الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1291 - 05 جمادى الثانية 1439هـ - الموافق 22 شباط 2018م
احذر فتنة المال

الشّهادة، الضّمان لانتصار الإسلامخصائص المبلّغ (20) الكرامةكلمة سماحة الإمام الخامنئي لدى لقائه قادة ومنتسبي القوّة الجويّةذِكْــرُ اللهمراقباتمراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

التصنيفات » روضة المبلغين
هجرة وأفول الحضارات في القرآن - علي أكبر ذاكري *
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الهجرة تعني حركة مجموعة من الناس من مكان إلى مكان ومن أرض إلى أخرى.الهجرة إمّا أن تكون آفاقية أو أنفسية.

الهجرة الأنفسيّة: هي الهجرة الداخلية، هي الهجرة من المعصية وتركها والحركة نحو الصلاح. الهجرة من مصائد الشيطان والحركة نحو الحرمان.

المهاجر في الروايات هو الشخص الذي هاجر المعاصي وتركها.

الهجرة الآفاقية: هي الهجرة من مدينة إلى مدينة أخرى ومن ديار إلى ديار أخرى. الهجرة من قوم والالتحاق بقوم آخرين.

يعتقد الكثيرون أنّ الحضارات قد وُجدت في العديد من الأماكن بعد هجرة الأمم والشعوب من مكان إلى آخر. وقد وُجدت الحضارة الإيرانية بعد هجرة الآريين إلى إيران. وأمّا سبب هذا التحوّل فهو أنّ التلاؤم مع بيئة الحياة الجديدة، يحتاج إلى مزيد من الجهود والعمل والحركة ما يجعل رؤية الإنسان أعمق فينظر إلى الأمور بدقّة ويخرج من عالم الظلمات والجهل.

ومن هنا، أهتم الإسلام بالهجرة لأجل العلم والتجربة، وشجع أتباعه على المهاجرة. لقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أتباعه قائلاً: "اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة علي كل مسلم"1.

يقول العديد من أصحاب الرأي والدقّة في الحديث المتقدّم: ابحث عن العلم حتّى لو كان في المدن والأراضي البعيدة.

وذكر آخرون معنى آخر لهذا الحديث: لم يطرح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسألة بُعْد الطريق فقط، بل كان يريد الصين أيضاً, لأنّ الصين في تلك الفترة كانت صاحبة حضارة متقدّمة. لذلك أراد الهجرة إلى الصين للحصول على العلوم.

إنّ التوصية بالسفر وتَعَلّم العلوم يأتيان في إطار اتساع الرؤية الكونية.لقد كانت إبداعات العلماء والنوابغ والكثير من المفكّرين المسلمين، بعد الهجرة العلمية وهناك من العلماء من كانت هذه سيرته أمثال "أبي علي ابن سينا"، و "أبي ريحان البيروني"، ومولوي وسعدي وناصر خسرو و... فوصلوا إلى مراحل الكمال والشهرة.

العلم في صدر العالِم كالنهر الجاري الذي يتحرّك باستمرار ولا يتوقّف عن ذلك إذا لم تعطَ معرفة وعلوم العالم حَقّها في المدينة والأرض الموجود فيها، فإنّ علومه ومعارفه تحركه لترك تلك الديار والانتقال إلى مكان آخر يكون فيه معرفة بقدر وأهمية هذه العلوم. وتظهر علوم العلماء عندما يجلس محبو العلم على مسند السلطة فيعملون على تقويتها ويهيّئون الأرضية الاجتماعية لاكتساب العلم والميل نحوه. أمّا هجرة الحضارات في هذا المقال فهي التي تقابل موت الحضارات.

نعتقد أنّ الحضارات لا تموت، بل إذا فقد شعب في مكان ما، الخصائص الضرورية واللياقة اللازمة لارتقاء الحضارات، عند ذلك تظهر هذه الحضارات في مكان آخر.

بناءً على هذه الرؤية قد تزول أمّة أو قوم أصحاب حضارة، إلّا أنّ حضاراتهم تنتقل إلى مكان آخر, لأنّ روح الحضارة باقية، وهذه الروح هي التي تتنقَّل من مكان إلى آخر حيث تغادر هذه الروح بدن الحضارة الذي تعرّض للموت، وتنتقل إلى بدن يمتلك الأرضيّة لنموّها. يعتقد الكثيرون أنّ الثقافة هي روح الحضارة وباطنها، ويعتبرون أنّ الثقافة التي تصنع الحضارة تنتقل إلى مكان آخر بعد موت الحضارة التي صنعتها حيث تشرع في التأسيس لبناء جديد.

إنّ هذا الكلام هو من جملة المقولات المهمّة في بحث الحضارة والثقافة ولتوضيح الموضوع نقسم البحث إلى ثلاثة محاور:

1- معنى الحضارة والثقافة وارتباطهما ببعضهما: لتتضح ماهية الشيء الذي يهاجر من الحضارة التي زال بناتها أو اتجهت نحو الضعف.

2 - معنى الهجرة ورأي القرآن حول هجرة الحضارات، فهل يوافق القرآن الكريم على مقولة موت الحضارات أو هجرتها؟

3 - أفول الحضارات من وجهة نظر القرآن.

أمّا أهمية البحث فهي أننا سنحصل على معرفة أكبر حول مستقبل الحضارات الحاكمة على العالم فنعرف هل اقتربت هذه الحضارة من الأفول، أم أنها ما زالت تتحرّك في الاتجاه الصعودي.

اقُتبست كلمة الحضارة(تمدن) من المَدَن والمدينة،2 وهي تعني اختيار المكان،3 والحضارة بمعنى السكن في الحضر، وبعبارة أدقّ هي قبول الطبع المدني. وأمّا من حيث التفاصيل فتستبدل الأعمال الفنية والطبع والمعرفة والوعي مكان الخشونة والجهل والاعتداء وتجاوز الحدود4.

وأمّا عبارة الحضارة في اللغة العربية فهي تحمل المعنى ذاته وهي تعني السكن في الحضر والمدينة والحضارة تخالف البداوة وهي السكن في الصحراء.

قالوا إنّ الحضارة هي السكن في المدينة والقرية وذلك على عكس الذين يعيشون في الخيم والصحراء5. أمّا في الإنجليزية فيعبرون عن الحضارة بكلمة 6(Civilization).

إذاً أساس الحضارة هو الجمع وامتلاك روحية الحياة مع الآخرين في مكان واحد هو المدينة. يجتمع الناس في كلّ مكان وفي كلّ مجتمع حول ثقافة خاصّة ويؤدّي كلّ شخص من أفراد المجتمع دوراً لتسهيل حركة المجتمع وخدمة الآخرين ويساهم الجميع في منع الحملات والغزوات، وإذا لحق الظلم أحداً فمُنع من حقّه أمكنه متابعة ذلك عن طريق القانون فيكون المجتمع متحضّراً.

وبما أنّ اجتماع البشر في مكان واحد هو المجتمع، أصل الحضارة، قالوا: لا يمكن أن تكون الحضارة في مكان يابس خالٍ ولا يقبل الزراعة والسكن. من هنا وُجدت الاجتماعات البشرية الأولى إلى جانب الأنهار الكبيرة أمثال النيل ومابين النهرين(دجلة والفرات).

وأمّا الذي يصنع الحضارة ويوصلها إلى أوج التكامل، فهو الثقافة الحيوية التي تسري إلى بدن المجتمع. عندما تصل الثقافة إلى مرحلة الأوج، تكون الحضارة قد وجدت من جهة أخرى فإنّ تقدّم الحضارة وثباتها يؤدّيان إلى استحكام وثبات أسس الثقافة، ويثبت زواياها ويقوم بدورٍ في إبداعها وخلاقيتها فتظهر في المجتمع حركة ثقافية قوية وواسعة الحضور ويكون كل واحدٍ منهما سبباً في تعالي وارتقاء الآخر. تظهر الثقافة في الحضارة المتقدّمة وتنمو وتتطوّر وكذلك حال الحضارة أيضاً إذ تتقدّم وتتطوّر في ظلّ الثقافة القوية العميقة والمتجذرة.

وكانت الحضارات القديمة أكثر بقاءً واستمراراً بمقدار ما كانت تتمتّع به الثقافة من قوّة وقدرة. الثقافة المستمرة والفاعلة هي سبب بقاء الحضارة. وتكون الحضارة أكثر بقاءً واستمراراً وتجذراً إذا امتلكت نواة أساسية والتي هي الثقافة. إنّ كلّ ركن تعتمد عليه الحضارة فهو ممزوج بالثقافة. إنّ مسائل الوحدة والتناسب والتناسق التي تؤدي إلى ثبات الحضارة والتي تزول الحضارة من دونها، تصبح ممكنة في ظلّ ثقافة قوية.

يمكن الوقوف على هذه المسألة من خلال الحضارات الباقية والتي اعتبرها توينبي7 خمسة واعتبرها هانتينغتون8 تسعة: الغرب، الإسلام، الكنفوشيوسية، الهندية9.

إنّ الدّقة في الحضارات والتعمّق فيها يبيّنان أنّ جوهرها الأساس لم يتعرض للزوال، بل كان يتراوح بين الأوج والهبوط.يتعرض الجوهر الأساس الذي هو الثقافة والدوافع والإبداع في الحضارات إلى الزوال بسبب وجود غير الملائمات وعدم وجود الأرضية المناسبة للنشاط والفعالية والظهور، ثم تظهر الحضارة في مكان آخر أكثر مناسَبة وملاءمة.

صحيح أنّ ويل ديورانت يتحدّث حول موت الحضارات, إلّا أنه يمتلك رؤية تدعم نظرتنا وهي أنّ: أفول الحضارة يوفّر الأرضيّة لظهور حضارة أخرى في مكان آخر أو عند قوم آخرين:

"الحضارة كالحياة، عبارة عن النزاع المستمرّ مع الموت. وكما أنّ الحياة لا يمكن أن تبقى إلّا أن تخرج من أشكالها القديمة وتختار صوراً أكثر شباباً وأكثر جدّة، كذلك الحضارة، يمكن أن تبقى بعد تغيير إقامتها وتغيير دمها. ولهذا السبب انتقلت الحضارة من الأور إلى بابل ويهودا ومن بابل إلى نينوى ومن هناك إلى تخت جمشيد وسارديس وميلتوس، ومن هناك أيضاً إلى مصر واليونان وروما"10.

إنّ الثقافة هي أهمّ الدوافع في تبدل الحضارات وأفولها في مكان ومن ثمَّ ظهورها في مكان آخر. والثقافة هي العامل الذي يجعل الحضارة تهاجر إلى مكان أكثر ملاءمة. إنّ الثقافة هي أهمّ عوامل تجذّر الحضارة في الأرض إلى جانب أمور أخرى أمثال: الجغرافيا، الطقس، الأرض المنتجة، الثبات السياسي، الأمن و... والثقافة هي الحاجة الأولى في وجود الحضارة.

الثقافة هي روح وأساس الحضارة. ومن هنا، فالجدير - وقبل الدخول إلى أصل البحث أي هجرة الحضارات - الإطلالة على العلاقة التي تربط الثقافة بالحضارة:


العلاقة بين الثقافة والحضارة

من جملة المقولات الجديرة بالعرض في بحث هجرة وأفول الحضارات، أنه ما هو الذي يهاجر، وما هو الشيء الذي يتعرض للأفول حيث يمكن إدراك ذلك من خلال الآثار المتبقية بالأخص الآثار الثقافية التي تعود إلى الحضارات القديمة. استعملت الثقافة أو فرهنگ وفرهنج في الفارسية بمعنى العلم والعقل والفضل والأدب والعظمة والتدبير. وتطلق هاتان العبارتان في الفارسية على الشجرة التي تموت في أرض لتخرج من مكان آخر11.

وذُكر لعبارة Culture في الإنجليزية المعنى الذي ذُكر لعبارة فرهنگ في الفارسية: الزراعة، التعليم والتربية، الحضارة، الاستعداد والتهذيب.12

يكتب أحد أصحاب الاختصاص حول التناسب والتلاؤم بين عبارة الثقافة في الإنجليزية والفرنسية والفارسية، مذكراً بالنقطة الآتية:

"إنّ عبارة "Culture" في الإنجليزية والفرنسية والتي يقابلها في الفارسية عبارة فرهنگ، تعني في الأصل شقّ الطرق والحراثة. تترك الثقافة والمعرفة أثراً في الذهن شبيهاً بالشقّ والحراثة حيث تزرع في حياته بذور الفهم والشعور وكمال المعرفة، وفي النهاية تثمر حديقة الروح الآدمية وورود المعرفة والإيمان...".13

يجب الالتفات إلى أنه ذُكر في معنى الثقافة في اللغة الفارسية أنها تعني المعرفة والأدب والتدبير وهي بمعنى التعليم والتربية والتهذيب أيضاً. وهذا يعني أنّ العلم الذي يحمل عنوان الثقافة هو الذي يجتمع مع التدبير والأدب والتعليم، وذو القيمة هو الذي يترافق مع التهذيب والتربية.

المسألة الأخرى الجديرة بالاهتمام في المعنى اللغوي لعبارة "فرهنگ" والتي تعني "الفرع"، فلا يقصد منها كلّ فرع، بل المقصود الفرع اللّين من الشجرة والقابل للانعطاف والطريّ.

يجب أخذ هذا المعنى بعين الاعتبار في المعرفة والثقافة. الثقافة تبقى حتى لو فُصلت عن أصلها إذ إنّ بإمكانها الحياة والتأقلم مع البيئة الجديدة. وإذا كان الجذع الأساس للشجرة لا بد أن يجفّ مع مرور الزمان إلّا أنّ الفروع والأغصان والتي هي روح الشجرة هي التي تطلّ من جديد من أماكن أخرى فتنمو وتكبر وتثمر في أرض أخرى.

إذا اعتبرنا أنّ الثقافة هي بذرة الحضارة، فإذا ماتت الحضارة فإن بذورها لا تموت ولا تزول بل يمكن أن تنمو من جديد في مكان آخر.

هناك آراء متعدّدة في هذا الخصوص تساهم في مجموعها في توضيح حقيقة العلاقة بين الثقافة والحضارة، اعتبر بعض المفكّرين أنّ الثقافة والحضارة بمعنى واحد واختلافهما هو في دائرة الشمول: إنّ دائرة الثقافة محدودة ودائرة الحضارة واسعة. قيل في تعريف الحضارة: "حضارة الأمّة عبارة عن مجموعة المُثْل والعادات والسنن الموروثة والسنن والعلوم والفنون والمراكز الاجتماعية التي تساهم في بقاء المجتمع البشري وتنقلها نحو التكامل".14

وفي عبارة أخرى:

"الثقافة عبارة عن الوجود القوميّ والوطنيّ الخاصّ، بينما الحضارة عبارة عن: المظهرة للوجوه العامّة للبشرية".15

وأُطلق لفظ الحضارة على التقارب الثقافي بين العائلات الكبيرة.16

الحضارة طبق رؤية أخرى عبارة عن حالة التوحّد التي تظهر على الثقافات المتعدّدة، وهي عبارة عن الأوج الثقافي. يقول صاموئيل هانتينغتون بعد توضيحه أنّ كلاً من الثقافة والحضارة تشتملان على القيم، الضوابط، المناهج الفكرية والمؤسسات ذات الأهمية الكبيرة عند الأجيال في كلّ مجتمع.17

"الحضارة ذات وجود ثقافي، والحضارة هي أكبر اجتماع ثقافي وأوسع مستوى من الهوية الثقافية التي يمتلكها الشخص. تُعرّف الحضارة من حيث العناصر العينية المشتركة فهي: لغة التاريخ، المذهب، السنن والمؤسّسات، وتُعرّف من حيث الارتباط والقرابة الذهنية والباطنية للإنسان".18

وقد قدّم ويل ديورانت تعريفاً للحضارة شبيهاً بالتعريف المتقدّم، فاعتبر الحضارة عبارة عن الإبداع الثقافي: "الحضارة بمعناها العامّ عبارة عن النظم الاجتماعي الذي يؤدي في النتيجة إلى الإبداع الثقافي وبالتالي السيلان. يمكن تحديد أربعة أركان أو عناصر أساسية في الحضارة وهي عبارة عن: التوقع والاحتياط في الأمور الاقتصادية، المؤسّسة السياسية، السنن الأخلاقية، والعمل في سبيل المعرفة وبسط الفنون".19

ذكر في هذا التعريف أنّ النظم الاجتماعي والقانون هما وسيلة الإبداع الثقافي الذي هو أساس الحضارة. وكتب في مكان آخر أنّ الثقافة واحدة من العناصر الأربعة التي تتركّب منها الحضارة إلى جانب، الأمن، النظم والحرية: "الأمن ضروري ولازم عن طريق الأخلاق والقانون، والأمن الاقتصادي عن طريق الاستمرار في الإنتاج والتبادل، والثقافة عن طريق التسهيلات الضرورية للنموّ وانتقال العلم والآداب والفنون".20

من هنا يمكن القول إنّ للثقافة هوية أخرى مستقلّة عن الحضارة، وبالتالي الاعتقاد بأنّ الثقافة تختلف عن الحضارة. هما ظاهرتان مختلفتان إلا أنهما مرتبطتان من دون أن يكون بينهما أي شكل من الملازمة. يقول أصحاب هذه الرؤية في إثبات مدّعاهم: هناك الكثير من المجتمعات التي وصلت الثقافة فيها إلى أدنى المراتب، مع أنها مجتمعات متحضّرة تقابل المجتمعات التي لا نصيب لها من الحضارة مع أنها صاحبة ثقافة، وعليه فكما أنّ هناك حضارة من دون ثقافة، هناك ثقافة من دون حضارة أيضاً.21

إذاً يمكن القول إنّ أيّاً من الحضارات لا يمكن أن تتطور من دون خلفية ثقافية، وكلّ حضارة إنما تظهر في ظلّ الثقافة ولكن ليس من الصحيح أنّ كلّ ثقافة تؤدّي إلى وجود حضارة.

استخدم المفكّرون الأنغلوساكسونيون الثقافة بمعنى عامّ واعتبروها تشتمل على الحضارة. لقد وضع هؤلاء الثقافة والحضارة في مقابل بعضهما البعض. اطلقوا الحضارة على مجموع العناصر المادية والآثار الفنية وأشكال وصور المؤسّسات الاجتماعية التي تهيّئ المجتمع للظهور.

الثقافة طبق هذه الرؤية عبارة عن مجموع الظواهر المعنوية والاخلاقيات الأدبية والفنية والإيديولوجيات التي تؤدي إلى وجود واقع جديد خاصّ بأمة معينة في مرحلة محدّدة22.

وعلى هذا الأساس يعتقد البعض أنّ الحضارة ما مادامت في حالة البروز والوجود فهي عبارة عن الحضارة حيث تكتسب عنوان الحضارة عندما تظهر بحالة الثبات ويكون آثارٌ وأبعادٌ مادية. وأمّا عند المقارنة بين الحضارات لمعرفة الحضارة الكبرى، فيؤخذ بعين الاعتبار الرؤى والعلوم وكذلك الأبعاد التاريخية والتقدم والتطور الظاهر في الآثار التي تركتها الحضارات.

يبدو أنّ الأستاذ مطهّري من جملة الأشخاص الذين أكّدوا على هذه المسألة في التفريق بين الحضارة والثقافة. اعتبر الشهيد مطهّري أنّ الاختراعات تعود إلى الحضارة بينما تنشأ المعنويات من الثقافة23. ويعتقد إلى جانب ذلك أن البشريّة لن تكون موفّقة من دون أخلاق ومعنويات.

"الإنسان المنحطّ من الناحية الأخلاقية، لن يكون موفّقاً في أعماله الأخرى. من هنا، كانت الأبعاد المعنوية للحضارة الإنسانية ذات تأثير واضح، لا بل آثارها كبيرة وفوق التصوّر، إذ لا يمكنها أن تكون غير مؤثّرة"24.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الحضارة لا يمكن أن تقوم من دون ثقافة مرنة، وبالتالي لا يمكنها الاستمرار. لا يمكن أن تكون الحضارة من دون مبدأ وأرضية قبلية. والثقافة هي مبدأ الحضارة.

الثقافة هي التي تدفع المجتمع نحو الأمام، وترفعه إلى مستوى أعلى، إنّها تؤدّي إلى ظهور الحضارة.

وتترافق الحضارة والثقافة مع بعضهما بعد ظهور الحضارة، فإذا فقدت الحضارة الثقافة المرنة التي ساهمت في وجودها، اضمحلّت وتوقّفت مع مرور الزمان وتوجّهت نحو الأفول، فتخرج روحها والتي هي الثقافة من بدنها حيث تنتقل إلى أرض أكثر استعداداً لقبول الثقافة، فتظهر حضارة أخرى.

وبعد هذا التحوّل، لا يبقى من الحضارة المتقدمة إلا الاسم. وتحفظ آثارها العلمية في الكتب والآثار التاريخية في البناء. يعتقد الأستاذ مطهّري أنّ الحضارة تبقى وهي غير مختصّة بقوم محدّد! والثقافة عبارة عن روح الأمم والأمة التي تنتزع روحها منها، لا تبقى أمة حيث تفقد القدرة على التطوّر:

"يفرقون بين الثقافة والحضارة ويقولون: الحضارة عامّة، أي أنها غير مختصّة بقوم محدّد، إلّا أنّ ثقافة كلّ أمة عبارة عن روح تلك الأمّة... إنّ للمجتمع روحاً، وروحه عبارة عن الثقافة وتبقى كلّ أمة ما دامت ثقافتها باقية وتزول الأمة عندما تزول ثقافتها. لذلك يقولون: إذا أردتم القضاء على أمة، عليكم القضاء على ثقافتها بداية، وعندما يسلبون الأمة ثقافتها، فقد نزعوا روحها، وعندما ينزعون الروح، تموت، وتصبح الأمة مجرد أشلاء لا يمكنها البقاء... على كل الأحوال الثقافة هي روح المجتمع".25

ولأنّ الثقافة مهمّة في الحضارة تحدّث ويل ديورانت عن عناصر الحضارة الثمانية حيث كانت الثقافة والمعنويات تشكّل ستة عناصر منها.

أمّا عناصر الحضارة من وجهة نظره فهي عبارة عن: "العمل، الدولة، الأخلاق، الدين، العلم، الفلسفة، الأدب، والفن".26

يُستنتج ممّا تقدّم أنّ الرؤى الأربع المتقدمة تتمحور في جزء من الأفق الواحد:

أ- وحدة الثقافة والحضارة.
ب- تُطلق الثقافة على الوجه المعنويّ والحضارة على الوجه الماديّ.
ج- الثقافة ذات بُعْد قومي بينما الحضارة ذات بُعْد عامّ.
د- الثقافة هي الوجه المرن للحضارة والحضارة هي وجهها الثابت. بشكل عامّ، فإن الثقافة التي هي روح وباطن الحضارة، هي سبب حركتها وانتشارها وتعاليها.عندما تفقد الحضارة قواها المتحركة وعندما لا تتمكّن من زيادتها، تصبح مقعدة وعند ذلك تكسر الثقافة هذا البدن الذي أصبح

غير مناسب لنموّها ورشدها فتهاجر إلى مكان آخر فيبقى الوجه المادي للحضارة. وقد ذكر أغلب الفرق هذه المسألة.


موت أو هجرة الحضارة

اتجهت الحضارة التي كان لها وجود لسنوات وقرون طويلة نحو الزوال بعد مرور الزمان، وفقدت قدرتها على النفوذ وأصبحت مقعدة حيث وصلت إلى النهاية.

والسؤال المطروح هنا: هل تقبل الحضارات الزوال وهل تموت؟ أم أنّ الحضارات لا تموت والذي يموت حقيقة هو أصحابها فيفقدون القدرة على الحركة نحو الأمام فيتوقّفون.

يعتقد البعض أنّ الحضارات - كما كافّة القوى الطبيعية - تابعة لطريقة مشتركة من حيث الولادة والنمو والانحطاط والموت. نُسب هذا الرأي إلى أشخاص أمثال، اشبنغر27، ودانيلو سكي وتوينبي حيث قالوا: "إنّ كافة الحضارات، تولد وتنمو وتنضح ومن ثم تموت"28 صحيح أنّ هؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم تحليل واحد في توضيح رؤيتهم، إلّا أنهم يعتقدون بموت الحضارات. يعتقد توينبي أنّ الحركة الدائرية للحضارات تشتمل على أربع مراحل:

1- مرحلة الظهور أو الولادة.
2- مرحلة النموّ والتكامل.
3- مرحلة النزول، أو السقوط.
4- مرحلة التجزئة.29

يتفق اشبنغر وتوينبي على أنّ موت الحضارة يحصل عندما يزول الإبداع من المجتمع المتحضّر. يعتقد توينبي أنّ الأشخاص هم الذين يحرّكون التاريخ ويبين أنّ موت الحضارة يصبح واقعاً عندما لا تتمكّن المجموعة المحركة من إبداع قوىً بالمقدار الكافي لمواجهة المشكلات فتتحوّل هذه المجموعة الصغيرة وهم قادة المجتمع إلى مجموعة ظالمة فتزول الوحدة الاجتماعية وتُجزّأ الحضارة وتموت.30

وهو من جملة الأشخاص الذين يعتقدون أنّ الحضارة الغربية في معرض السقوط. ويقابل هذه الرؤية، الرؤية الأخرى التي يعتقد أصحابها أنّ الحضارة لا تموت. بل تتجه نحو الحضيض, وأنّ الذي يموت هو الأمم والشعوب التي تتفرّق عن بعضها، وسبب تفرقها هو الانحطاط الثقافي الذي يقوم بدور في ظهور الحضارة.

يعتمد بحث حوار الحضارات، أو تصادمها على مبدأ أنّ الحضارات في العالم المعاصر أصبحت عديدة وهي تتمتّع بالقدرة على الحوار أو التصادم حتّى لو كان بعضها في الأوج والبعض الآخر دون ذلك. أمّا الحضارة التي تتنزل من الأوج إلى المراتب الدنيا، فهي لا تزول، بل تظهر روحها المتكاملة في مكان آخر، وهذا هو الذي يُعَبّر عنه بهجرة الحضارات.

يقول الشهيد مطهّري: "للحضارة طلوع وغروب, أي أنها تطلع في مجتمع ثم تصل إلى الانحطاط في ذاك المكان فتطلع في مكان آخر".31

كتب سوروكين في نقد المعتقدين بموت الحضارات:

"هناك الكثير من المعتقدات الثقافية للحضارة اليونانية والرومانية ما زال يُعمل بها حتّى اليوم وتشكّل جزءاً من حضارتنا وثقافتنا ومؤسّساتنا، أو أنها دخلت في أفكارنا وسلوكنا وعلاقاتنا.

كانت هذه المعتقدات حية وفاعلة وكانت مؤثّرة فينا حتى إنها أكثر حياة من الموضة التي كانت رائجة بالأمس أو من الكتاب الذي وصل قبل سنة إلى أكبر مقدار من البيع. إنّ أيًّا من الحضارات القديمة لم يمت..."32

صحيح أنه لم يبق في اليونان علماء أمثال أرسطو وأفلاطون وأن اليونان لم تقدّم فكراً جديداً, ولكنّ الذي كان موجوداً في أوج بلوغ الحضارة اليونانية، موجود بين أيدي مجتمعاتنا المتحضّرة اليوم أو أنّ نتائج الحضارة الإسلامية موجودة اليوم في الغرب.

يعتقد ويل ديورانت الذي عمل على توضيح زوايا تاريخ الحضارات أنّ: الحضارات لا تموت بل الأقوام والطوائف هي التي تزول.وتعرّض لبحث هذا الموضوع في كتابيه لذات الفلسفة ومدخل إلى تاريخ الحضارة.

يقول في الكتاب الأوّل تحت عنوان "استمرار الحضارة" أثناء جوابه عن سؤال: هل يمكن أن تبقى الحضارة حيّة إلى مدة غير محدّدة، أو أنها محكومة بالفناء؟:

"الحضارة ليست أمراً ماديّاً حتى تتعلّق بأرض وتراب محدودين، بل هي خليط لا يقبل اللمس من الإبداعات الفنية والثقافية. وإذا كان يمكن نقل هذا الخليط إلى مكان جديد يتمتّع بقوى مادية، فإنه يحفظ بشكل كبير ويبسط نفوذه وتصبح حقيقته متجذرة. الحضارة لا تموت بل تبقى بدءاً من الدولة والجيش والسياسيين والمحاسبين الذين تمتلكهم الحضارة والتي نمت وتطوّرت على أساس وجودهم. وأمّا الذي يموت فهو الأقوام والجماعات. الحضارة اليونانية لم تمت. بل الأرض التي أنجبت أمثال هومر والاسكندر لم تعد قادرة على تقديم نوابغ آخرين، فالحضارة اليونانية لم تبق اليوم في ذاك المكان، بل هي حية في مكان آخر وفي مكان معنوي وهو عبارة عن الحافظة للنوع الإنساني... كان أفلاطون وتلامذته يتحركون بشكل غير محدود في الأكاديمية وفي كلّ ساعة كان يحضر درسه آلاف الطلّاب. نعم الأمم والجماعات هي التي تموت، والأرض القديمة أصبحت يابسة حيث يمسك الناس معاولهم لينقلوها إلى مكان آخر بما يمتلكون من فنّ وذكريات ومحفوظات. إذا جعلت التربية هذه الذكريات واسعة وعميقة، فتهاجر معها والذي يتغير هو المكان والمسكن"33.

يعتقد ويل ديورانت أنّ "الحضارات هي الأبناء الروحيون للنوع الإنساني"34 وما هو موجود بين أيدينا اليوم هو النتائج التي قدّمها هؤلاء الأبناء، فالحضارة لا تموت بل تبقى حيث تظهر في مكان آخر. ثم إنّ ويل ديورانت يكرّر هذا الكلام في كتابه مدخل إلى تاريخ الحضارة ويقول: "الحضارات لا تموت كما أنّ الحضارة اليونانية لم تمت. بل الذي زال هو قالبها وقد انتشرت في أرض أخرى، فالحضارة اليونانية محفوظة في حافظة النوع الإنساني. الحضارات حية وهي نتاج روح البشر. والأمم هي التي تموت. والحضارة تهاجر مع التعليم والتربية وتختار مسكناً جديداً لها في مكان آخر".35

بناءً على ما تقدّم فالمقصود من هجرة الحضارات هو سريان إنتاج المجتمع المتحضر القديم إلى مجتمع متحضر جديد. ويتصل هذا السريان طبق رؤية ديورانت بالحقيقة عن طريق التعليم والتربية والتي يطلق عليها الثقافة، فتجد لها مكاناً عند قوم آخرين وهذا يعني أنها باقية. وأمّا الأمم المتحضّرة فهي التي قد تنحطّ فتميل في يوم من الأيام نحو البربريّة فتزول مظاهر الحضارة بالتدريج منها. يبدأ موت الأمم من خلال زوال الثقافة أو الانحراف فيها. ومع حركة الثقافة بين الصعود والهبوط يتلاشى الشعب المتحضّر ويصل إلى مرحلة الموت.

عندما تكون المرحلة، مرحلة انحطاط ثقافي، يستغل العدوّ الخارجيّ الفرصة للهجوم ويقضي على ما تبقى من الروح الثقافية والجماعية، وقد يعمد تارة إلى إزالة مظاهر الحضارة. لقد حوّل الاسكندر عرش جمشيد إلى خراب، وعمل المسيحيون للقضاء على مسلمي الأندلس، ومع هذه الحملات والحروب بقيت بعض جلوات الحضارة الإسلامية. ولكن لو لم يحصل انحطاط ثقافي وفساد اجتماعي في المجتمع، فالثقافة قادرة على مواجهة الحملات الخارجية بقوّة وصلابة، وبالتالي إرغام العدوّ على الاستسلام. صحيح أنّ المغول خرّبوا المدن الإسلامية وقتلوا الآلاف من الناس, إلا أنّ الثقافة الإسلامية كانت قوية ومتعالية وقادرة بحيث انجذبوا إليها. الحضارات من وجهة نظر الإسلام تقبل الهجرة والتكامل، وذلك للوصول إلى الحضارة العالمية الواحدة، أي حكومة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 


1- وسائل الشيعة، الحر العاملي.
(*) كاتب إيراني في مجلة حوزة.
2- قاموس معين،ج1، 1139،أمير كبير، طهران.
3- تاج العروس، مرتضى زبيدي،تحقيق علي شيري،ج18، 53، دار الفكر، بيروت.
4- أقرب الموارد، سعيد الشرتوني،ج3، 1194، المطبعة اليسوعية، بيروت, قاموس دهخدا، على أكبر دهخدا.
5- دائرة معارف البستاني، بطرس بستاني، ج7، 96، دار المعرفة، بيروت.
6- القاموس الجامعي الإنكليزي الفارسي، عباس ومنوجهر آريان بور،ج1، 390، أمير كبير، طهران.
7- تاريخ الحضارة، أرنولد توينبي، ترجمة يعقوب آجند، المقدمة، الأربعة عشر، مولى طهران.
8- المجتمع الإسلامي النموذجي ومبادئ الحضارة الغربية، مجموعة من المؤلفين، 302، الأمانة العامة الدائمة لمؤتمر الأبعاد الوجودية للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي يعقد كل سنتين.
9- م.ن،الحضارة الإسلامية في الفكر السياسي للإمام الخميني،، 57، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني قدس سره، طهران.
10- تاريخ الحضارة، المشرق مهد الحضارة، ويل ديورانت، ج1، 258،انتشارات الثورة الإسلامية، طهران.
11- البرهان القاطع، برهان الخلف للتبريزي، 1481،أمير كبير.
12- القاموس الجامعي انكليزي- فارسي آريان بور،ج1، 526.
13- عالم اليوم وغداً، على أكبر كسمائي، 488، مؤسسة اطلاعات، طهران.
14- دائرة معارف العلوم الاجتماعية المقارنة، عليرضا شايان مهر، ج1، 402، انتشارات كيهان،طهران.
15- تاريخ الحضارة، علي شريعتي،ج1، 14.
16- دائرة معارف العلوم الاجتماعية المقارنة،ج1، 404.
17- حوار الحضارات وصدامها،السيد صادق حقيقت، 27،نقلاً عن صدام الحضارات، صاموئيل هانتنغتون، ترجمة مجتبى أميري,
18- قبسات،العدد 14، 132.
19- تاريخ الحضارة،د.علي شريعتي،ج1، 3.
20- لذات الفلسفة، ويل ديورانت، ترجمة عباس زرياب الخوئي،الانتشارات العلمية الثقافية، طهران.
21-قبسات،العدد 14، 119.
22-قاموس العلوم الاجتماعية،آلن بيرو، ترجمة د.باقر ساروخاني، انتشارات كيهان.
23-فلسفة التاريخ، الشهيد مطهري،ج1، 32، 45، صدرا، طهران.
24- م.ن، 32.
25- م.ن، 45.
26-تاريخ الحضارة، ج1، 990.
27-مستقبل الغرب،ز،ج،دبيوس،ترجمة بهاء الدين بازاركاد، 22، ابن سينا، مدخل إلى تاريخ الحضارة، ويل ديورانت، ترجمة أحمد بطحائي، خشايار ديهيمي،، 259، انتشارات الثورة الإسلامية.
28-مستقبل الغرب، 75.
29-م.ن، 60.
30-م.ن، 65.
31- فلسفة التاريخ، الشهيد مطهري، ج1، 246.
32-مستقبل الغرب، 75.
33- لذات الفلسفة، 306.

34- م.ن، 307.

35- مدخل إلى تاريخ الحضارة، 263.

10-06-2015 | 15-19 د | 1360 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net