الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1372 - 12 محرم 1441هـ - الموافق 12 أيلول 2019م
أثر التوحيد في مواجهة البلاء

نُفوسٌ أبِيَّةالإنكفاء عن التبليغ بسبب الدراسةمراقبات

العدد 1371 - 05 محرم 1441هـ - الموافق 05 أيلول 2019م
اجتناب النزعة الدّنيويّة، درس من دروس عاشوراء

التحجّرمراقباتعرفان عاشوراءسؤالُ الخيرِ من اللهِ مراقبات

 
 

 

التصنيفات » منبر المسجد » حديث سهرة
عقل الإنسان
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم


مما يدعو إلى أشد العجب انه في أنواع الحياة الحيوانية التي لا تحصى – سواء أبقيت الحيوانات ام انقرضت – لسنا نجد عندها أي مظهر للعقل، ولكنا نجد الغرائز وحدها حتى نصل إلى الانسان، فنراه قد استأثر بالعقل وحده.

إن أي حيوان لم يسجل لنفسه قدرة على تربيع حجر، أو العد لغاية عشرة، أو فهم معنى عشرة!

في خليج الخلق، قد اتيح لكثير من المخلوقات ان تبدى درجة عالية من أشكال الغرائز أو الذكاء أو ما لا ندري. فالزنبور مثلا يصيد الجندب (النطاط) ويحفر حفرة في الأرض، ويحز الجندب في المكان المناسب تماما حتى يفقد وعيه، ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ. وانثى (الزنبور) تضع بيضا في المكان المناسب بالضبط، ولعلها لا تدري أن صغارها حين تفقس يمكنها ان تتغذى دون ان تقتل الحشرة التي هي غذاؤها فيكون ذلك خطرا على وجودها، ولابد أن (الزنبور) قد فعل ذلك من البداية وكرره دائما، وإلا لما بقيت زنابير على وجه الأرض. والعلم لا يجد تفسيرا لهذه الظاهرة الخفية، ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة!

إن أنثى (الزنبور) تغطي حفرة في الأرض، وترحل فرحا، ثم تموت. فلا هي ولا أسلافها قد فكرن في هذه العملية، ولا هي تعلم ماذا يحدث لصغارها، أو ان هناك شيئا يسمى صغارا.. بل إنها لا تدري انها عاشت وعملت لحفظ نوعها.

والنحل والنمل يبدو انها تدرك كيف تنظم وتحكم نفسها، فلها جنودها، وعمالها، وعبيدها، ويعاسيبها. ولكنك إذا التقطت قطعة كهرمان على شاطئ البلطيق، فقد تجد فيها نملة محبوسة منذ دهور لا تعد. وستجدها نسخة طبق الاصل من النمل الموجود الان. فهل وقف التطور عن سيره حين طوبق بين النملة وبيئتها في الطبيعة؟ وهل كان ذهن النملة الصغيرة اداة أشد ضلالة من أن تضطلع بغرض أكبر، لا شك ان النملة بوصفها اصبحت حشرة اجتماعية، قد تعلمت الكثير، ويبدو انها تطبق النظرية العجيبة القائلة (أعظم خير لأكثر عدد)، وانها تظل بها إلى نهايتها المنطقية، كما فعل بعض أهالى الهند الشرقية من الجيل الأخير.

وفي بعض أنواع النمل، يأتي العمال منه بحبوب صغيرة لإطعام غيرها من النمل خلال فصل الشتاء. وينشئ النمل ما هو معروف (بمخزن الطحن)، وفيه يقوم النمل الذي أوتي أفكاكا كبيرة معدة للطحن، بإعداد الطعام للمستعمرة، وهذا هو شاغلها الوحيد. وحين يأتي الخريف، وتكون الحبوب كلها قد طحنت، فان (أعظم خير لأكبر عدد) يتطلب حفظ تلك المؤونة من الطعام، وما دام الجيل الجديد سينتظم كثيرا من النمل الطحان، فان جنود النمل سقتل النمل الطاحن الموجود، ولعلها ترضى ضميرها الحشري بان ذلك النمل قد نال جزاءه الكافي إذا كانت له الفرصة الاولى في الافادة من الغذاء أثناء طحنه.

وهناك انواع من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير (واختر منها ما يحلو لك)، إلى زرع أعشاش للطعام فيما يمكن تسميتة (بحدائق الأعشاش) وتصيد أنواعا معينة من الدود والأرق أو اليرق. فهذه المخلوقات هي بقر النمل وعنزاتها، ومنها ياخذ النمل افرازات معينة تشبه العسل ليكون طعاماً لها.

والنمل يأسر طوائف منه ويسترقها. وبعض النمل حين يصنع أعشاشه، يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب، وبينما يضع بعض عملة النمل الاطراف في مكانها، تستخدم صغارها – التي وهي في الطور اليرقي تقدر ان تعزل الحرير – لحياكتها معا. وربما حرم طفل النمل فرصة عمل شرنقة لنفسه ولكنه قد خدم الجماعة.

فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة، ان تقوم بهذه العمليات المعقدة؟

لا شك ان هناك خالقا أرشدها إلى كل ذلك.

إن الإنسان وحده هو الذي أوتي عقلا بلغ من التطور انه يستطيع ان يفكر به تفكيراً عاليا. والغريزة ليست إلا كنغمة واحدة من الناي. نغمة جميلة ولكنها محدودة. في حين ان العقل البشري يحتوي كل الانغام التي لكل الآلات الموسيقية في أوركسترا. والإنسان يمكنه ان يوفق بين تلك الأنغام جميعها، وان يقدم للعالم قطعا موسيقية متحدة النغم (سيمفونيات) تدنو من الاعجاز. إلا أن في خلق الانسان، لم تخرج العناية الالهية كائنا حيا من بين الصخور الفطرية، وله عقل مرن كعقل الانسان. والآن يمكننا أن نتصور إمكان تلقي الإنسان قبسا من نور الله يجعله سيداً على الأرض، عجيبا في مقدرته، باقيا في مصيره.

إن التطور لابد له، طبقا لكل قانون من قوانين الطبيعة، والكيميا، من ان يقصر اقصى حدوده على أكثر ما يمكن من المطابقة البيئية. يقال ان جمال ريش أحد الطيور انما هو اظهار للجاذبية الجنسية، وبذا يمكن تفسيره، ولكن الرسم الجميل ليس ضرورياً لوجود الانسان، وان تكن المرأة الجميلة لازمة لهذا الوجود.. ان المادة، كالذرات والصخور والماء، قد تتحد، واذا نفخت فيها الحياة، فقد تتطور إلى انسان. ولكن ايمكن لهذه العناصر، بعد إذ أتمت المطابقة الكاملة للبيئة الطبيعية، ان تقطع مرحلة اخرى، وتنتج رجلا موسيقيا يستطيع ان يكتب الأنغام الموسيقية (النوتات) على الورق، ويسجل تناسقها البديع، ويصنع بيانو، ويخلب ألباب الجمهور المستمع، ويدع موسيقاه تسجل على أقراص من البلاستيك، وتذاع حول العالم عن طريق وسيط يسمى (الأثير) ولا تعرف الذرات شيئا عنه سوى انها توجد فيه أو بوساطته؟

ان بعض أنواع الحيوانات تتعاون في جهودها، فهي لاتصطاد إلا في جماعات، وهي تجمع غذاءها وتخزنه للمستقبل، وهي تضاعف جهودها الفردية بطرق شتى بفضل العمل المشترك، ولكنها لا يبدو انها تخطو خطوة واحدة بعد ذلك.

أما الإنسان فانه من جهة أخرى قد شيد الاهرام بمضاعفة القوة الفردية، ولكنه كذلك اكتشف الرافعة والطنبور، والعجلة، والنار. وقد جعل حيوانات الحمل مستأنسة، وأضاف إليها عجلته، وبذا أطال في ساقيه، وقوى من ظهره. وقد تغلب على قوة سقوط الماء، وتحكم في البخار والغاز، والكهربا، وحوّل العمل اليدوي إلى مجرد السيطرة على الأجهزة الميكانيكية التي هي من مستحدثات عقله. وهو في انتقاله من مكان إلى مكان، قد فاق الظبي في سرعته، وحين ركب اجنحة لعربته، قد سبق الطيور في طيرانها، فهل حدث ذلك كله عن طريق تفاعل في المادة وقع مصادفة؟

والجمال يبدو ملازماً للطبيعة، وجمال السحب، وقوس قزح، والسماء الزرقاء، والبهجة الرائعة التي تملأ نفس الناظر إلى النجوم، والى القمر في طلوعه، والشمس في غروبها، والى روعة الظهر الفائقة، كل ذلك يهز مشاعر الإنسان ويسحره.

وتحت الميكروسكوب تجد أصغر حيوان وأدق زهرة، تزينها خطوط من الجمال محكمة الصنع.

والخطوط البلورية التي للعناصر والمركبات، من ندفة الثلج إلى الاشكال الأصغر منها، إلى ما لا نهاية، هي مصادفة لدرجة مدهشة، حتى ان الفنان ليس بوسعه إلا ان يقلدها أو يجمعها معا.

وكل ورقة من أوراق كل شجرة سليمة مشكلة في أكمل شكل، وتخطيط كل نبات يعمل بصفة فردية، وبخطوط فن أصيل، والازهار مشكلة برشاقة وبتنظيمات كاملة، وتخطيطها وفق تصميمات صحيحة، وألوانها موزعة بشكل مدهش، ومن النادر، ان لم يكن من المحال، ان تختلط معاً.

والحيوان الكامل هو شيء جميل، وحركاته مملوءة بالسهولة والرشاقة. وحينما تطور مخلوق عن طريق المطابقة الضرورية البيئية، وبدا غير متناسب الشكل، فانه يبدو فريدا في نوعه حتى ليحسبه الناظر اليه تعبيرا فنيا عن احدى المضاحك.

ان الوادي الاخضر، والنهر والاشجار الباسقة، والصخور، والجبال التي يجلل قممها الثلج – كل أولاء تحدث في النفس اثرا عميقاً. وان الإنسان ليستمد البهجة من رؤية كثبان الرمال الفسيحة الممتدة في الصحراء.

وان التتابع الفاخر لأمواج المحيط، وتلاطمها على أرض الشاطئ، وتحليق الطيور في الجو. سواء فوق البحر أو على طول الشاطئ أو في الغابة مع ألوانها المكيفة، كل ذلك يتحدى من له عين يرى بها، وعقل يقدّر به.

وان حركات السمك، وتموجات حشائش البحر في نعومة تحت سطحه، لتملأ نفس الإنسان بشعور من الإنسجام يستجيب إلى تشوقه.

والطبيعة إذا لم تنلها يد التشويه، تبدو كأنها أعدت لكي تستدر اسمى الشعور في نفوسنا، وتلهمنا الاعجاب بصنع الخالق الذي وهبنا نعمة الجمال، تلك التي لا يدركها بكل كمالها غير الانسان! والجمال هو الذي يرفع الإنسان وحده إلى مرتبة يكون فيها أقرب إلى الله.

ويبدو ان (الغاية) جوهرية في جميع الأشياء، من القوانين التي تحكم الكون، إلى تركيبات الذرة التي تدهم حياتنا، واذا لم يكن في التطور من غرض سوى اعداد أساس مادي لتلقي الروح، فان هذه غاية مدهشة في حد ذاتها.

واذا كانت حقيقة الغاية مقبولة بالنسبة لكل الاشياء، واذا آمنا بان الإنسان هو أهم مظهر لتلك الغاية، فان الاعتقاد العلمي بأن جسم الإنسان وجهاز مخه ماديان، قد يكون سليما. فان الذرات والهباءات في المخلوقات الحية تفعل افعالا مدهشة، وتبني اجهزة عجيبة، ولكن هذه الأدوات عديمة النفع ما لم يحركها العقل بحركات ذات غرض. فهناك اذن خالق للكون لا يرقى اليه تفسير العلم، ولا يقدر ان ينسبه إلى المادة.


* كريسي موريسون-العلم يدعو للإيمان

24-04-2012 | 07-08 د | 1073 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net