الدرس التاسع: كيفية ترتيب موضوع محاضرة المنبر الحسيني 1

تحدثنا في دروسنا السابقة عن نشوء المنبر الحسيني، وكيفية وصوله إلى هذا المستوى الذي عليه الآن.
وبروز مجموعة من الخطباء الذين رفعوا من شأن المنبر الحسيني ووسعوا من دائرة معالجاته واهتماماته ثم تحدثنا عن هيكلية المنبر الحسيني والفقرات التي تتألف منها الخطابة الحسينية، وهي المقدمة- القصيدة- الموضوع- الانتقال (التخلص)- الدعاء، ثم بينّا كيفية كتابة البحث حيث لا يُطلب فقط الإقتصار على الأشعار الرثائية والجانب المأساوي في واقعة كربلاء، بل أن المطلوب كذلك أن يقوم الخطيب بطرح الموضوع الذي ينمّي العقل، ثم يأتي دور العاطفة التي تحتاج إلى من يؤجهها ويوجِّهها بحيث يجعلها منسجمة مع أجواء كربلاء وبما يُهذِّب النفس وبما يناسب مع كرامة أهل البيت عليهم السلام.

أن الموضوع ولكي يتم كُلَّه ويكون بمستوى جيّد يقسم إلى أقسام كما مرّ بنا:

1- العنوان وأفضله الآية القرآنية الكريمة، حيث ستكون مضامينها وأبعادها هي مادة المحاضرة، وعلى الخطيب أن يطّلع على التفاسير التي تشكّل المادة الأساسية لمحاضرته التي تتناول آية قرآنية


67


كريمة، وهنا يمكن أن نسأل:

ما هي التفاسير التي يمكن أن يستفيد منها الخطيب في هذا الباب؟.

إن هناك عدة تفاسير للقرآن الكريم منها تفاسير قديمة وأخرى تفاسير حديثة.

ومن التفاسير القديمة مجمع البيانپ للطبرسي (للشيعة) ومن تفاسير السنة ..... التفسير الكبير (للفخر الرازي) والذي كان له أثر كبير على منهج الشيخ الوائلي كما مرّ بنا في درس سابق.. فعندما يأخذ الخطيب آية لها عدة تفاسير فإنها تفتح له عدة آفاق في كتابة المحاضرة.

أما التفاسير الحديثة:

فبالنسبة إلى تفاسير السنة يوصى بتفسير في ظلال القرآن لسيد قطب ففيه صياغة أدبية في تفسير كل آية وهي مما تغني وتنمي الجانب الأدبي، وهو شيء مهم في عموم الخطابة ولا سيما الخطابة الحسينية. فكلما كان الخطيب متألقاً في أسلوبه الأدبي، ويستخدم الألفاظ والمفردات الأدبية المناسبة، فإن تأثّر المستمع يكون أمراً واضحاً مؤكَّداً.

ومن كتب التفسير الشيعية الحديثة تفسير الميزان للسيد محمد الطباطبائي، ولكن الأنسب لمحاضرات المنبر الحسيني هو تفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم شيرازي، إن تفسير الأمثل هو مجموعة تفاسير مختارة ويعطي عدة آراء. وبالنسبة لخطيب المنبر الحسيني فإن هذا التفسير يمكن أن يعتمد عليه ولو في بداية حياته الخطابية


68


ثم يتوسع مع توسعه في الخطابة الحسينية.

هذه التفاسير وغيرها ترفع من مستوى الخطيب وتحسّن من أدائه، ويبدأ إبداع الخطيب وجهده الذاتي حينما يبدأ بعرض الموضوع وعرض الفكرة، وفيها يتضح إذا كان مميزاً أم لا، وإذا كان مطّلعاً أم لا. وللتذكير، فقد قلنا في درسنا السابق أن (التمهيد) يأتي بعد عنوان المحاضرة وهذا التمهيد قد يحصل من تفاسير القرآن نفسها. ولكنه يأتي في الأساس من خلال الثقافة الإسلامية العامة، ... كتب الثقافة الإسلامية العامة والمجلات وأي مصدر للأفكار، حيث يقوم الخطيب بعملية اقتناص للأفكار والنقاط التي تجذب المستمعين إلى المحاضرة وتشدّهم إليها.

ونورد مثالاً آخر كما ذكرنا أمثلة سابقة في درس سابق عن التمهيد. فإذا أردنا أن نتطرق إلى موضوع الإنفاق مثلاً فيمكن أن نقول كتمهيد، من فكرة وردت في بعض الكتب الإسلامية، تقول: إن مكافحة الفقر في الإسلام يساهم فيها الفرد المسلم كما تسهم بها الدولة.

ولا يقتصر فيه على الدولة فقط كما في الأنظمة الغربية، وهذا يمكن أن يكون تمهيداً لموضوع الإنفاق في الإسلام، وخلال التمهيد يكون المجال واسعاً أمام الخطيب لجذب الجمهور، ثم تأتي مهمة الموضوع، ويأتي بالبحث نفسه، وهو مادة الموضوع وهذه المادة يجب أن تكون على شكل نقاط جهد الإمكان لكي يتم تفاعل الجمهور مع المحاضرة أولاً، وتعينه على التذكر وعدم النسيان من جهة أخرى،


69


إضافة إلى بروز المحاضرة بأسلوب علمي وشيق من جهة ثالثة.

عندما تكون المحاضرة ضمن نقاط، فإن الموضوع يكتسب نهجاً علمياً نافعاً، وهي تعين نفس الخطيب على التذكر ومتابعة المحاضرة، كما أن هذه النقاط وعندما يستمع لها الجمهور فإنه سينجذب نحو الخطيب كما قلنا يجب على خطيب المنبر الحسيني أن يحسن فن المتابعة الجماهيرية لمحاضراته، عليه أن يحمل دائماً همّ محاضرته حتى يوفّق للنجاح والتأثير.

أما إذا كان طرح الموضوع يتم بصيغة سرديّة ودون طرحه ضمن نقاط، فإنه قد يحصل تنافر وشرود ونسيان وملل، فعلى الخطيب أولاً أن يركز الموضوع في ذهنه بالذات على شكل نقاط. نقطة أولى ونقطة ثانية ونقطة ثالثة، وهي النقاط التي نستفيدها من التفاسير والكتب الإسلامية والثقافية العامة، التي ينبغي على الخطيب أن يقرأها في متابعة لكل شيء يفيده.

إذن، فقد بدأنا الموضوع أو المحاضرة بعنوان وبعد العنوان اخترنا تمهيداً مناسباً للمحاضرة استفدناه من عموم ثقافتنا ومطالعاتنا، ثم يأتي دور صلب المحاضرة التي ذكرنا أنه يفضَّل كونها ضمن نقاط، وهي التي نستفيدها من التفاسير التي تعطينا عدة معانٍ للآية أو نطرح أمامنا أكثر من بُعدٍ للآية القرآنية المباركة، فعلى سبيل المثال لو كان عنوان المحاضرة حول الإنفاق، فيمكن أن تكون المحاضرة حول أنواع الإنفاق، إذ يمكن أن ينظر إلى الإنفاق بعدة أنواع: منه الإنفاق المالي ومنه الإنفاق العلمي، و الإنفاق بالنفس وبالروح من أجل الله عزّ


70


وجل، ثم يأتي إلى بيان كل نقطة، فإذا ذكر الإنفاق المالي فإن على الخطيب أن يهيئ حول هذه النقطة ما يبينّها ويشرحها مسندة بالنصوص المناسبة المطلوبة، ويرصّع كل نقطة بما يمتلك من شواهد مثل بيت شعر مناسب أو قصة ملائمة لنقطة البحث هذه.

ونؤكد؛ أنه يجب أن تكون المقطوعة الشعرية أو القصة متناسبة مع كل بعد أو معنى من أبعاد ومعاني الآية، فالمهم أن يشبع البحث بتنوع أدواته، بحيث يكون المجلس مائدة متنوعة؛ فيجد الإنسان أن نفسه تُقبل على هذه المائدة، كما يُقبل المدعو على الطعام فهو حينما يرى المائدة متنوعة فإن نفسه تقبل عليها، فكذلك المستمع عندما يستمع إلى الخطيب وهو مرة يأتي بقصة ومرة بحديث ومرة بشعر ومرة يقوم بإجراء مقارنة وتارة بإحصائية أو دراسة حديثة، فحينها يشعر المستمع، أن عند الخطيب عطاءً متنوعاً وفائدة متعددة، فينجذب إليه وتتم الاستفادة ومن ثمّ التربية والإعداد، وهكذا يؤدي المنبر الحسيني رسالته التربوية المطلوبة.

يجب أن لا نُغفل النصوص، وخاصة الأحاديث الشريفة عن المعصومين عليهم السلام، حيث تقوم بدور كبير في تركيز المفهوم وتقوية النقاط وشد المستمع.

ومن الكتب المميزة والميسرة، في تهيئة الأحاديث المناسبة لمختلف المواضيع في هذا الباب؛ كتاب ميزان الحكمة، وهو كتاب رائع ومبوب لعناوين وموضوعات كثيرة التي يمكن أن يستفيد منها الخطيب، والموضوعات الواردة هي حسب الحروف الأبجدية، وقد تكون


71


الأحاديث بذاتها، هي التي تفتح للخطيب أبواباً جديدة في المحاضرة. أحاديث معينة في موضوع معين تفتح آفاقاً جديدة لم تكن قد اكتشفها الخطيب من قبل، أحاديث وروايات تغني الآية الكريمة بحثاً وأبعاداً ومعانٍ فكما أن كتب التفسير تضع بين يدي الخطيب عدة آراء وأبعاد لكل آية بما تفتح أمامه مجالات الإبداع والتألّق، فإن وفرة الأحاديث عن أي موضوع من الموضوعات تفتح بدورها آفاقاً أخرى ومجالات جديدة تضاف إلى ما يستفاد من آراء المفسرين، إضافة إلى هذه الأحاديث والروايات تشكل شواهد مهمة لكلِ رأي أو بعد تفسيري نأخذ به. والكتاب من تأليف الشيخ محمدي ري شهري.... وهو كتاب نافع جداً ولا يستغني عنه خطيب أو محاضر أو مؤلف كذلك.

إن مسؤولية خطيب المنبر الحسيني كبيرة ومتعددة، حيث ينهض الخطيب بمهمات كبيرة جداً. ويمكن لك أن تقدر عظم هذه المسؤولية في تلك التجمعات الحاشدة في مواسم الخطابة الحسينية في محرم وصفر وشهر رمضان، أو حينما يدعى الخطيب إلى جالية إسلامية مغتربة تستمع إلى محاضراته بكل نهم ولهفة. فخطيب المنبر الحسيني لا يمكن أن يحدد مصادر الخطابة الحسينية بنحو معين من المؤلفات، إذ أن كل شيء يمكن أن ينفعه في مجالسه من المجلات والكتب والقصص، مصدر يوفر المعلومة النافعة التي يمكن للخطيب أن يوظّفها في المحاضرة، ومن خلالها يستطيع الخطيب أن يوصل رسالته. وأذكر هنا كلمة لأحد أساتذة المنبر الحسيني وهو المرحوم العلامة السيد عبد الزهراء الحسيني حينما قال له أحد الخطباء:


72


لقد نضبت محاضراتي ولا أجد ما أتحدث عنه!! فقال له السيد الحسيني رحمه الله: يمكن لك أن تتحدث في موضوعات من آدم عليه السلام إلى عبد الكريم قاسم.. الذي كان رئيساً للعراق آنذاك... نعم فمساحة الخطابة الحسينية واسعة ومتعددة.

وعلى الخطيب أن يتعب ليله ونهاره باستمرار فهو في همٍّ وتوثّب لا يهدأ، يقنص كل شاردة وواردة يمكن أن تعينه ذات يوم على محاضرة من محاضراته، أو جلاء فكرة من الأفكار التي يريد طرحها.

وعوداً إلى مثالنا السابق... عندما تحدثنا عن الإنفاق وأن له عدة جوانب، هناك إنفاق بالمال والعلم وبالنفس حيث يوظّف ما عنده من أحاديث وأفكار وأشعار وقصص في كل جانب من جوانب الإنفاق التي ذكرها والتي ينبغي أن تكون ضمن نقاط كما أسلفنا. ثم يقول في نهاية مجلسه أن الإمام الحسين عليه السلام جسَّد كل أنواع العطاء هذه يوم عاشوراء، أنفق كل أمواله في سبيل الله، ونشر عليه السلام للناس من علمه وما ترك شيئاً من ما عنده من أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حق أهل البيت عليهم السلام إلا وأخبر الناس به.

وعندما رأى الإمام الحسين عليه السلام أن الناس لم يستفيدوا من العلم ومن الحجج الدامغة نزل عندئذٍ إلى الميدان بسيفه ليعطي نفسه الزكية فداءً لدينه.. وهكذا يعرِّج على كربلاء وآلامها.. إن على الخطيب أن يستنفر طاقات نفسه بأن يهيئ المحاضرة التي تكون حاوية للأمور المهمة والنافعة ويرصّع محاضرته بالشواهد المناسبة من النصوص والأدب والتاريخ.
 


73


ونؤكد على ضرورة أن يكون الموضوع مؤلفاً من عدة نقاط، ونعود ونذكّر بأن إيراد النقاط فيها فوائد عدة:

1- تجعل الجمهور يتابع المحاضرة مع الخطيب.
2- النقاط نفسها تعين الخطيب على التذكر.
3- ترفع حالة السأم وتشد الجمهور تجاه الخطيب.


ثمّ يتبارى الخطباء في كثرة ما عندهم من معلومات وكثرة ما عندهم من ثقافة.

إنّ خطيب المنبر الحسيني لا يمكن أن تحدَّد ثقافته بمصدر معين، كل شيء نافع هو مما يعني الخطيب بما يزوده من معلومات. فحتى إذا لم يستفد منها في وقته، فقد يأتي الوقت المناسب لذلك.

ولهذا على كل خطيب أن يكون لديه دفتر خاص يجعله معه، ويرافقه أينما يذهب ويدون فيه كل شيء، فقد تقرأ بيتاً من الشعر وأنت في الشارع، أو تقفز إلى ذهنك فكرة، فعليك تسجيلها في دفترك هذا، فهذا الدفتر يكون للخطيب نِعْمَ المُعين وهو مفيد جداً له. هذا الدفتر الجيبي مما يلازم الخطيب الناجح بل إن المطلوب من كل إنسان يسعى لأن يفيد الناس، فإن عليه أن يدوّن ويسجّل كل شيء يمكن الإستفادة منه ولو مستقبلاً؛ كما يجب عليه الإحتفاظ والاستفادة من الكتب الأدبية لحفظ النصوص والأشعار والشواهد الأدبية. وكذا يقال عن المؤلفات التاريخية والثقافية العامة.

ولا نحتاج إلى تأكيد أهمية الكتب والمصادر التي تشكل القاعدة الأساسية لثقافة كل خطيب حسيني، وهي كتب المقاتل؛ الجديدة منها


74


والقديمة. فالتي تعتبر ذات أثر كبير في الأهمية والخصوصية في ثقافة ومعلومات خطيب المنبر الحسيني لأن مادة المقاتل تعتبر الركن الأساسي الذي بني عليه المنبر الحسيني في نشوئه وكل مراحل تطوره، كما أن لكتب المقاتل من جهة والبحوث والدراسات والمؤلفات في ثورة الحسين عليه السلام من جهة أخرى أهمية كبيرة لا فقط في تهيئة (التخلص) أو (المصيبة) بل وفي صلب أبحاث المحاضرات التي تتلى في مجالس عاشوراء.
 


75