلعاً على أدق التفاصيل التاريخية، التي قد لا تتأتى إلا لأهل الاختصاص والتتبّع. مما كان يدهش الكثيرين. يقول أحد الكتّاب الإسلاميين "ولم استطع أن أخفي دهشتي من أولئك الذين يحملون التاريخ على أكتافهم أبداً".

ج- ثقافة إسلاميّة عامّة: بعد أن اتسعت المساحة التي راح المنبر الحسيني يعالجها، ولم يعد مقتصراً على إنشاد الشعر الرثائي، أو الوقوف عند بعض الأحداث التاريخية المحدّدة. وأخذ الجمهور يتطلّع إلى خطيب المنبر الحسيني، كمحاضر ذي ثقافة واسعة وعميقة، هذا الأمر الذي حتّم على خطباء المنبر الحسيني، أن يولوا اهتماماً كبيراً، بكل ما يتعلّق بجوانب الثقافة الإسلامية، والفكر الإسلامي.

ولذا أخذ خطيب المنبر الحسيني الناجح، بتناول كل نتاجات المثقفين، والكتّاب والمفكرين الإسلاميين.

مع متابعة الدوريّات والإصدارات الإسلاميّة العامّة... فتجد خطباء المنبر الحسيني، ذوي علاقات أكيدة مع المكتبات ودور النشر ونتاجات المؤلّفين.

وهناك اهتمام خاص، بكل المؤلفات التي تناولت ثورة الإمام


133


الحسين وأبعادها وآثارها بالدراسة والتحليل والمتابعة.

د- إلمام جيّد بالثقافة التربويّة، والاجتماعية، والنفسية، والسياسية، وعموم الثقافة الموسوعيّة: إن تنوع الأبحاث، والمحاضرات التي يوليها المنبر الحسيني اهتمامه، حتّمت على خطيبه، أن يكون ذا إلمام، في جملة تخصصات، وثقافات تعينه على أداء مهمته، وقوة محاضرته، وكبير انشداد الجمهور إليه.

فالخطيب الحسيني، لا يكتفي بالثقافة الإسلاميّة، والدراسات الدينيّة فقط، بل يحاول أن يكون له حظّاً من كل ألوان الثقافة، خاصة بما يتعلّق بمنبره، كالثقافة التربوية والنفسيّة وأن يكون ذا وعي وثقافة سياسيّة، تعينه على الطرح المناسب وطبيعة الظروف.

إن الثقافة الموسوعيّة أمر مطلوب في ثقافة خطب المنبر الحسيني، وكلما كانت ثقافته متعدّدة، وواسعة، كلما كان أكثر نجاحاً وأعلى شأناً في ميدان الخطابة.

وهناك اهتمام خاص، بالتقاط الشواهد الأدبية، والعقائديّة، والعلميّة، وغيرها، مما يطعّم بها الخطيب محاضرته، كي يغنيها من جهة، ويرفع حالة السأم والملل من جهة ثانية.

ولهذا يحتفظ، كل خطيب منبر حسيني، بدفتر أو دفاتر خاصّة به يجمع فيها كل شاردة وواردة، من كل ما تقع عليه عينه، أو تسمعه أذنه، من المعلومات، التي يتوقع أن يستفيد منها، ذات يوم، ويوظفها في محاضراته ومجالسه.

إن جمهور المنبر الحسيني، ينظر إلى الخطيب ذي الثقافة


134


الموسوعيّة المتنوّعة، بأنه خطيب يولي محاضرته وجمهوره اهتمامه، وأن حديثه ليس مجرّد كلمات يلوكها اللسان، بل هي أرقام ومعلومات، جاءت بعد تتبّع، وبحث وتدقيق، ومزيد عناية.

وتعتبر المكتبات الخاصة، بخطباء المنبر الحسيني، من أغنى المكتبات، في تنوعها وتوسعها وإحاطتها بفنون المعرفة، لذلك فإن "من أهم مكتبات النجف الخاصة، مكتبات خطباء المنابر الحسينيّة، الذين تلزمهم مهمتهم، كخطباء، الإحاطة بالتاريخ، والشعر، والأدب، واللغة، إحاطة لا يمكن أن تتيسّر بدون مكتبة زاخرة بالمصادرة المهمّة من أمهات الكتب"2.

وهنا ننهي درسنا هذا على أن نواصل هذا البحث في الدرس القادم.


135


هوامش

1- الدرس مأخوذ من كتاب (المنبر الحسيني نشوؤه وحاضره وأفاق المستقبل) للمصنّف.
2- الخليلي، جعفر: موسوعة العتبات المقدسة، قسم النجف 309/7.