الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
كلمة الإمام الخامنئي في لقائه حشداً من الطلبة الجامعيّين في اليوم السادس عشر من شهر رمضانالتَّحِيَّةُ وآدابُها

العدد 1360- 16 شوال 1440 هـ - الموافق 20 حزيران 2019م
الحمزة، أسد الله وأسد رسوله

الاستفادة من الفنّ المعاصركلمة الإمام الخامنئي في لقائه جماعة من الشعراء والأدباء والمثقفين مراقباتالسابقون للحسنىسؤالُ الخيرِ من اللهِ مراقبات

العدد 1344 - 22 جمادى الآخرة 1440 هـ - الموافق 28 شباط 2019م
حرمة شرب الخمر وعواقبه

 
 

 

التصنيفات » منبر المسجد » حديث سهرة
موقع الغيب عند أصحاب المعتقدات غير الإسلامية
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم



1- الغيب في اللغة:
كلمة الغيب تعني في اللغة الغياب والبعد, في مقابل الحضور والشهادة, وهي تدل على ما غاب وبعد عن الحواس الظاهرة, فيقال غاب عن عيني بمعنى بعد ولم أعد أراه, ونحو ذلك, سواء أدركه العقل والقلب أم لم يدركه.

2- في المفهوم الديني:
لا تختلف دلالة كلمة الغيب في المفهوم الديني عنها في اللغة، إلا أن القضايا الدينية تولي المصاديق الحقيقية لمفهوم الغيب اهتماما بالغا، تبعا لأهمية الموضوع الذي تعالجه.

وتقف في هذا المجال حقيقة الذات الإلهية المقدسة في رأس الاهتمامات الدينية، لأنه تعالى محور الوجود وأساسه، الذي تتعلق به كافة الموجودات وترنو إليه، وهو تعالى يحقق لسائر الموجودات كيانها ووجودها وحقائق ذاتها.

ومن المسائل الهامة المرتبطة بعالم الغيب مسألة الآخرة والبعث والخلود، وعالم الملائكة والجن وغير ذلك من المسائل التي تحدد مصير النوع الإنساني في هذا العالم، بل تحدد مصير كل موجود وكائن.

3- في فطرة الإنسان:
مما لا شك فيه أن الإنسان مفطور على الإيمان بالغيب، ومحاولة استشرافه، والعمل على استكشافه واستحضاره، ولولا ذلك لفقدت الحياة الإنسانية معناها, وانتفى الطموح إلى حياة أفضل، والبحث عن سعادة مرجوة. وما الاكتشافات العلمية، والتطور التقني، والنظم الاجتماعية سوى مؤشرات إلى هذا الإيمان الفطري بعالم الغيب، وإن سعت بعض المدارس المادية إبعاد هذا الجانب، الحيوي في الذات الإنسانية عن الواجهة، بزعم أنه يحكي أحقابا ماضية من الحياة الإنسانية، وأنه لا يتلاءم مع حياته المعاصرة، التي لا تؤمن بالخرافات، فيما يزعمون.

4- الدين والغيب:
يشكل الاعتقاد بالغيب الركيزة الأساسية، التي يقوم عليها أي دين من الأديان، حتى الديانات الوثنية، والتي تتخذ من الأصنام أربابا لها، لا يمكنها أن تتنكر لحقيقة الغيب وواقعه، ولذلك نراهم يزعمون أن عبادتهم لهذه الأصنام عبادة للأرواح التي تحل فيها، أو تحكي عنها، من قبيل قولهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وقال تعالى، حكاية عن بعض الناس: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ*  قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ.

5- التوراة والغيب:
إن مسألة الذات الإلهية المقدسة، وعدم إمكان إدراكها بالحواس الظاهرة، وكذلك تجرد الملائكة والجن، من المسائل التي جعلت التوراة تذكرها وتتعرض لها، وانطبعت آثارها بطابع الشخصية اليهودية، فتراهم يخافون الملائكة والجن على نحو لافت.

ولكن الإيمان باليوم الآخر، وحياة ما بعد الموت، والجنة والنار، لم تتعرض لها التوراة إلا نادرا، وفي بعض النصوص المعدودة والمتأخرة جدا عن زمان موسى عليه السلام ، كسفر الجامعة.

وانعكس هذا الإجمال أو الإهمال في ذكر الآخرة، على إنكار بعضهم الاعتقاد بها، وأطلق عليهم اسم (الصدوقيون)، ولكن أكثر اليهود يعتقدون بيوم الحساب والخلود في الجنة أو في النار.

6- الإنجيل والغيب:
لقد أولى السيد المسيح عليه السلام مسألة الإيمان أهمية خاصة، بحسب نصوص الأناجيل، ويبدو أن ذلك ناشئ عن شدة ابتعاد اليهود عن هذه الاعتقادات، ومدى تعلقهم بعالم المادة، حتى أنهم أولوا مختلف النصوص التي تتحدث عن عالم الغيب تأويلات تنسجم مع ما يطمحون إليه في هذا العالم، حتى وصل بهم الأمر حدا افترضوا فيه الذات الإلهية المقدسة مجسمة على صورة الإنسان، وأطلقوا عليه اسم (يهوه) الذي ينزل إلى الأرض ويقاتل معهم، وقد أوضح القرآن الكريم هذه الحقيقة، في قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، فعمل السيد المسيح عليه السلام على إرجاعهم إلى الحق والصواب، وجاهد في سبيل إصلاح رؤيتهم وتصويب نظرتهم إلى عالم الغيب، وربطهم بحقائقه السامية.

7- الغيب عند المسلمين:
من أمور الدين الواضحة أن الدين لا يريد من الاعتقاد بالغيب مجرد أمر تجريدي، وإذعان ذهني، بل يريد أن يلامس هذا الاعتقاد واقع الحياة العملية بكل أبعادها في ذات الإنسان، وهذا ما يظهر جليا في القرآن الكريم، من خلال تأكيده على تهذيب النفس، والسير بها نحو الكمالات المرجوة، سواء على المستوى الفردي لتحصيل الاطمئنان الداخلي والمصالحة مع الذات، أم على المستوى الاجتماعي، الذي ينظم علاقة الفرد بالجماعة، أم على المستوى السياسي، الذي ينظم الجماعة في مختلف علاقاتها.

من هنا اكتسبت مسألة الاعتقاد بالغيب أهمية خاصة، جعلتها تمثل أولى الركائز التي تبنى عليها حقيقة الشخصية الإسلامية، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، لأن الإيمان يشتمل على الركون والاطمئنان والإحساس بالأمن والأمان، وعلى هذا الأساس يفرق القرآن الكريم بين الإسلام والإيمان: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ.

8- الغيب عند اليهود:
أما عند اليهود، فإنه على الرغم من أصل اعتقادهم بعالم الغيب، ولكن هذا الاعتقاد لم يرق إلى مستوى الإيمان، على نحو يكون تحركهم في هذه الحياة الدنيا انعكاسا لهذا الإيمان، وما ذلك إلا لشدة ارتباطهم بعالم المادة وسكونهم إليه، ولهذا نرى ظاهرة التمرد على القوانين الإلهية، بل على كثير من مقتضيات الفطرة الإنسانية، فترى ظاهرة الجريمة بحق الأنبياء فضلا عن سائر الناس، وكذلك ظاهرة الخداع والكذب والفتنة، والبحث عن ترف الحياة الدنيا، والركون إليها, وعزوفا عن عالم الآخرة, وإعطائها الأهمية التي تستحقها, كل ذلك يتجلى فيهم بأوضح صوره وأجلى معانيه، بل يمكن القول على العموم أن كل فساد وانحراف في هذه الأرض, وكل ضلال وباطل في الجماعة الإنسانية تجد له جذورا في الشخصية اليهودية، وقد امتلأت نصوص التلمود وبروتوكولات حكماء صهيون، إضافة إلى بعض نصوص التوراة بهذه المخازي والشرور، وما كل ذلك إلا لأنهم لم يتخذوا من الإيمان بالغيب ومراقبته في السر والعلن ركيزة وأساسا في حياتهم العملية، ولذلك يحرص اليهودي على هذه الحياة بأي ثمن ويخشى الموت ويهابه.

9- الغيب عند المسيحيين:
أما المسيحيون فعلى الرغم من أن المسيحية قد أولت مسألة الإيمان بالغيب أهمية خاصة, إلا أنهم نظروا إليها نظرة تجريدية خالصة, أدت إلى إبعاد عالم الغيب عن واقع الحياة بالمرة، كما نأوا به عن المدركات العقلية، وافترضوا أن الأمور المرتبطة بالحقائق الدينية عبارة عن أسرار لا يمكن الولوج إليها واقتحامها، ما جعلهم يفصلون الدين عن واقع الحياة فصلا تاما، واستندوا في هذا الفصل إلى مجموعة مقولات نسبت إلى السيد المسيح عليه السلام من قبيل قوله (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) وقوله (مملكتي ليست من هذا العالم), وأمثال ذلك من مقولات تبعد الدين عن جوهره وغايته.

وهكذا فقدت الأناجيل كل تأثير مباشر في هذا العالم، وصار عالم الغيب مجرد حالة اعتقادية مليئة بالأسرار والرموز، يجب على المسيحي أن يذعن لها بدون تدبر, بدعوى أن العقل عاجز عن ادراكها, والتفاعل معها إلا بالتسليم والاذعان.

وهذا ما أدى في المحصلة النهائية أن يلجأ المسيحيون إلى اعتماد القوانين الوضعية في تنظيم حياتهم، وإبعاد كل ما له علاقة بالدين عن واقع الحياة، فسقطوا في ازدواجية خانقة، على المستوى الذاتي، والاجتماعي، والسياسي، والإداري، والاقتصادي وغيرها من المستويات.

ومع التطورات اللاحقة، وتطاول المدة للديانة المسيحية، عاد الإيمان بالغيب، ليكتسي ثوب المحسوس من جديد، فظهرت معالم التجسيد، ومقاربة الغيب من خلال المحسوسات, ما جعله أسيرا لها عبر دعوى أن الذات الإلهية المقدسة قد حلت بشخص السيد المسيح عليه السلام ، وشيئا فشيئا ابتعد الغيب حتى في بعده التجريدي، عن ذهن المسيحي فلجأ تارة إلى تقديس الصليب، وانتشر ما يسمى بالأيقونات المقدسة, الأمر الذي أدى إلى انكفاء الغيب إلى عالم المحسوسات, من دون أن ينعكس إيجابا في واقع الحياة العملية عند المسيحي.

ومما أكد على حالة الانفصام والانفصال بين عالم الغيب وعالم المحسوس, مجموعة من النصوص الواردة في الإنجيل, على لسان السيد المسيح عليه السلام , والمخالفة للفطرة, والفاقدة لإمكانية التطبيق العملي, من قبيل قوله (لا تقاوم الشر, بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أبضا, ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا, ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين), وأمثال ذلك من وصايا لا يمكن أن تجد لها سبيلا إلى التطبيق, ولهذا لم يحدث التاريخ عن أحد من أقطاب المسيحية التزم بمضمون هذه الوصايا, سواء من رجال الكنيسة أو غيرهم.

وهكذا فقد الاعتقاد بالغيب أثره وفعاليته في حياة غير المسلمين العملية, من أتباع الديانات السماوية, فضلا عن الديانات الأرضية, وأفرغ من محتواه الواقعي.

* سماحة الشيخ حاتم اسماعيل


1- سورة الزمر, آية: 3
2- سورة سبأ، آية: 40- 41
3- سورة الأعراف، آية: 138.
4- سورة البقرة، آية: 2- 3

15-03-2012 | 06-38 د | 1904 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net