الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1373 - 19 محرم 1441هـ - الموافق 19 أيلول 2019م
رضا الله، الغايةُ الأسمى

التعلل بالإمكاناتمراقباتالدُّعاء قُرآنٌ صَاعِدنُفوسٌ أبِيَّةمراقباتمراقباتعرفان عاشوراءسؤالُ الخيرِ من اللهِ مراقبات

 
 

 

التصنيفات » قدوة المبلغين
العباس نصير الحسين (ع)
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الدرجة العالية:
في تلك الأيام المبكرة من عمرنا حيث كنا ننظر إلى الحياة بعين واسعة بريئة، ونشم عبق المثل بإحساس مرهف وروح شاعرية، في تلك الأيام كنا نتوجه ـ في ليالي الجمعة ـ تلقاء حرم أبي الفضل العباس ابن علي عليه السلام في وطننا الجريح في كربلاء المقدسة، فندلف إلى الصحن الشريف بشوق، وندخل الرواق برهبة. فإذا اقتربنا إلى ضريحه الميمون، ارتسمت في أذهاننا صورة ذلك البطل العظيم، ممتطيا صهوة جواده المطهم، ورجلاه تخطان الأرض، ووجهه كفلقة بدر1، وفي يمينه الحسام وقد حمل القربة يريد المشرعة التي حاصرها أربعة آلاف مقاتل وكّلهم بها عمر ابن سعد بقيادة عمرو بن الحجاج. وذلك منذ يوم تاسوعا من عام 61 للهجرة، حيث قدم شمر ابن ذي الجوشن إلى وادي كربلاء، ومعه رسالة من عبيد الله ابن زياد (المتسلط على الكوفة من قبل يزيد بن معاوية) في تلك الرسالة أمر ابن زياد قائد جيشه عمر ابن سعد بأن يمنع على الحسين وأهل بيته و أصحابه ـ عليهم السلام ـ ماء الفرات.

فلما انتصف النهار من اليوم العاشر، وسقط العديد من أصحاب الحسين ـ عليه السلام ـ ومن أهل بيته، صرعى أثر العطش بأهل البيت، وبالذات بالأطفال الصغار، وارتفعت صيحات " العطش، العطش " فكادت تمزق قلب سقاء كربلاء أبي الفضل العباس، صاحب لواء العسكر الحسيني. والذي لقب بهذا اللقب بعد أن قاد حملة ناجحة إلى الفرات وجاء بالماء إلى المخيم قبل يوم عاشوراء حسب بعض التواريخ.

لقد كان العباس بطلا شهدت له المواجهات العسكرية التي كانت بين الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ وبين أصحاب الردة، ولعله اشترك في فتح المشرعة مع أخيه الحسين ـ عليه السلام ـ في بعض المعارك عندما سيطر أصحاب معاوية على الفرات ومنعوا أصحاب أمير المؤمنين منه. فلما تمادى في غيه، ولم يقبل نصيحة الإمام عليه السلام بفتح الشريعة سلميا خطب الإمام علي عليه السلام في أصحابه خطابا حماسيا، وكان فيما قال: "أرووا السيوف من الدماء، ترووا من الماء". وحمل أصحابه على المشرعة بقيادة السبط الشهيد وأخيه العباس حسب هذه الرواية، فلما فتحوها أباحها الإمام لاعداءه كما جاء في بعض الروايات، بيد أن أهل الكوفة الذين حاربوا معاوية بالأمس تحت راية الإمام علي، انضووا اليوم تحت راية يزيد بن معاوية وعدو يحاربون سيد شباب أهل الجنة وأصحابه وأهل بيته، ويمنعونهم عن الفرات.

وها هو سيدنا العباس يجد نفسه محاطا بأكثر من أربعة آلاف من الأعداء الشرسين، فهل يمنعه ذلك من اقتحام المشرعة؟

كلا.. إن أصوات الاستغاثة التي ارتفعت من حناجر آل الرسول منادية بالعطش، استنهضت البطل الأبي، فتقدم إلى الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ واستأذنه في المبارزة، بيد ان الإمام الحسين عليه السلام لم يأذن له في البدء قائلا: "أنت صاحب لوائي، والعلامة من عسكري".

فقال أبو الفضل: "يا أبا عبد الله؛ لقد ضاق صدري".

فأذن الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ له، وقال: " اطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء ".

حينما كنا صغارا، ونقف أمام ضريح أبي الفضل العباس، كانت بصائرنا تتجه إلى مخيم الحسين، حيث لا تزال كربلاء تحتفظ بآثاره وبذكريات العطش لأولئك الصبية الصغار، والنساء الأرامل والثكالى. فتكمل الصورة لذلك البطل واقفا على المشرعة يطلب الماء لأولئك الأبرياء، التي كانت تلك الصورة ذات أثر بالغ على أفئدتنا حتى كأننا نجد حوادث واقعة الطف ماثلة أمامنا بكل لمساتها المثيرة. فها هو العبـــاس واقف على المشرعة، وقد أقحم فرسه في الماء، ثم مد يديه واغترف غرفة من الماء، وقربها إلى فمه الذابل من العطش، فإذا به يتذكر عطش أخيه، فيرمي الماء على الماء، ثم يخاطب نفسه بكلمات لا تزال العصور ترددها قائلا:
يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسـين وارد المنـون *** و تشربين بـارد المعـين
هيهات ما هذا فعال ديـني *** و لا فعـال صادق اليقين

و هكذا ترتسم أمامنا صورة العباس عند زيارة مرقده وحيث كنا نسلم عليه بتلاوة تلك الزيارة التي تنضح بصائر وهدى، ثم نصلي لربنا ركعات، ندعوه بدعوات، نعود بعد ان نرتشف من نمير وفائه كأسا، ونغترف من بحر بصيرته غرفة، ونقتبس من نور إيمانه هدى.

تلك كانت مثلا لزيارة محبي أهل البيت ـ عليهم السلام ـ لمشهد أبي الفضل العباس عليه السلام في كربلاء المقدسة، حيث يتقاطر إليه الآلاف من كل مكان، وحيث تجد بينهم أصحاب الحوائج يدعون الله سبحانه متوسلين إليه بالعباس، او المتنازعين يحلفون عند ضريحه فلا يجرأ احد منهم بالكذب، لاعتقاد الجميع ان الله يعجل عليهم بالعذاب لو كذبوا كما تجد المجاهدين الذين يتزودون من مرقد العباس العزيمة والاستقامة..

واني اذ رسمت لك هذه الصورة أيها القارئ الكريم، في مستهل حديثي عن أبي الفضل العباس ـ عليه السلام ـ فانما لكي نبحث من خلالها عن السر الكامن وراء هذه الحب والاحترام البالغين من قبل الملايين من المسلمين تجاه سيدنا أبي الفضل العباس ـ عليه السلام ـ حتى اننا نستطيع انه نؤكد بأنه لا يحظى أحد من أهل بيت النبوة، بعد الأئمة المعصومين ـ عليهم السلام ـ باهتمام المؤمنين بقدر أبي الفضل العباس ـ عليه السلام ـ. فان له مكانة عظيمة في قلوب المؤمنين، حتى انه بمجرد ما يذكر اسم هذا البطل العظيم، تتداعى لديهم مثل الوفاء والمواساة، والبطولة والإباء، والبصيرة النافذة والإيمان الصلب..

ما هو السر في ذلك؟
لقــد حملت هذا السؤال إلى بعض الاخوة هنا وهناك قائلا: انه هناك قمما مضيئة في تأريخنا ـ نحن الموالين لأهل بيت الرسالة ـ، ابتداءا من أصحاب الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى انصار الإمام علي ـ عليه السلام ـ إلى حواري الإمام الحسن ـ عليه السلام ـ، والى أصحاب سائر الائمة المعصومين ـ عليه السلام ـ، وان بينهم الفقهاء والقادة والابطال، ولكن نور اولئك يخبو إذا سطع أبو الفضل العباس ـ عليه السلام ـ. لماذا؟ كان جواب الأفاضل متقاربا حيث قالوا: ان السر في ذلك ان العباس ـ عليه السلام ـ باب الحوائج، فما من احد طرق هذا الباب إلا قضيت حاجته. وهناك الدعاء المعروف الذي يتلوه المؤمنون حينما تصيبهم ضائقة، وتحيط بهم بائقة، يقولون: " الهي بحق كاشف الكرب عن وجه اخيه الحسين ـ عليه السلام ـ اكشف كربي".

قلت بلى.. واني شخصيا اجرب ذلك دائما، بل لا يمر علي يوم إلا واشاهد هذه الحقيقة. فكلما اصابتني ازمة، دعوت الله سبحانه وتعالى، وتوسلت اليه بأبي الفضل العباس باب الحوائج ونذرت له علي مئة صلاة على النبي وآله لاهدي ثوابها إلى روحه الكبير، فإذا بالكربة تنكشف، والازمة تتفرج.

ولكن السؤال العريض لماذا خص الله سبحانه وتعالى أبا الفضل عليه السلام بهذه الميزة العظيمة؟ فما من احد في شرق الارض وغربها، يدعو الله بكربة أبي الفضل، إلا ويفرج الله كربته؟ لماذا، ماهو السر في ذلك؟

كان الجواب ما يلي:
لعل احدا من أصحاب الحسين وأهل بيته ـ عليه وعليهم السلام ـ لم يمر بلحظة حيرة، كما عاناها سيدنا العباس في وسط المعركة. حيث كانت امنيته الوحيدة ايصال الماء إلى المخيم، حيث يتلظى الأطفال عطشا. لقد كانت القربة التي حملها ببقايا يديه النازفتين، كانت أغلى عنده من حياته. وكان عشرات المئات من الرماة يمطروه بوابل من السهام، فاختار العباس طريقا قريبا إلى المخيم بين النخيل، لعله ينجو من الأعداء بالقربة. ولكن الخيبة الكبرى كانت عندما وجد العباس سهما يخترق القربة، ويسيل ماءها، هنالك سالت نفسه مع ذلك الماء فوقف وسط المعركة فلا يدين يذب بهما عن امام زمانه الحسين ـ عليه السلام ـ، ولا أمل له في الحياة. فوقف آيسا من الحياة عازما على الموت.

بلى.. لعل تلك اللحظة التي عاشها أبو الفضل بكل صبر ويقين كانت عظيمة عند الله فعوضه الله عنها بأن جعله بابا للحوائج أوليس قد خابت حاجته في الدنيا.

بلى.. كذلك كان أبو الفضل، وكذلك يعطي الله سبحانه عباده الصالحين الذين يخلصون العمل له، يعطي لهم أجرا جزيلا وفضلا كبيرا، وقد قال تعالى: ﴿... إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 2.

وقال سبحانه: ﴿ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 3.

فإذا اخلد الله ذكر الانبياء، وجعل السلام عليهم في العالمين، لانهم كانوا محسنين، ولانه لا يضيع أجر المحسنين فلم تستغرب اذا أكرم أبا الفضل العباس على موقفه العظيم.

عندما جعل أمنيته سقاية أهل بيت الرسالة، ولم يبال بقطع يمينه في سبيل الله، بل قال وبكل صراحه:
و الله إن قطـعتم يميـني *** إني أحامي أبدا عن ديني
وعن إمـام صادق اليقين *** نجل النبي الطاهر الأمين

ثم قطعت شماله فلم يبال، بل انشد يقول:
يا نفس لا تخشى من الكفار *** وابشري بـرحمة الجبار
مـع النبي السيـد المختار *** قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلهم يا رب حر النار
لقد اختصر ذلك الموقف حياة أبي الفضل، واظهرت شخصيته الرائعة التي كانت نتيجة جملة عوامل تكاملت وتسامت.

ماذا كانت تلك العوامل؟ وكيف صاغت شخصية أبي الفضل العباس ـ عليه السلامـ؟ وكيف نقتبس منها لحياتنا لكي نتجاوز ذواتنا المحدودة؟ ونحلق في آفاق سامية من المثل العليا؟

النشأة الهادفة:
الربانيون من عباد الله يتميزون بأنهم لا يمارسون نشاطا، إلا ابتغاء مرضاة ربهم. قال الله سبحانه: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 4 حركات عباد الله الربانيين تتجه إلى قبلة واحدة، هي رضوان الرب، وهكذا تجدهم إذا تزوجوا او ابتغوا ذرية فلغاية ربانية. فمثلا أمرأة عمران تنذر ما في بطنها محررا لله سبحانه، فيتقبل الله سبحانه مريم بقبول حسن، وينبتها نباتا حسنا، ويكفلها زكريا.

وكانت تلك الدعوة ذات أثر بالغ على مستقبل جنينها، فاذا بها تلد مريم، التي جعلها الله تعالى وابنها المسيح ـ عليه السلام ـ آية للعالمين.

وكان الهدف الأسمى للإمام علي ـ عليه السلام ـ من زواجه من فاطمة بنت حزام الكلابية ـ أم العباس ـ ان يرزقه الله منها ولدا ينصر نجله الحسين ـ عليه السلام ـ في كربلاء.

تقول الرواية التأريخية؛ لقد قال الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ لأخيه عقيل ـ وكان عالما بالأنساب ـ: "انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاما فارسا".

فقال له: تزوج بأم البنين الكلابية، فانه ليس في العرب أشجع من آبائها5. واضافت رواية اخرى بعد قوله؛ فتلد غلاما فارسا، هذه الكلمة: "ينصر الحسين بطف كربلاء"6. لقد رسم الإمام صورة واضحة لهدفه من الزواج حتى قبل انتخاب الزوجة، وهكذا رزقه الله سبحانه ذلك البطل الوفي المواسي لأخيه، والناصح لامام زمانه.

اما فاطمة الكلابية فقد كانت مثلا رائعا في المثل الاخلاقية، فعندما دخل بها الإمام علي ـ عليه السلام ـ سألها حاجتها، حسب عادة الزيجات يومئذ، طلبت حاجة وحيده ـ حسب رواية تاريخية ـ بألا يناديها باسمها فاطمة!
لماذا وقد سمتك أمك فاطمة؟!

قالت بلى.. أخشى انه كلما تناديني بهذا الاسم (فاطمة) ان يتذكر اولاد فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ أمهم فتتجدد احزانهم. فكناها الإمام بأم البنين.

ثم بعد عشرات السنين وبعد واقعة كربلاء تقول الرواية التاريخية حينما قدم الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ وسائر الاسارى إلى المدينة المنورة، أمر بشرا وكان شاعرا ان يتقدم الركب وينعى الحسين ـ عليه السلام ـ لأهل المدينة فاستقبلته أم البنين وأخذت تسأله عن الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ.
اما بشر فقال لها: يا أم البنين؛ آجرك الله في ولدك عبد الله.
قالت: اخبرني عن الحسين؟
فقال بشر: آجرك الله في ولدك جعفر.
قالت أم البنين: اخبرني عن الحسين يا بشر؟
قال بشر: آجرك الله في ولدك عثمان.
عادت أم البنين تسأل بشرا: اخبرني عن الحسين يا بشر؟
فقال بشر: آجرك الله في ولدك العباس..

وبالرغم من الحب العظيم الذي كانت تكنه أم البنين لولدها البكر أبي الفضل العباس، فان بشرا عندما أخبرها عن مقتل العبــاس عادت وسألت عن الحسين، وهي تقول اخبرني يا بشر عن سيدي ومولاي الحسين. فلما قال بشر آجرك الله يا فاطمة في الحسين، هنالك انهارت ولطمت وجهها وصاحت وا ويلاه وا حسيناه.

ان هذه المرأة كانت تحب ابناءها أشد الحب كأي امرأة مؤمنة، ولكنها كانت أشد حبا لله ولامامها الحسين ـ عليه السلام ـ وهكذا تفتديه باولادها. هذه الأم وذلك الأب ربيا معا العباس منذ نعومة اظفاره، وذلك لتحقيق تلك المسؤولية، ألا وهي الدفاع عن الحسين ـ عليه السلام ـ.

واذا كانت واقعة الطف مقدرة معروفة في بيت الرسالة، فلابد ان تكون أم البنين ممن تعرف عنها شيئا. فتعرف ـ مثلا ـ ان العباس سيكون نصير الحسين الأول، ولابد ان ارهاصات كانت تبدر في الافق تدلها على ذلك، وهي تلك المرأة الحكيمة الشجاعة فتعد أبناءها لها.

من ذلك ـ مثلا ـ ما ذكره البعض من ان أم البنين رأت أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في بعض الايام قد أجلس أبا الفضل ـ عليه السلام ـ في حجره، وشمر عن ساعديه، وقبلها وبكى، فتعجبت وسألت زوجها الإمام عن سبب بكاءه؟ فأخبرها بإن هاتين اليدين سوف تقطعان فيسبيل الحسين ـ عليه السلام ـ فبكت ثم بشرها بمقام ولدها عند الله، وان الله سوف يعوضه عن يديه جناحين يطير بهما في الجنة ـ كما فعل بعمه جعفر الطيار ـ، فاطمأنت نفسها 7.

وقد ذكر البعض صورا شتى لمدى تعلق العباس بالحسين ـ عليه السلام ـ، وانه منذ الطفولة كان سريع الاستجابة لطلبات أخيه. فإذا أبدى الحسين ـ عليه السلام ـ العطش، انطلق العباس يسرع إلى كأس ماء ويأتي به ويقدمه اليه. وفي طول حياته لم يخاطب أخاه بالأخوة.

لماذا؟ أوليس العباس ابن أمير المؤمنين وهو الشجاع البطل، فلماذا لا يخاطب أخاه بكلمة يا أخي؟

ان العباس ليعلم ان الحسين ابن بنت رسول الله، ابن فاطمة وما أدراك ما فاطمة، وانه حجة الله عليه وعلى العالمين، وانه سبط الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة. فلذلك لم يكن يخاطبه إلا باحترام بالغ؛ يقول مثلا يا ابن رسول الله، يا سيدي، يا مولاي. .

بلـى. . انه نادى أخاه بالاخوة مرة واحدة، وذلك حينما ضربه ذلك اللعين على أم رأسه، فخر من الجواد على الأرض فنادى: "يا أخاه أدرك أخاك".

لماذا ناداه في تلك اللحظة بهذه الكلمة؟

لعله كان يحقق رغبة كامنة في نفسه، ان يدعو أخاه ـ ولو مرة واحدة ـ في العمر بتعبير يا اخي. أوليس ذلك فخر عظيم للعباس ان يكون له أخ مثل الحسين ـ عليه السلام ـ. فاذا كان الحياء قد منعه من ذلك من قبل، او منعه احترامه لأخيه، فالآن حيث حان ميعاد الفراق لا بأس ان يناديه بذلك.

وكما كان العباس يحترم الإمام الحسين، فان الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ كان شديد الحب والاحترام لأخيه. ففي عشية اليوم التاسع من محرم عام 61 هـ عندما زحف عسكر بني أمية على مخيم أهل البيت ـ عليهم السلام ـ خاطب سيد الشهداء أخاه العباس بهذه الكلمات:
" اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم وتسألهم كما جاءهم ".

انظر إلى التعبير " بنفسي أنت " انها كلمة كبيرة تصدر من امام معصوم.

وهكذا استقبلهم العباس في عشرين فارسا فيهم حبيب وزهير و.... وسألهم عن ذلك، فقالوا: ان الأمير يأمر اما النزول على حكمه او المنازلة. . فأخبر (العباس) الحسين، فأرجعه يرجئهم إلى غد 8.

نافذ البصيرة:
مما تميز به أبو الفضل العباس ـ عليه السلام ـ العلم حتى جاء في حديث شريف: " قد زق العلم زقا " 9. وعلمه كان نابعا من البصيرة واليقين.

ان بصيرته جعلته يتمسك بعروة الولاية الالهية، وان صلابة ايمانه وصدق يقينه جعلاه لا يأبه بالحياة، فحينما جاء اليه شمر ابن ذي الجوشن في اليوم التاسع من شهر محرم في تلك السنة بأمان من عند ابن زياد، واراد ان يفرق بينه وبين أخيه. وكانت بين شمر وبين أبي الفضل العباس علاقة الخوئلة، لان أم البنين كانت من تلك القبيلة التي ينتمي اليها الشمر ابن ذي الجوشن، فجاء شمر حاملا الأمان ودعى أبا الفضل واخوته قائلا: أين بنوا أختنا؟ سكت اخوة العباس احتراما لاخيهم الأكبر، وسكت العباس احتراما لإمامه، وحجة الله عليهم الحسين ـ عليه السلام ـ، وكرر شمر النداء وبقي أبو الفضل ساكتا لا يجيبه، فقال الحسين ـ عليه السلام ـ لهم: " اجيبوه ولو كان فاسقا ".
قالوا (لشمر): ما شأنك وما تريد؟
قال: يا بني اختي انتم آمنون، لا تقتلوا انفسكم مع الحسين، وألزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد.
فقال له العباس: لعنك الله، ولعن أمانك. تؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا ان ندخل في طاعة اللعناء واولاد اللعناء؟ 10
فرجع الشمر مغضبا.

انظروا إلى يقين العباس، ذلك اليقين الذي وصفه به الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ حيث قال: " كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الايمان، جاهد مع أبي عبد الله، وأبلى بلاءا حسنا، ومضى شهيدا " 11. فالعباس ـ عليه السلام ـ كان يعرف ان الزمن يطوى بسرعة، وان الحياة لا تبقى لاحد، وان الابدان قد خلقت للموت، فلم البخل بها عن الشهادة وهي ارفع وسام، وقد قال الحسين ـ عليه السلام ـ:
وان تكن الابدان للموت انشأت *** فقتل امرء بالسيف في الله أفضل

وهكذا حينما دخل المشرعة، واغترف الغرفة من الماء كانت كلمته رائعة حينما قال ـ عليه السلام ـ:
والله ما هذا فعال ديني *** ولا فعال صادق اليقين

لقد كان اعزم ما في العباس ـ عليه السلام ـ يقينه، وهذا ما نقرأه في زيارته التي سوف نستعرضها في فصل قادم انشاء الله، لقد انفتحت بصيرة العباس منذ سن مبكر على حقيقة التوحيد، ولذلك تجده عندما يجلسه والده سيد العارفين أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في حجره المبارك وهو صبي فيقول له: قل واحد، فيقول واحد.

فقال له: قل اثنين، فيمتنع قائلا: اني استحي ان اقول اثنين بلسان قلت به واحدا 12.

بلى. . ان قلبه الذي وعى وحدانية الرب، كيف يسمح له بأن يقول اثنين؟

وكما يقين أبي الفضل، كذلك تسليمه لله كان في القمة، بلى ان صفة التسليم ناشئة حقيقة اليقين. وسوف نعود إلى نصوص زيارته، وترى كيف تؤكد على صفة التسليم، واي تسليم أعظم من الطاعة التامة لامام زمانه، والصبر معه حتى الشهادة.

وكان من صفاته عليه السلام البطولة النادرة، وانما حمل لواء الحسين ـ عليه السلام ـ لشجاعته النادرة، وبطولته العظيمة.

قال بعض الرواة ان العباس ـ عليه السلام ـ شارك في حرب صفين مشاركة فعالة، وقالوا: خرج من جيش أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ شاب على وجهه نقاب تعلوه الهيبة، و تظهر عليه الشجاعة يقدر عمره بـ "17" سنة، فطلب المبارزة فهابه الناس، وندب معاوية اليه أبا الشعثاء فقال: ان أهل الشام يعدونني بألف فارس ولكن ارسل اليه احد اولادي، وكانوا سبعة. وكلما خرج احد منهم قتله حتى أتى عليهم. فساء ذلك أبا الشعثاء واغضبه، ولما برز اليه ألحقه بهم، فهابه الجميع، ولم يجرأ أحد على مبارزته، وتعجب أصحاب أمير المؤمنين من هذه البسالة التي لا تعدو الهاشميين، ولم يعرفوه لمكان نقابه. ولما رجع إلى مقره دعاه أمير المؤمنين و ازال النقاب عنه، فاذا هو العباس ـ عليه السلام ـ 13.

والبطولة لا تعني مجرد منازلة الاقران، بل جملة صفات انسانية سامية كالشهامة والاباء والتضحية والوفاء والمواساة. وهكذا كان العباس ـ عليه السلام ـ؛ انظروا كيف حارب، وكيف استشهد.

لقد استشهد العباس وهو يطلب الماء للعطاشى، وكان اهتمامه بالماء اكثر من اهتمامه بنفسه، فلم تكن غايته كشف العدو عن نفسه بقدر ما كانت غايته الاحتفاظ بالسقاء سالما، لايصاله إلى حيث العطاشى من أهل بيت الرسالة.

هذا هو الذي يجعلنا نقف اجلالا لبطولته النادرة، بينما اعداؤه حاربوه بالغدر. لقد كانوا أجبن من مواجهته، حيث رشقوه بالسهام، ثم كمن له احدهم من وراء نخلة واغتال يده. كانت الضربة مجرد فتك، وهكذا تتجلى شجاعة سيدنا العباس ـ عليه السلام ـ كما يتبين مدى جبن الطرف الآخر، وهو لم يزل يسعى لايصال الماء إلى المخيم. هذه هي الشجاعة النادرة التي يقف التاريخ اجلالا لها.

اما وفاؤه فهو الآخر في القمة، حيث استقام في الدفاع عن حجة الله حتى أخر لحظة، وقيل انه حينما حضر الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ عنده كان به رمق، انتبه العباس ـ عليه السلام ـ، وقال: " يا هذا إذا اردت ان تقطع رأسي فاصبر حتى يأتي أخي، والقي عليه نظرة أخيرة ".

فقال له الحسين ـ عليه السلام ـ: " هذا أنا أخوك "، ووضع رأس العباس في حجره.

فتقول هذه الرواية بأن أبا الفضل رفع رأسه ووضعه على التراب، فقال له أبو عبد الله الحسين ـ عليه السلام ـ: لم تفعل ذلك يا أخي؟

فقال وهو يلفظ انفاسه الأخيرة: يا أخي؛ أنت تضع رأسي الآن في حجرك، فمن يضع رأسك في حجره بعد ساعة؟

وسواءا صحت هذه الرواية ام لا، فان مجمل سلوك العباس ـ عليه السلام ـ تجاه أخيه يدل على هذا النوع من التعامل.

هكذا واسى أخاه في لحظة الوفاة، كما واساه في رمي الماء على الماء وهو يتلظى عطشا مواساة لأخيه وأهل بيته الطاهرين.

* السيد محمد تقي المدرسي


1. يقول المؤرخون: كان العباس وسيما جميلا، يركب الفرس المطهم، ورجلاه يخطان الأرض، ويقال له قمر بني هاشم (العباس ـ للاستاذ عبد الرزاق المقرم ـ ص 140، عن مقاتل الطالبين ص 33).
2. القران الكريم: سورة يوسف (12)، الآية: 90، الصفحة: 246.
3. القران الكريم: سورة الصافات (37)، الآية: 109 و 110، الصفحة: 450.
4. القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 162، الصفحة: 150.
5. عبد الرزاق المقرم ـ في كتابه العباس عن عمدة الطالب وسر السلسلة لأبي النصر ص 357.
6. المصدر ص 194 عن كتاب: الكبريت الأحمر ج 3 ص 144، وكتاب: اسرار الشهادة ص 387.
7. العباس للمقرم: ص 138 ـ عن كتاب قمر بني هاشم ص 21.
8. المصدر عن تاريخ الطبري ج 6 ص 237.
9. المصدر ص 172 عن كتاب: اسرار الشهادة ص 324. قال: جاء المأثور عن المعصومين عليه السلام ان العباس بن علي زق العلم زقا.
10. المصدر ص 193 عن كتاب: تذكرة الخواص ص 142، وكتاب: اعلام الورى ص 120.
11. المصدر ص 208.
12. المصدر ص 168 نقلا عن مستدرك الوسائل ج 3 ص 815.
13. المصدر ص 275.

06-05-2016 | 11-42 د | 949 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net