الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1277 - 27 صفر 1439هـ - الموافق 16 تشرين الثاني 2017 م
نبيّ الرّحمة والخُلق العظيم

عظمة شخصيّة النّبي (صلّى الله عليه وآله)خلال لقاء حشدٍ من التّلاميذ والشّباب على أعتاب اليوم العالمي لمواجهة الاستكبار خصائص المبلّغ (6)إصلاح المجتمع بإصلاح رجال الدّين‏مراقباتمراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

التصنيفات » منبر المسجد » منبر المحراب

العدد 1270 - 07 محرّم 1439هـ - الموافق 28أيلول 2017 م
الإسلام دين المداراة

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الهدف: التعرّف على أهميّة الملاقاة، ودورها الإيجابي في بناء العلاقات الاجتماعية.

المحاور:
-المداراة حالة ودّية خُلقية.
- أهميّة المداراة وقيمتها في الإسلام.
- الفرق بين المداراة والمداهنة.
- الرّسول الأعظم قمة المداراة.
- المداراة تتبع طبيعة المدارى.
-مظاهر المداراة.
-بين المداراة والتقيّة.
-أَوْلى النّاس بالمداراة.
 
تصدير
ورد عن النّبي(ص) أنَّه قال: "أمَرَني ربّي بمداراة النّاس كما أمَرَني بأداء الفرائض"[1].

المداراة حالة ودّية خُلقية
المداراة هي فن إدامة العلاقة، وحُسن التصرّف مع الآخر في مختلف الظّروف، ذلك أنَّ البراعة والأصالة الأخلاقية ليست في القدرة على إنشاء العلاقة، بل في القدرة على المحافظة عليها، وهذا المستوى لا يكون إلاّ عند الكاملين من النّاس. قال الله تعالى: {...ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[2].
 
أهميّة المداراة وقيمتها في الإسلام
المداراة حالة أخلاقية راقية، تنتج عن امتزاج الحكمة بالحنكة والحلم والتواضع والإيمان والوعي والإخلاص والصّبر، في نسيج رائع يجعل الإنسان قادرًا على استيعاب المشكلة وضبط الأعصاب، ويُدخله في حالة فريدة من الرّغبة في الآخر، والقيام بحقّ أخوته وبذل الجهد من أجل مرضاتهم.

وقد ورد في المداراة روايات كثيرة، يظهر منها مدى مكانة المداراة في الإسلام؛ منها ما ورد عن النّبي صلّى الله عليه وآله: «من عاش مداريًا مات شهيدًا»[3].

وقال: «ما نزل عليّ جبرئيل مرة إلا وأمرني بمداراة الرّجال».

وقال: «أمرني حبيبـي جبرئيل بمداراة الرّجال»[4].

وورد عن الإمام علي(ع) أنَّه قال: "رأس الحكمة مداراة النّاس"[5].

ومنها ما رُوي عن الامام الحسن عليه السّلام: «مداراة النّاس نصف العقل»[6].

والنّاس كما يختلفون في أشكالهم وألوانهم،كذلك يختلفون في أخلاقهم وأذواقهم، ولا يكاد يوجد إنسان يشبه الآخر في كلّ الجوانب. والمداراة هي واحدة من الجسور التي يمكن عبرها التّأثير في النّاس، وهي تختلف عن المداهنة.

من هنا، ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: «لا ترخصوا لأنفسكم فتُدهنوا، ولا تُدهنوا في الحقّ  فتخسروا»[7].

الفرق بين المداراة والمداهنة
إنّ الفرق الرّئيسي بين المداراة والمداهنة، أنّ المداهنة لا تكون في طريق التّربية والهداية، ومن يُداهن شخصًا يعصي الله تعالى، فغرضه ليس مراعاة الأهمّ والمهمّ، بل كسب رضا العاصي على أيّ حال، فهو يجاريه من أجل مصالح شخصيّة، من قبيل أن يحصل على احترام العاصي أو ودّه، أو يحصل منه على مكسب مادّي ونحوه.

والمداهنة مذمومة ويحاسَب الإنسان عليها؛ ولذلك رُوي فيما أوحى الله تعالى إلى النبيّ شعيب: «إني معذّب من قومك مئة ألف، أربعين ألفًا من شرارهم وستّين ألفًا من خيارهم، فقال: يارب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزّوجلّ إليه: داهَنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبـي»[8].

أمّا المداراة فهي من الدّراية والعلم والمعرفة والتوسّل بطرق الهداية لجلب الإنسان إلى الحقّ أو إبقائه عليه، وعليه فالمداراة أن يكون موقف الإنسان تجاه النّاس موقفًا يخدم في جلب النّاس وهدايتهم إلى خطّ الإسلام والأخلاق والفضيلة بشتّى السّبل المشروعة.
 
الرّسول الأعظم قمّة المداراة
إنّ من يتتبّع سيرة الرّسول الأعظم، يجده صلّى الله عليه وآله، قمّة في مداراة النّاس على مختلف طوائفهم ومذاهبهم، حتّى أنّه صلّى الله عليه وآله، قلّما كان يستعمل كلمة «حرام» في وصف ما يجب اجتنابه، بل كان يستبدلها بكلمات أخرى من قبيل: «إنّي لا أفعل ذلك»، و«إنّي أكره..» لخفّة وقعهما على السّامع، فكان النّاس يعرفون الحرام من خلال هذه التّعبيرات، دون أن يحصل لهم أيّ ردّ فعل على ذلك. ومن الأمثلة على مداراة النّاس في منهاج الرّسول صلّى الله عليه وآله، عدم قتله لمنافقين كانوا يستحقّون القتل؛ لئلّا يُساء فهم الإسلام من بعض النّاس، فيتركوه.

ولا شكّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يُقدم على قتل أحد إلّا إذا كان مستحقًّا للقتل، لأنّ القتل أمر دائر بين الواجب والحرام، حسب تعبير الفقهاء، ولا يوجد قتل مستحبّ أو مكروه أو مباح، كما هو الحال في الفرائض كالصّوم مثلًا، فهناك صوم واجب، وحرام، ومستحبّ ومكروه، أمّا القتل فليس فيه غالبًا سوى الوجوب كمن هُدِر دمه، أو الحرمة كمن عصم دمه، لذا فقوله صلّى الله عليه وآله: «لضُرِبت أعناق كثير...»[9]، يعني لاستحقاقهم القتل بالحكم الأوّلي، غير أنّ النّبي(ص) لم يُجرِ الحكم لأمر أهمّ، وهو عدم لحوق تهمة بالإسلام قد تؤدّي إلى ابتعاد النّاس عنه.

وهذا يوضّح ما للمداراة من أهميّة في الشّريعة، فكما أن ّالإنسان يتعامل في الأمور الماديّة والشخصيّة على أساس التّرجيح بين الأهمّ والمهمّ، كأن يعطي تارة مبلغًا كبيراً من المال لأحد ولا يعطي مثله لغيره، وذلك بحسب ما يراه من الأهميّة، أو تارة يُنفق من وقته ساعات لشخص، ولا يُنفق إلّا دقائق في مواقف أخرى، فكذلك الحال في المداراة، حيث ينبغي النّظر إلى الأهمّ والمهمّ وتقديم الأوّل على الثّاني، وهذه سيرة الأنبياء والرّسل[10]، وبالأخصّ سيرة نبيّنا وأهل بيته المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والأولياء والعلماء والصّلحاء.

يُروى أنّه بعد رجوع النّبي (ص) من غزوة حنين ، وقد نصره الله تعالى على المشركين بعد فتح مكّة، جاء بالغنائم فنزل بالجعرانة[11] بمن معه من النّاس، وقسّم ما أصاب من الغنائم في المؤلّفة قلوبهم من قريش وسائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير، قال محمّد بن إسحاق: فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير، ومعاوية ابنه مئة بعير، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزّى مئة بعير... قال: وغضب قوم من الأنصار لذلك وظهر منهم كلام قبيح، حتى قال قائلهم: لقي الرّجل أهله وبني عمّه، ونحن أصحاب كلّ كريهة، فلمّا رأى رسول الله (ص) ما دخل على الأنصار من ذلك، أمرهم أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم، ثمّ أتاهم شبه المغضب يتبعه علي (سلام الله عليه)، حتى جلس وسطهم، فقال: ألم آتكم وأنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم الله بي؟... إلى أن قال: بل لو شئتم قلتم: جئتنا طريدًا مكذَّبًا فآويناك وصدّقناك، وجئتنا خائفًا فآمناك، فارتفعت أصواتهم، وقام إليه شيوخهم فقبّلوا يديه ورجليه وركبتيه، ثمّ قالوا: رضينا عن الله وعن رسوله وهذه أموالنا أيضًا بين يديك، فاقسمها بين قومك إن شئت.

فقال: يا معشر الأنصار، أوجدتم في أنفسكم إذ قسمت مالاً أتآلف به قومًا، ووكلتكم إلى إيمانكم، أما ترضون أن يرجع غيركم بالشّاة والنّعم، ورجعتم أنتم ورسول الله في سهمكم...؟ [12]

لقد نبّههم رسول الله صلّى الله عليه وآله بما غفلوا عنه، وذكّرهم ما نسَوه، وأعلمهم أنّ ما قام به من إعطاء المال الكثير لأولئك النّاس وخصّهم بالغنائم دون الأنصار، إنّما كان لغاية تأليف قلوبهم للإسلام، ولإظهار عظمة الإسلام لئلّا يُرى فقيرًا قليل العطاء، ولكي يكسر حالة العداء فيهم، فلا يعود أمثال أبي سفيان وابنه معاوية وغيرهما من المنافقين لتنفيذ مؤامرتهم ضدّ الإسلام، وفي الوقت نفسه استثار صلّى الله عليه وآله عواطف الأنصار بقوله ألا ترضون أن يكون رسول الله في سهمكم.

  المداراة تتبع طبيعة المدارى
يرى المتتبّع لسيرة النّبي الأعظم (ص)، أنّه كانت له سيرة بعدما اجتمع حوله نفر من المسلمين، وأخرى بعدما جاء مهاجرًا إلى المدينة حتى شكّل الدّولة الإسلاميّة، وثالثة بعدما نهض في توسيع رقعة الدّولة ومحاربة الكفر والطّغيان لنشر تعاليم السّماء. لقد كان في بداية دعوته صلّى الله عليه وآله، يأتي النّاس في أيّ مكان يراهم فيه، سواءً على الصّفا ،أو المروة، أو المسجد الحرام، أو الطّرقات والأسواق أيّام الحجّ يدعوهم مناديًا: «أيها النّاس قولوا لا إله إلا الله تُفلِحوا»، أمّا بعد أن اجتمع حوله عدد أكثر من النّاس، وازداد المسلمون، صارت سيرته صلّى الله عليه وآله وفق ما يتناسب وعدد المسلمين، واختلف الأمر أيضًا عندما هاجر إلى المدينة، لأنّه في البداية_ عندما لم يكن معروفًا بنبوّته_ كان عليه أن يدعو النّاس إلى توحيد الخالق وعبادته، وبعدما هاجر إلى المدينة وكثُر أتباعه الّذين آمنوا به، فضلًا عن شيوع أمر نبوّته، أخذ يسير في نشر أحكام الشّريعة بين المسلمين، وهكذا.

لذا، فإنّ الأمور الاجتماعيّة كثيرًا ما تتحكّم في هذه الأمور، وهذا ليس معناه أنّ الحلال يصبح حرامًا وبالعكس، بل اللّازم ملاحظة مدى استعداد النّاس وقبولهم الحق؛ وإرجاء الحكم الشّرعي لا يعني إبداله أو إبطاله بأيّ حال من الأحوال.
رُوي عن الإمام الصّادق سلام الله عليه، أنّه دخل عليه رجل فقال له: «أصلحك الله ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللّباس الجيّد».

فقال له الإمام (ع) إنّ علي بن أبي طالب كان يلبس ذلك في زمان لا يُنكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشُهّر به، فخير لباس كلّ زمان لباس أهله، غير أنّ قائمنا أهل البيت إذا قام لبس لباس عليّ وسار بسيرته»[13].

يتبيّن لنا من خلال هذه الرّواية أنّ المداراة تتطلّب معرفة طبيعة المجتمع وعاداته وتقاليده في اختيار ما يتناسب معها، فأسلوب هداية النّاس لا يعني السّكوت عن الحرام أو ترك الواجب، بل التدرّج في مراحل بيانه ونحو ذلك، لكيلا يقع المداري والمدارى كلاهما في حرام أهمّ منه وأشدّ. وبما أنّ النّاس بما فيهم المؤمنون ليسوا كلهم عدولًا، فضلًا عن عدم علمهم لجملة ممّا له مدخلٌ في الأمور؛ لذا يلزم على من يريد هدايتهم أن يتحلّى بأعلى قدر من المداراة في تعامله معهم.

إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليرحمَهم، فيلزم على من يريد هدايتهم أن يكون مدارياً لهم إلى آخر لحظة، ليتمكّن من توجيههم نحو الله تعالى، فيكون قوله وفعله جامعًا للنّاس وهاديًا لهم، لأنّه مسؤول على أن لا ينفر النّاس من الحقّ.

ورد فيه عن  رسول الله (ص): «من عاش مداريًا مات شهيدًا»[14].

مظاهر المداراة
تتمثّل المداراة في الأمور الآتية:
أ- الحرص على إدامة المودّة بمثل المدح والهديّة والزيارة ونحوها.
ب- البُعد عن كلّ ما يُزعج الآخر من الأقوال والأفعال.
ج- تجنّب العتاب والملامة قدر الإمكان، بنحو يَظهر منه عدم المبالاة بالهفوات الّتي تصدر عادة من كلّ إنسان.
د- جعل التّسامح ورحابة الصّدر أساسًا في كلِّ علاقة.
عن الإمام علي(ع) أنَّه قال: "دارِ النّاس تستمتع بإخائهم، وألفِهِم بالبِشْر تُمتْ أضغانهم"[15].
 
بين المداراة والتقيّة
إنَّ المداراة لا تعني أنَّ الآخر سيّء العِشرة فتُداريه تلافيًا لشرّه، بل هي – في أصلها- موافقة الآخر في مزاجه ومسايرته في نمط عيشه، حرصًا على استقرار الصّداقة ودوامها، إذ إنَّ اختلاف الأمزجة وأنماط العيش حقيقة إنسانيّة لا يمكن تدارك سلبياتها من قبل الطّرفين إلّا بالمداراة، أمَّا إذا كان الّذي تُداريه سيّئ العِشرة رديء الأفعال، فيُخاف من بواثقه ويُخشى شرّه، فإنَّ ذلك يخرج بالمداراة عن كونها علاقة أخويّة لتصير نوعًا من التقيّة وحماية الذّات من شرّ الآخر وخضوعًا قهريًّا لرغباته، وهو ذلك الذي اعتبره الإسلام (شرّ النّاس).

إذ ورد عن النّبي(ص) أنَّه قال: “شرّ النّاس عند الله يوم القيامة الذين يُكرَمون اتّقاء شرّهم”[16].

أولى النّاس بالمداراة
إنَّ أولى النّاس بالمداراة هم أهل الإنسان وعياله، من والدَيه وزوجته وأولاده وأرحامه، فإنَّ كثرة المعاشرة لهم واختلاف أمزجتهم، يجعلهم أحوج ما يكون إلى مداراة بعضهم للبعض الآخر، والعمل من أجل استرضائه وسعادته.
 
[1] الشّيخ الكُليني، الكافي، ج 2، ص 117.
[2] سورة فصّلت، الآية 34.
[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج72، ص55.
[4] مسند الربيع، ج1، ص275.
[5] الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص264.
[6] تحف العقول، ص370. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ، ج‏18 ، ص108.
[7] الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص45.
[8] المصدر نفسه، ج5، ص56.
[9] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج141، ص22.
[10] المصدر نفسه،  ج72، ص401، عن تفسير الإمام العسكري عليه السّلام قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ الأنبياء إنّما فضّلهم الله على خلقه بشدّة مداراتهم لأعداء الله...».
[11] وهي ماء بين الطّائف ومكّة، وهي إلى مكّة أقرب. انظر معجم البلدان للحموي، ج2، ص142.
 [12] راجع: أعلام الورى للطبرسي، ج1، ص235 غزوة حنين.
[13] الكافي، ج1، ص411.
[14] بحار الأنوار، ج72، ب ص55.
[15] الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 251.
[16] الكافي، ج2، ص 327.

27-09-2017 | 15-37 د | 172 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net