الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1373 - 19 محرم 1441هـ - الموافق 19 أيلول 2019م
رضا الله، الغايةُ الأسمى

التعلل بالإمكاناتمراقباتالدُّعاء قُرآنٌ صَاعِدنُفوسٌ أبِيَّةمراقباتمراقباتعرفان عاشوراءسؤالُ الخيرِ من اللهِ مراقبات

 
 

 

التصنيفات » منبر المسجد » أخبار ومناسبات
الغنى الذاتي والإمكان الفقري
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

                                                           بسم الله الرحمن الرحيم
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ* إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ *  وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ1.

تقول الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. فيا له من حديث مهم وقيم ذلك الذي يوضح موقعنا في عالم الوجود من خالق الوجود، ويكشف الكثير من الغموض، ويجيب على الكثير من الأسئلة. نعم، فالقائم بذاته غير محتاج لسواه، واحد أحد، وهو الله تعالى، وكل البشر بل كل الموجودات محتاجة إليه في جميع شؤونها وفقيرة إليه ومرتبطة بذلك الوجود المستقل بحيث لو قطع ارتباطها به لحظة واحدة لأصبحت عدماً في عدم، فكما أنه غير محتاج مطلقا، فإن البشر يمثلون الفقر المطلق، وكما أنه قائم بذاته، فالمخلوقات كلها قائمة به تعالى، لأنه وجود لا متناهي من كل ناحية، وواجب الوجود في الذات والصفات.

ومع حال كهذه، ما حاجته تعالى لعبادتنا؟! فنحن المحتاجون والفقراء إلى الله ونسلك سبيل تكاملنا عن طريق عبادته وطاعته، ونقترب بذلك من مصدر الفيض اللامتناهي، ونغترف من أنوار ذاته وصفاته. وفي الحقيقة فإن هذه الآية توضيح للآيات السابقة حيث يقول تعالى: ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير.

وعليه فإن البشر محتاجون له لا لسواه، لذا فيجب عليهم أن لا يطأطئوا رؤوسهم لغيره تعالى، وأن لا يطلبوا حاجاتهم إلا منه تبارك اسمه، لأن ما سوى الله محتاج إلى الله كحاجتهم إليه، وحتى أن تعظيم أنبياء الله وقادة الحق إنما هو لأنهم رسله تعالى وممثلوه، لا لذواتهم مستقلة. وعليه فهو "غني" كما أنه "حميد"، أي إنه في عين استغنائه عن كل أحد، فهو رحيم وعطوف وأهل بكل حمد وشكر، وفي عين انه أرحم الراحمين، فهو غير محتاج لأحد مطلقا.
والالتفات إلى هذه الحقيقة له أثران إيجابيان على المؤمنين، فهي تستنزلهم من مركب الغرور والأنانية والطغيان من جانب، وتنبههم إلى أنهم لا يملكون شيئا من أنفسهم يستقلون به، وأنهم مؤتمنون على كل ما في أيديهم من جانب آخر، لكي لا يمدوا يد الحاجة إلى غيره، ولا يضعوا طوق العبودية لغير الله في أعناقهم، وأن يتحرروا من كل تعلق آخر، ويعتمدوا على همتهم، وبهذه النظرة الشمولية يرى المؤمنون أن كل موجود في هذا العالم إنما هو من أشعة وجوده تعالى، وأن لا ينشغلوا عن (مسبب الأسباب) بالأسباب ذاتها.

جمع من الفلاسفة عدوا هذه الآية إشارة إلى البرهان المعروف "الإمكان والفقر" أو "الإمكان والوجوب" لإثبات واجب الوجود، مع أن الآية ليست في مقام بيان الاستدلال على إثبات وجود الله، بل إنها شرح لصفاته تعالى، ولكن يمكن اعتبار البرهان المذكور من لوازم مفاد هذه الآية.

وفيما يتعلق ببرهان الإمكان والوجوب "الفقر والغنى" فمفاده: أن جميع الموجودات التي نراها في هذا العالم كانت كلها ذات يوم "عدما"، ثم اكتست بلباس الوجود، أو بتعبير أدق: كان يوم لم تكن شيئا فيه، ثم صارت وجودا، وهذا بحد ذاته دليل على أنها معلولة في وجودها لوجود آخر، وليس لها وجود من ذاتها. ونعلم بأن أي وجود معلول، مرتبط وقائم بعلته وكله احتياج، وإذا كانت تلك (العلة) أيضا معلولة لعلة أخرى فإنها بدورها ستكون محتاجة، ولو تسلسل هذا الأمر إلى ما لا نهاية فسوف تكون الحصيلة مجموعة من الموجودات المحتاجة الفقيرة، وبديهي أن مجموعة كهذه لن يكون لها وجود أبداً، لأن منتهى الاحتياج احتياج، ومنتهى الفقر فقر، وما لا نهاية له من الأصفار لا يمكن أن يحصل منه أي عدد، كما أنه مما لا نهاية له من المرتبطات بغيرها لا تنتج أي حالة استقلال. من هنا نستنتج أننا في النهاية يجب أن نصل إلى وجود قائم بذاته، ومستقل من جميع النواحي، وهو علة لا معلول، وهو واجب الوجود.

هنا يثار السؤال التالي: لماذا تتعرض الآية أعلاه للإنسان وحاجته إلى الله فقط؟ بينما جميع الموجودات تشترك في هذا الفقر؟
والجواب:
إذا كان الإنسان -الذي يعتبر سيد المخلوقات- غارقا في الحاجة والفقر إلى الله، فإن حال بقية الموجودات واضحة، وبتعبير آخر فإن بقية الموجودات تشترك مع الإنسان في الفقر الذي هو "إمكان الوجود". وتخصيص الحديث في الإنسان إنما هو لأجل كبح جماح غروره، وإلفات نظره إلى حاجته إلى الله في كل حال، وفي كل شئ وكل مكان، ليكون ذلك أساس الصفات الحسنة والفضائل والملكات الأخلاقية، ذلك الالتفات الذي يؤدي إلى التواضع وترك الظلم والغرور والكبر والعصبية والبخل والحرص والحسد، ويبعث على التواضع أمام الحق. ولتأكيد هذا الفقر والحاجة في الإنسان يقول تعالى في الآية التالية: إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد.

وعليه فهو سبحانه وتعالى ليس بحاجة إليكم أو إلى عبادتكم، وإنما أنتم الفقراء إليه. وهذه الآية شبيهة بما ورد في الآية (133) من سورة الأنعام حيث يقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ. فهو تعالى ليس محتاجا لطاعتكم ولا خائفا من معصيتكم، وفي نفس الوقت فإن رحمته الواسعة تشملكم جميعا، ولا ينقص من عظمته شيئا ذهاب العالم بأسره، كما أن خلق هذا العالم لا يضيف إلى مقام كبريائه شيئا. وفي الآية الثالثة أيضا يعود التأكيد مرة ثانية فيقول تعالى: وما ذلك على الله بعزيز.. نعم، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وهذا يصدق على جميع عالم الوجود. على كل حال، فإنه تعالى إذا أمركم بالإيمان والطاعة والعبادة فإنما ذلك لأجلكم أنتم، وكل ما ينشأ عن ذلك من فائدة أو بركة إنما يعود عليكم.

الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - بتصرّف


1-فاطر: 15/17.

10-05-2013 | 12-31 د | 850 قراءة

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net