الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1351 - 12 شعبان 1440 هـ - الموافق 18 نيسان 2019م
الإمام المهديّ (ع) أمل المستضعفين

إنْتِظارُ الفَرَجمراقباتعدم الانسياق وراء رغبات المخاطبين

العدد 1350 - 05 شعبان 1440 هـ - الموافق 11 نيسان 2019م
الدعاء سلاح المؤمن

المناجاة الشعبانيّة نموذج تامّ للتضرّعمراقباتكلمة الإمام الخامنئي بمناسبة ذكرى المبعث النبوي الشريف قَضاءُ الحَوائِج

العدد 1344 - 22 جمادى الآخرة 1440 هـ - الموافق 28 شباط 2019م
حرمة شرب الخمر وعواقبه

 
 

 

التصنيفات » فكر معاصر
الحرية والإرادة بين الإسلام والفلسفة الوجودية
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في المقالة السابقة أن الحرية متلازمة مع الاختيار، فكما لا اختيار بدون حرية، كذلك لا حرية بلا اختيار، وهذا يدعونا إلى البحث عن حقيقة الاختيار ومنشئه وحدوده.
 
حقيقة الاختيار:

من الواضح أن مفردة الاختيار تستبطن مجموعة من الاحتمالات والبدائل، التي يمكن للمرء أن يقوم بأحدها على نحو البدل، والا فلو لم يكن في البين احتمالات وبدائل يمكنه فعلها والقيام بها، او كان مضطرا الى فعل واحد منها بعينه، لسبب او لآخر، لم يكن للاختيار أي معنى.

ان القدرة على فعل احد البدائل تحتاج، لا محالة، لتصير فعلا واقعيا متحققا في الخارج، الى توجه وعزم على فعله، ومبادرة إلى تحقيقه، دون إكراه أو إجبار، وهو ما يعبر عنه بالإرادة.

وبحسب طريقة تعامل المرء مع هذه المشكلة يتحدد مدى إنسانيته، بمعنى اننا تارة نفترض ان فعله لأحد البدائل ناشئ، عن إرادة عفوية وغير واعية تدفعه الى فعله، بل ينطلق إليه بإرادة جزافية وعبثية.

واخرى نفترضه قد اندفع اليه، متأثرا بادراكه مصلحة او منفعة تكمن وراء هذا الفعل او ذاك، هي التي جعلته يريده او يتوجه اليه دون ما عداه من بدائل واحتمالات.

وفي هذه الحالة تارة تكون البدائل الأخرى، التي تركها وأعرض عنها، مشتملة على مقدار من المصلحة والمنفعة، وأخرى تكون فاقدة لها أصلا.

ولا شبهة في انه يجب عليه هجرانها في هذه الحالة، أعني حالة فقدانه للمصلحة والمنفعة، أو اشتماله على مفسدة أو مضرة، والا كان ملاما ومحتقرا، لأنه لو لم يهجرها حينئذ، جلب إلى نفسه المضرة والأذى وسوء العاقبة.

وأما في الحالة الأولى، وهي حالة اشتمال سائر الاحتمالات على مقدار من المصلحة، فلا بد من ملاحظة هذه المصالح والموازنة بينها على نحو يقدم المرء على أكثرها مصلحة ونفعا.

فإذا تمتع المرء بهذه الصفات، وسلك وفقا لاختيار الأصلح له ولمجتمعه سمي حكيما، فالحكيم هو الذي يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها، وهذا أحد الغايات المهمة لبعثة الأنبياء عليهم السلام، في تحصين إنسانية الإنسان، والسعي به نحو الكمالات المنشودة بنظر الإسلام (ويعلمهم الكتاب والحكمة).

ومعنى كل ما تقدم، ان فعل الاختيار لا بد وأن يصدر عن إرادة حرة وواعية، وهذا ما يميز الانسان عما عداه من موجودات حية، لأنه انما يتحرك طبقا لما يحكم به عقله، ووعيه بما يدور حوله، وقدرته على تشخيص ما يصلحه وما يفسده، ولو على نحو الإجمال والعموم، وان قلنا بأنه غير قادر على إدراك او تشخيص تفاصيل هذه المصالح والمفاسد، الا بعد جهد جهيد، ومدة مديدة.

وهكذا يظهر انه لا يمكن الفصل بين الحرية والإرادة، وقال به سائر الفلاسفة المسلمين، وكانط من الفلاسفة الغربيين حيث ذهب الى انه لا إرادة بدون حرية،كما انه لا حرية بدون ارادة. وان حاول علماء النفس في القرن العشرين التفريق بينهما، حيث جعلوا مفهوم الإرادة مفهوما نفسانيا يدرس في مجالات علم النفس، بخلاف مفهوم الحرية الذي أبقوه ضمن المسائل الميتافيزيقية او السياسية1.

وهذا ما يظهر زيف مقولة الفلاسفة الوجوديين، الذين افترضوا ان المذاهب العقلية تنسج نظرياتها بدون إرادة الإنسان، كما افترضوا ان العقليين يبحثون بعيدا عن العواطف التي تحكم أفعال الإنسان وتحركاته، وعنها تصدر آراؤه وتصوراته في الوجود، وسيطرت رؤيتهم على عامة الغربيين، لمحاكاتهم غرائزهم وعواطفهم التي لم تتأمل في النظام الاجتماعي العام.

وخلص الوجوديون الى ان حرية الانسان تعني فعله لكل ما تناله يده، ويشبع به غرائزه، على نحو جعلوا من الآخر جحيما للمرء، على حد تعبير سارتر، لأنه يحدد حريته وسلوكه، فكانوا في قمة الممثلين للاتجاه الأول في فعل الاختيار، اعني الصادر عن ارادة غير واعية او عاقلة.
 
الحرية والفوضى:

وهكذا تفضي مفردة الحرية في المفهوم الغربي، وفي مختلف مذاهبها الفكرية، الى حالة من القلق والاضطراب النفسي والذي ينعكس لا محالة على الحالة الاجتماعية العامة، لما تشتمل عليه النفس الإنسانية من بعد عاطفي، وأهواء غرائزية، الأمر الذي يؤدي الى استفحال الأزمات في آفاق النفس البشرية.

ان آمال النفس الإنسانية وأحلامها لا تقف عند حد، ولا يقيدها قيد، ولذا فإن تحكم العواطف والغرائز بالنفس، وتوجيهها باتجاه هذه الغرائز وتلك العواطف، يؤدي بالضرورة الى ضعف الإحساس بالمسؤولية، تجاه ما يواجهه من مخاطر، سواء على المستوى الفردي، أو الاجتماعي أو الطبيعي، أو السياسي ام على غيرها من المستويات، التي تواجهه، أو تقف حائلة في طريق طموحاته، وهذا ما يفضي بالضرورة إلى ثقافة الفوضى، وشريعة الغاب، وعدالة الذئاب، لأن همه الأول والأخير سينصب، والحالة هذه، على السيطرة والتسلط، واشباع الرغبات والغرائز، بأية وسيلة كانت دون مراعاة جانب الآخرين.

وهذا ما يظهر جليا في استقراء حياة الإنسان في الغرب على العموم، بعدما أهمل الضوابط العقلية والنفسية التي تعدّل المزاج وتقوّم السلوك، حتى وصل الأمر بالمفكر الأمريكي (رينيه دوبو) أن يهاجم الحضارة الغربية، رغم ما حققته من تقدم وتطور هائلين، على مستوى التكنولوجيا والعلوم الطبيعية، وخلص إلى نتيجة حاسمة، وهي أنها أخرجت الإنسان عن طور الإنسانية.

الحرية المسؤولة:

في مقابل ذلك، نلاحظ أن الإسلام قد تعامل مع مفهوم الحرية بوعي وحكمة ومسؤولية، ذلك أنه فصل بين الحرية بمعنى إطلاق العنان للغرائز والأهواء، وبين الحرية الهادفة التي تدفع المرء الى اختيار الحسن والخير، ومقت القبيح والشر، انسجاما مع فطرته وجبلته، دون ان يتدخل الشارع المقدس لقهره عن اختيار أحدهما بالجبر والإكراه، قال تعالى: ﴿انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا2، وهو ان أحسن الاختيار وصل الى شاطئ الأمان والسعادة الابدية، وبذلك ﴿يضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم3.

وهكذا اعتبر الإسلام أن الحرية بالمعنى الأول ضلال وعمى وبعد عن جادة الصواب، التي إن سلكها فاق الملائكة سموا، وكان إنسانا كاملا يستحق الخلافة الإلهية، تصديقا لقوله تعالى: ﴿اني جاعل في الأرض خليفة4، أما إذا انحرف عنها، وحكم أهواءه، خرج من الحرية الواقعية، وكان عبدا لهواه، ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون5، فألحق هذا القسم من الناس بالحيوانات بل أدنى منها ﴿ان هم الا  كالأنعام بل أضل سبيلا6، ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون7، ذلك أنهم أساءوا استخدام مساحة الحرية الممنوحة لهم من قبله تعالى، فأوصلهم سوء اختيارهم الى حافة الهاوية، وسوء العاقبة، لتسليمهم زمام أمرهم إلى أهوائهم، واستسلامهم الى غرائزهم.

بينما اعتبر المعنى الثاني، اعني الحرية العاقلة والمسؤولة، التي إن أحسن المرء استخدامها في مسيرته التكاملية وعلى المستويات كافة، اعتبره منقذا له، يخلصه ويهديه السبيل السوي فينتظم امر معاشه، ويضمن الفوز في معاده، دون أن يخرج كل ذلك عن إرادته واختياره، ﴿ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم8.

* سماحة الشيخ حاتم إسماعيل

1- رحلات داخل الفلسفة الغربية ص64
2- سورة الإنسان آية: 3
3- سورة الاعراف آية: 156
4- سورة البقرة آية: 30
5- سورة الجاثية آية: 23
6- سورة الفرقان آية: 44
7- سورة الأعراف آية: 179
8- سورة الرعد آية: 11

12-03-2014 | 11-59 د | 1277 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net