المحاضرة التاسعة: إحياء مجالس أهل البيت عليهم السلام وزيارتهم

الهدف العام
أصول العلاقة الزوجية والأسرية

المحاور الرئيسة
- تشكيل الأسرة في الإسلام
- أصول العلاقات الزوجية والأسرية
- الأصل الأول: علاقات المودّة
- الأصل الثاني: مراعاة الحقوق والواجبات
- الأصل الثالث: العلاقة الإيجابية بين الأخوة
- الأصل الرابع: التحذير من الطلاق:
- الأصل الخامس: تجنّب إثارة المشاكل والخلافات


89


تصدير الموضوع

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ1.

تشكيل الأسرة في الإسلام

الأسرة هي رابطة اجتماعية تتكوّن من زوج وزوجة وأطفالهما، يحكمها ويسيّر شؤونها نظام حقوق وواجبات. وقد تتسع لتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب على أن يكونوا في معيشة واحدة. والنكاح هو الوسيلة الوحيدة لتشكيل الأسرة، وهو الارتباط المشروع بين الرجل والمرأة، وهو طريق التناسل والحفاظ على الجنس البشري من الانقراض، وفيه يتحصّن الجنسان من جميع ألوان الاضطراب النفسي، أو الانحراف الجنسي، قال تعالى: ﴿
وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ2. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "تزوّجوا فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أحبَّ أن يتبع سنتي فإنَّ من سنتي التزويج"3

أصول العلاقات الزوجية والأسرية

تحتاج كل أسرة إلى مجموعة من الأصول التربوية والاجتماعية، كي


90


تنتظم الحقوق والواجبات، وتحافظ على تماسكها المؤثّر والفاعل في المجتمع. وهو ما يؤكّد عليه الإمام الخامنئي دام ظله إذ يقول: "إنّ الرجل المؤمن، الرجل الذي يعمل في سبيل الله، ينبغي أن تكون كل ميادين وساحات حياته إلهية. إحدى هذه الساحات هي العلاقة مع العائلة، وبالخصوص مع الزوجة والأولاد...". وهذه الأصول عديدة منها:

الأصل الأول: علاقات المودّة

لقد اعتبر القرآن الكريم أنّ هذه الرابطة يجب أن تقوم على أمتن العلاقات والقيم الإنسانية؛ من السكينة والود والحب والرحمة والاحترام، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ4. وإن الطريق إلى السكينة يحتاج إلى عمل إنسانيّ في اتّجاهين: المودّة والرحمة، فالجعل في هذه الآية هو مشيئة إلهية وعمل إنسانيّ، والتوادّ هو أن أجعل نشاطي مع الآخر محاطاً بالحبّ القاصد وجه الله، حتّى في أخصّ العلاقات بين الزوجين، حيث يتوجّهون بها إلى مرضاة الله تعالى، فيثيبهم عليها سكينة وأمناً، والتوادّ في حدود القدرة، وقد يكون أحد الزوجين أقدر من الآخر، وهنا تدخل الرحمة؛ فالأمر ليس توادًّا فحسب، وإنّما يرحم أحدنا الآخر فيما لم يقدر عليه5.
 


91


روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خيركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي"6. و"من اتّخذَ زوجة فليكرمها"7. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته"8.

وقد أوصى أهل البيت عليهم السلام المرأة بطاعة الزوج. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا صلّت المرأة خمسها وصامت شهرها وأحصنت فرجها وأطاعت بعلها فلتدخل من أيّ أبواب الجنّة شاءت"9.

وعن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام: "جهاد المرأة حسن التبعّل"10. ومن العوامل المساعدة على إدامة المودّة والحب وكسب ودّ الزوج الانفتاح على الزوج وإجابته إلى ما يريد. عن الإمام الصادق عليه السلام: "خير نسائكم التي إذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحياء وإذا لبست لبست معه درع الحياء"11.

وحدّد الإمام علي بن الحسين عليه السلام العوامل التي تعمّق المودّة والرحمة والحبّ داخل الأسرة فقال: "لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته وهي الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها، وحسن خلقه معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة


92


في عينها، وتوسعته عليها. ولا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال، وهي: صيانة نفسها عن كلِّ دنس حتّى يطمئنّ قلبه إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه وحياطته ليكون ذلك عاطفاً عليها عند زلّة تكون منها، وإظهار العشق له بالخلابة والهيئة الحسنة لها في عينه"12.

الأصل الثاني: مراعاة الحقوق والواجبات

وضعت الشريعة الإسلامية حقوقاً وواجبات على كلِّ من الزوجين. ومن أهم حقوق الزوج حقّ القيمومة. قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ...13. فالواجب على الزوجة مراعاة هذا الحقّ لأنّ الحياة الأسرية لا تسير بلا قيمومة.

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب له عن سؤال امرأة عن حقّ الزوج على المرأة: "أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تصدَّق من بيتها شيئاً إلاّ بإذنه، ولا تصوم تطوّعاً إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه.."14.

ولأهمية مراعاة هذا الحقّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تؤدّي المرأة حقّ الله عزّ وجلّ حتّى تؤدّي حقّ زوجها"15.
 


93


ووضع المنهج الإسلاميّ حقوقاً للزوجة يجب على الزوج مراعاتها.

فروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب له عن سؤال جولة بنت الأسود حول حقّ المرأة: "حقّك عليه أن يطعمك ممّا يأكل ويكسوك مما يلبس ولا يلطم ولا يصيح في وجهك"16.

ومن حقّها مداراة الزوج وحسن صحبته لها. عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لمحمد بن الحنفية: "إنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارها على كلِّ حال وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك"17.

ومن حقّ الزوجة وباقي أفراد العائلة إشباع حاجاتهم المادية. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حقُّ المرآة على زوجها أن يسدَّ جوعتها وأنْ يستر عورتها ولا يقبّح لها وجهاً فإذا فعل ذلك فقد أدّى والله حقّها"18.

الأصل الثالث: العلاقة الإيجابية بين الإخوة

أكّدت النصوص على تعويد الأطفال إقامة علاقة الاحترام والتراحم بينهم. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الأكبر من الأخوة بمنزلة الأب"19. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "حقّ كبير الأخوة على صغيرهم، حقّ الوالد على ولده"20.


94


وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا"21.

وعن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أتته أخت له من الرضاعة، فلمّا نظر إليها سرّ بها، وبسط ملحفته لها، فأجلسها عليها، ثم أقبل يحدّثها ويضحك في وجهها..."22.

الأصل الرابع: التحذير من الطلاق

وضع الإسلام منهجاً في العلاقات وإدامتها للحيلولة دون الوصول إلى قرار فصم العلاقات الزوجية، وتهديم الأسرة. فحذّر من الطلاق في مواضع مختلفة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أوصاني جبريل عليه السلام بالمرأة حتّى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة"23.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الهجران باعتباره مقدّمة للانفصال وانقطاع العلاقات فقال: "أيّما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة حُشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون في الدّرك الأسفل من النار إلاّ أن تتوب وترجع"24.

وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "ما من شيء ممّا أحلّه الله عزّ وجلّ أبغض إليه من الطلاق وإنّ الله يبغض الطلاق الذوّاق"25. وحثّ الإسلام


95


على اتّخاذ التدابير الموضوعية للحيلولة دون وقوع الطلاق، فدعا إلى توثيق روابط المودّة والمحبّة، ودعا إلى حلّ المشاكل والخلافات التي تؤدّي إلى الطلاق، فأمر بالعشرة بالمعروف. قال الله تعالى: ﴿... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا26.

الأصل الخامس: تجنّب إثارة المشاكل والخلافات

من أجل الوقاية من الخلافات والتشنّجات بين الزوجين، والتقليل من تأثيراتها النفسية والعاطفية أو تحجيمها وإنهائها، وضع الإسلام منهجاً متكاملاً إزاء الخلافات، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الرجال من أُمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحنّون عليهم ولا يظلمونهم"27.

وشجّع الإمام الباقر عليه السلام على تحمّل الإساءة، لأنّ ردّ الإساءة بالإساءة يوسّع دائرة الخلافات والتشنّجات، فقال عليه السلام: "من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة أعتق الله رقبته من النار وأوجب له الجنّة"28. وشجّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجل على الصبر على سوء أخلاق الزوجة فقال: "من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب على بلائه"29.

والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعامله مع زوجاته يخفّف الكثير من التشنّجات. وكذلك الاقتداء بسيرة أهل البيت عليهم السلام . عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "كانت لأبي عليه السلام امرأة وكانت تؤذيه فكان


96


يغفر لها"30. ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن استخدام العنف مع الزوجة فقال: "أيُّ رجل لطم امرأته لكمة أمر الله عزّ وجلّ مالك خازن النيران فيلطمه على حرّ وجهه سبعين لكمة في نار جهنّم"31.

وشجّع الإمام جعفر الصادق عليه السلام على التفاهم لتجنّب الخلافات الحادّة فقال: "خير نسائكم التي إنْ غضبت أو أغضبت قالت لزوجها: يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى عني"32.

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم الزوجة عن تكليف الزوج فوق طاقته فقال: "أيما امرأة أدخلت على زوجها في أمر النفقة وكلّفته ما لا يطيق لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً إلاّ إن تتوب وترجع وتطلب منه طاقته"33.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المنّ على الزوج فقال: "لو أنّ جميع ما في الأرض من ذهب وفضّة حملته المرأة إلى بيت زوجها ثم ضربت على رأس زوجها يوماً من الأيام. تقول: من أنت ؟ إنما المال مالي، حبط عملها ولو كانت من أعبد الناس، إلاّ إن تتوب وترجع وتعتذر إلى زوجها"34.

وحذّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مواجهة الزوجة لزوجها بالكلام اللاذع المثير لأعصابه فقال: "أيّما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل منها صرفاً ولا عدلاً ولا حسنة من عملها حتى ترضيه.."35.


97


 

هوامش

1- سورة الروم، الآية 21.
2- سورة النور، الآية 32.
3- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج 5، ص329.
4- سورة الروم، الآية 21.
5- يراجع تفسير الآية 21، من سورة الروم.
6- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران - قم، 1414هـ، ط2، ج 3، ص 443.
7- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج 1، ص 412.
8- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج 3، ص 443.
9- الطبرسي، الشيخ الحسن بن الفضل‏، مكارم الأخلاق‏، انتشارات الشريف الرضي‏، إيران - قم، 1412ه‏، ط4، ص201.
10- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج 3، ص 439.
11- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج 5، ص 324.
12- الشيخ ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسم ، مصدر سابق، ص 323.
13- سورة النساء، الآية 34.
14- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج 3، ص 438.
15- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص 250.
16- المصدر نفسه، ص 218.
17- المصدر نفسه.
18- ابن فهد الحلي، عدة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح احمد الموحدي القمي، مكتبة وجداني، إيران - قم، لا.ت، لا.ط، ص81 ـ
19- البيهقي، أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، لبنان - بيروت، 1410 - 1990م، ط1، ج6، ص210.
20- المصدر نفسه.
21- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص165.
22- المصدر نفسه، ج2، ص161.
23- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج 3، ص 440.
24- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص 202.
25- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج 6، ص 54. الذواق: السريع النكاح السريع الطلاق.
26- سورة النساء، الآية 19.
27- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص 216 - 217.
28- المصدر نفسه، ص 216.
29- المصدر نفسه، ص 213.
30- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج 3، ص 441.
31- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج 14، ص 250.
32- الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، مصدر سابق، ص 200.
33- المصدر نفسه، ص 202.
34- المصدر نفسه، ص 202.
35- المصدر نفسه، ص 214.