الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1363 - 08 ذو القعدة 1440 هـ - الموافق 11 تموز 2019م
المبادئ الأخلاقيّة من سيرة الإمام الرضا (عليه السلام)

الاستدلال والمنطقمراقباتكلمة الإمام الخامنئي في لقائه مسؤولي النظام وسفراء البلدان الإسلامية بمناسبة عيد الفطر السعيدالتَّواضُعُ حَلاوَةُ العِبادَةفي وصية الإمام الصادق عليه السلاممراقباتالتَّحِيَّةُ وآدابُهامراقباتالسابقون للحسنى

 
 

 

التصنيفات » منبر المسجد » منبر المحراب

العدد 1354 - 03 رمضان 1440 هـ - الموافق 09 أيار 2019م
أبو طالب (رض) ناصر النبيّ الأعظم (ص)

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

محاور الخطبة
- من هو أبو طالب؟
- خصائص أبي طالب (رض)
- علاقة أبي طالب (رض) بالنبيّ (ص) قبل البعثة وبعدها

مطلع الخطبة
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "ما نالت منّي قريش شيئًا أكرهه، حتّى مات أبو طالب"‏[1].

أيّها الأحبّة،
بُعث نبيّ الرحمة محمّد (صلّى الله عليه وآله) في مجتمع شديد البعد عن القيم والمبادئ الإنسانيّة القويمة، كان فيه المتربّصون له من كبار المشركين في الجزيرة العربيّة يبذلون قصارى جهدهم في كبح حركته، وتقويض نشاطه، وهم الذين تشرّبت نفوسهم بالعادات السيّئة والأعمال القبيحة، علاوةً على المفاهيم الفكريّة والعقائديّة الباطلة.

كان ذلك كلّه في مواجهة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، ورسالته الغرّاء، وكان له في نشرها الكثير من العناء والتضحية، حتّى أوذيَ من قِبل أبناء الجزيرة العربيّة آنذاك، ما لم يؤذَ به نبيّ من قبل!

ولأنّ الله -تعالى- لا يترك عباده المخلصين، ولا يخذلهم، فإنّه -سبحانه- يسدّدهم ويؤيّدهم ويسخّر لهم ما يعينهم في طريق تبليغهم ونشر دينه ورسالته، فكيف بمن يحمل خاتمة الرسالات وأكملها؟!

فقد كان حول النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) رجالات ونساء، كان لهم دور كبير في الدفاع عنه (صلّى الله عليه وآله) ومؤازرته، وإنّ على رأس هؤلاء أبو طالب (رضوان الله عليه).

ولنا أن نتحدّث شيئاً عن هويّة هذا الرجل الكريم لنقول:

من هو أبو طالب؟
هو عبد مناف بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف.
كان من وجهاء مكّة، ومن رؤساء قريش عامّةً، وبني هاشم خاصةً.
وهو والد أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام)، وعمّ النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وإنّما يُكنّى بأبي طالب، نسبةً إلى ولده الأكبر "طالب".
تولّى أبو طالب (رضوان الله عليه) منصب "سقاية الحاجّ" قبل البعثة، وهو منصب رفيع المستوى، كان معمولاً به قبل الإسلام، وبقي إلى ما بعده.
تُوفّيَ (رضوان الله عليه)  في السادس والعشرين من رجب، ودُفن في مقبرة حجون.

خصائص أبي طالب
أيّها الأحبّة،
إنّ لأبي طالب (رضوان الله عليه) خصائص هامّةً ومتميّزةً، فضلاً عن إيمانه برسالة الإسلام، وتصديقه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، ومن تلك الخصائص أنّه:

أ‌- كان من سادات قريش
فقد كان أبو طالب -كما ذكر المؤرّخون- سيّداً شريفاً مطاعاً مهيباً. ورُوي عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) أنّه قال: "أبي ساد فقيراً، وما ساد فقير قبله"[2].

ب‌- كان سخيّاً
كانت تُعرف قريش بالسخاء والكرم، ولكن ما إن يُطعم "أبو طالب" ويُولم، لم يطعم يومئذٍ أحد غيره[3].

ج‌- كان صاحب رأي بين قومه
- كان أَوَّلَ من سنّ القَسَّامَةٍ[4] -على أولياء المقتول- في الجاهليَّة في دم عمرو بن علقمة، ثمّ أثبتتها السنّة في الإسلام[5].

د‌- كان تقيّاً
كان (رضوان الله عليه) رجلاً عفيفاً ذا أخلاق حسنة، لم يكن ليفعل ما كان يفعله زعماء قريش من أفعال قبيحة وعادات سيّئة، من لعب بالقمار وعمل بالربا وشرب للخمر، فقد حرّم على نفسه شرب الخمر كما وصفه الحلبيّ قائلاً: "كان أبو طالب ممّن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة، كأبيه عبد المطّلب"[6].

علاقة أبي طالب (رض) بالنبيّ (ص) قبل البعثة وبعدها

1- رعاية النبيّ (ص) وكفالته
التزم أبو طالب بوصيّة أبيه عبدِ المطلب،وكفل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، الذي كان عمره حينئذٍ ثماني سنوات.

وقد أشار ابن شهر آشوب إلى هذه القضيّة بقوله: "لما حضرت عبد المطّلب الوفاة، دعا ابنه أبا طالب، فقال له: يا بنيّ، قد علمت شدّة حبّي لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) ووجدي به، انظر كيف تحفظني فيه. قال أبو طالب: يا أبتي، لا توصني بمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، فإنّه ابني وابن أخي. فلمّا توفّي عبد المطّلب، كان أبو طالب يؤثره بالنفقة والكسوة على نفسه وعلى جميع أهله"‏[7].

وكتب ابن هشام في ذلك: "كان أبو طالب هو الّذي يلي أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعد جدّه، فكان إليه ومعه... ولمّا خرج أبو طالب تاجراً إلى الشام، وتهيّأ للرحيل، وأجمع المسير، صبّ به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فرقّ له (أبو طالب)، وقال: والله، لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني، ولا أفارقه أبدا"[8].

"وكان أبو طالب إذا أراد أن يعشّي أولاده أو يغدّيهم‏ يقول: كما أنتم -أي امسكوا- حتّى يحضر ابني، فيأتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فيأكل معهم"[9].

2- حبّه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)
كان (رضوان الله عليه) يحبّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حبّاً شديداً، وفي بعض الأحيان إذا رآه كان يبكي ويقول: "إذا رأيته ذكرت أخي"[10]، وكان عبد الله أخاه لأبويه.

3- دفاعه عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)
لا شكّ ولا ريب، في أنّ أبا طالب كان من أوائل وأشدّ الذين دافعوا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وناصروه في تبليغ الرسالة المباركة وتثبيت قواعدها، وقد أثبت لنا المؤرّخون ذلك بشكل واضح وجليّ، أكان من خلال سردهم لأقواله وأشعاره هو (رضوان الله عليه)، أم من خلال أقوال الآخرين فيه، أم من خلال سيرته العمليّة.

وإنّ المؤرّخين ذكروا الكثير من المواقف التي تبيّن لنا ثبات أبي طالب في نصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وممّا ورد في ذلك:

أ‌- نصرته في شعب أبي طالب
إنّه لمّا أدخلت قريش بني هاشم الشعب، إلّا أبا لهب وأبا سفيان بن الحرث، فبقي القوم في الشعب ثلاثة سنين، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا أخذ مضجعه وعرف مكانه، جاءه أبو طالب فأنهضه عن فراشه وأضجع ابنه أمير المؤمنين (عليه السلام) مكانه.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات ليلة: "يا أبتاه، إنّي مقتول؟"، فقال:
"اصبرنّ يا بنيّ، فالصبر أحجى               كلّ حيّ مصيره لشعوب
قد بذلناك والبلاء شديد                     لفداء الحبيب وابن الحبيب
لفداء الأغرّ ذي الحسب الثاقب            والباع والكريم النجيب
إن تصبك المنون فالنبل يُرمى                فمصيب منها وغير مصيب
كلّ حيّ وإن تملي بعيش                     آخذ من خصالها بنصيب"[11]

ب - نصرته في عدم التخلّي عنه
لمّا عرفت قريش أنّ أبا طالب (رضوان الله عليه) قد أبى خذلان رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: "يا أبا طالب، هذا عمارة فتى في قريش، فخذه، فلك عقله ونصره، واتّخذه ولداً، فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك فنقتله. فقال: والله، لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبداً"[12].

ج- النبيّ يؤكّد نصرة أبي طالب له
ورد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال بعد وفاة عمّه أبي طالب مؤكّداً نصرته إيّاه: "ما نالت منّي قريش شيئًا أكرهه حتّى مات أبو طالب"‏[13].

د- جبرائيل ينعى ناصر النبيّ
فإذاً، لم يزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عزيزاً، يمنع عنه الأذى، ومعصوماً من كلّ اعتداء، حتّى تُوفّيَ أبو طالب (عليه السلام)، وعندها جاء نداء ربّه يحمله جبرائيل: "اخرج من مكّة، فقد مات ناصرك".

4- وصيّته بنصرة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)
من الوثائق التي ذكرت في كتب التاريخ والسيرة، وصيّة أبي طالب بنصرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على فراش الموت: "لمّا حضرت أبا طالب الوفاة، دعا أولاده وإخوته وأحلافه وعشيرته، وأكّد عليهم في وصيّته نصرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ومؤازرته، وبذل النفوس دون مهجته، وعرّفهم ما لهم في ذلك من الشرف العاجل والثواب الآجل، وأنشأ يقول:
أوصي بنصر نبيّ الخير أربعة                  ابني عليًّا وشيخَ القوم عبّاسا
وحمزة الأسد الحامي حقيقته                  وجعفرا أن تذودوا دونه الناسا
كونوا فدىً لكم أمّي وما ولدت             في نصر أحمد دون الناس أتراسا[14].[15]

قال الحلبيّ في سيرته ما نصّه: "فذكر أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة، جمع إليه وجهاء قريش، (وبني هاشم) فأوصاهم، وكان من وصيّته أن قال: " يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، أوصيكم بتعظيم هذه البنية (أي الكعبة)، فإنّ فيها مرضاةً للربّ، وقواماً للمعاش، صِلوا أرحامكم، ولا تقطعوها، فإنّ في صلة الرحم منسأةً (أي فسحة) في الأجل، وزيادةً في العدد، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعيَ، وأعطوا السائل، فإنّ فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة فإنّ فيهما محبّة في الخاص، ومكرمة في العام، وإنّي أوصيكم بمحمّد خيراً؛ فإنّه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكلّ ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبِله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله، كأنّي أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الوبر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محّضته العرب ودادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش، كونوا الولاة، ولحزبه حماة، والله، لا يسلك أحد منكم سبيله إلّا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلّا سعد "[16].

[1]  تاريخ الطبريّ، محمّد بن جرير الطبريّ، ج2، ص80.
[2]  تاريخ اليعقوبيّ، اليعقوبيّ، ج2، ص 14.
[3]  انظر: أنساب الأشراف،  البلاذريّ، ج2، ص23.
[4]  القسّامة بالفتح: الأيمان تُقسّم على أولياء الدم.
[5]  شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزليّ، ج15، ص219.
[6]  السيرة الحلبيّة، الحلبيّ، ج1، ص184.
[7]  مناقب آل أبي طالب، ابن شهراشوب، ج1، ص35.
[8]  السيرة النبويّة، ابن هشام، ج1، ص 116.
[9]  مناقب آل أبي طالب، ابن شهراشوب، ج1، ص35.
[10]  شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزليّ، ج 14، ص64.
[11]  مناقب آل أبي طالب، ابن شهراشوب، ج1، ص58.
[12]  تاريخ الطبريّ، محمّد بن جرير الطبريّ، ج2، ص67.
[13]  المصدر نفسه، ج2، ص80.
[14]  الأتراس: جمع ترس، وهو صفحة من الفولاذ تحمل للوقاية من السيف ونحوه .
[15]  بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج35، ص90.
[16]  السيرة الحلبيّة، الحلبيّ، ج2، ص50.

09-05-2019 | 12-12 د | 160 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net