الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1401- 08 شعبان 1441هـ - الموافق 02 نيسان 2020م
الصبر والثبات في أيام المحن

تأسيس المؤسّسة التبليغيّةمراقباتإخْتِبارُ الرّحْمَةهُوَ مَوْلانامراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَكلمة الإمام الخامنئي في لقاء أهالي آذربيجان الشرقيةمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدان

 
 

 

التصنيفات » منبر المسجد » منبر المحراب

العدد 1395 - 25 جمادى الثانية 1441هـ - الموافق 20 شباط 2020م
الاعتدال في الإنفاق

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الاعتدال في الإنفاق

محاور الخطبة
- الاعتدال في الإنفاق مسألة فرديّة واجتماعيّة
- النهي عن الإسراف والتبذير
- ذمّ الإسراف
- أدنى حدود الإسراف
- مراعاة الآخرين عند الإنفاق
- الله الله في القصد والاعتدال!

مطلع الخطبة
قال الله -تعالى- في محكم كتابه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾[1].

الاعتدال في الإنفاق مسألة فرديّة واجتماعيّة
أيّها الأحبّة،
لم يعدِ الكلام في الإنفاق والاعتدال فيه قضيّة فرديّة، فقد أصبحت قضيّةً عالميّةً، تقوم الدول والأنظمة في العالم بوضع خطط اقتصاديّة شاملة، تكون في بعض الأحيان صارمةً وحاسمةً، بغية الحفاظ على الموارد الطبيعيّة والماليّة للمجتمعات البشريّة.
وإن دلّ هذا على شيء، إنّما يدلّ على المخاطر الجسيمة التي قد تصيب المجتمعات البشريّة جرّاء هدر المال والموادّ الغذائيّة والأوّليّة التي أوجدها الباري -سبحانه- لينعم بها الإنسان.
وقد أرشدنا الله من خلال دينه الحنيف، المتمثّل بآيات القرآن الكريم وسنّة نبيّه الأعظم (صلّى الله عليه وآله) إلى ضرورة الاعتدال في الإنفاق، وعدم إضاعة ما أنعمه علينا من مواردَ وخيرات، بل وصل أمر الإرشاد في ذلك إلى أن يكون هناك أحكام صارمة وحازمة، كالحكم بحرمة الإسراف وهدر المال والنعم، وحرمة تبذيرها.

ولا بدّ من ذكر نقطتين أساسيّتين في موضوعنا هذا:

النقطة الأولى: ما بين أيدينا كلّه لله
أيّها الأحبّة،
إنّ ما نملكه في هذه الحياة الدنيا كلّه ليس إلّا ملكاً اعتباريّاً، وإنّ المالك الحقيقيّ هو الله -سبحانه-، قال الله -عزّ وجلّ-: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[2].
وهذا يعني أنّ على الإنسان أن ينظر إلى النعم التي أنعم الله بها عليه نظرةً موضوعيّةً، وبأنّه ليس مصاحباً لها.

النقطة الثانية: الإنسان مستخلَف على ما يملك
إذا كان المالُ مالَ الله، فإنّ الإنسان في هذه الدنيا مستخلَف عليه، قال الله -عزّ وجلّ-: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾[3].
هاتان النقطتان، تؤسّسان لكيفيّة تعامل الإنسان مع النعم التي بين يديه، وبأن يلتفت إلى أنّ ما يملكه في هذه الدنيا إنّما هو كصاحبٍ له، مآله أن يتركه يوماً، ليذهب إلى عالم آخر بعد الموت.

النهي عن الإسراف والتبذير
ولأنّ اللهَ -تعالى- حكيمٌ، عالمٌ بمصلحة العباد وبنفوسهم، فإنّه -عزّ وجلّ- وضع حدوداً للإنفاق ممّا يمتلكونه في هذه الحياة، فنهى عن الإسراف والتبذير، وأمر بالاقتصاد والوسطيّة والاعتدال في الإنفاق، دون أن يمنع الإنسان من التنعّم بنعمه -تعالى-، وهو القائل -سبحانه-: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾[4].

قال الله -عزّ وجلّ-: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾[5].

هذه الآية المباركة توضح لنا أنّ الإنسان ينبغي أن يكون في مسألة الإنفاق معتدلاً، بأن لا يسرف ولا يقتّر.

أمّا الإسراف، فهو مجاوزة الحدّ في النفقة على الطعام والشراب واللباس وغيرها من متاع الدنيا.

أمّا التقتير، فهو التضييق في النفقة، وهو ضدّ الإسراف.

والقوام في الآية بمعنى الاعتدال والحدّ الوسط.

وقال -سبحانه-: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّـهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّـهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾[6].

فالإنفاق على قدر ما يستطيع، بأن لا يضيّق على نفسه بغية الحصول على ما تشتهيه نفسه إلّا بالقدر الذي يستطيع، وأن يكتفي بالأمور الضرورة واللازمة، لا كما يفعل بعض الأشخاص، حيث يقدمون على الاستدانة من أجل شراء بعض الكماليّات أو القيام بأمور هم بالغنى عنها.

وقد وعد الله -تعالى-، بأنّه سيرزق أمثال هؤلاء، وأنّه سييسّر لهم أمورهم ويخرجهم من الضيق الذين هم فيه، حيث قال: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾.

عن الإمام الصادق (عليه السَّلام): «أَتَرَى اللهَ أَعْطَى مَنْ أَعْطَى مِنْ كَرَامَتِهِ عَلَيْهِ وَمَنَعَ مَنْ مَنَعَ مِنْ هَوَانٍ بِهِ عَلَيْهِ؟! كَلَّا، وَلَكِنَّ الْمَالَ مَالُ اللهِ يَضَعُهُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَدَائِعَ، وَجَوَّزَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا قَصْداً، وَيَشْرَبُوا قَصْداً، ويَلْبَسُوا قَصْداً، وَيَنْكِحُوا قَصْداً، يَرْكَبُوا قَصْداً، وَيَعُودُوا بِمَا سِوَى ذَلِكَ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَرْمُوا بِهِ شَعَثَهُمْ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مَا يَأْكُلُ حَلَالًا، وَيَشْرَبُ حَلَالًا، وَيَرْكَبُ حَلَالًا، وَيَنْكِحُ حَلَالًا، وَمَنْ عَدَا ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ حَرَاماً».

ثُمَّ قَالَ: «﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، أَتَرَى اللَّهَ ائْتَمَنَ رَجُلاً عَلَى مَالٍ، يَقُولُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ فَرَساً بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَتُجْزِيهِ فَرَسٌ بِعِشْرِينَ دِرْهَماً، وَيَشْتَرِيَ جَارِيَةً بِأَلْفٍ، وتُجْزِيهِ جَارِيَةٌ بِعِشْرِينَ دِينَاراً»[7].

ذمّ الإسراف
وقد ورد العديد من الآيات والأحاديث التي تذمّ الإسراف، كما في قوله -تعالى-: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[8].

وعن الإمام عليّ (عليه السلام): «الإسرافُ مَذمومٌ في كُلِّ شَي‏ءٍ، إلّا في أفعالِ البِرّ»[9].

وعنه (عليه السلام) أيضاً: «ألا وإنّ إعطاءَ المالِ في غير حقِّه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا، ويضعه في الآخرة، ويُكْرِمُهُ في الناس ويُهينُه عند الله!»[10].

وفي دعاءٍ للإمام السجّاد يقول فيه (عليه السلام): «وامنَعْني مِنَ السَّرَفِ، وحَصِّنْ رِزقي مِن التَّلَفِ، ووَفِّرْ مَلَكَتِي بالبَرَكَةِ فيهِ، وأصِبْ بِي سَبيلَ الهِدايَةِ لِلبِرِّ فيما أُنفِقُ مِنهُ»[11]، وهو يدلّ على مذموميّة الإسراف.

علامات المسرف
ويُطلَق الإسراف على من يُقدِم على شراء واستهلاك ما ليس بمقدوره من الناحية الماليّة، كما ورد في حديث لقمان (عليه السلام) لابنه: «للمسرف ثلاث علامات: يشتري ما ليس له، ويلبس ما ليس له، ويأكل ما ليس له»[12].

أدنى حدود الإسراف
لو قرأنا بعضاً من الأحاديث التي تشير إلى حدّ الإسراف، لوجدنا أنّها دقيقة للغاية في توصيف حدوده.

فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السَّلام): ما أَدْنَى مَا يَجِي‏ءُ مِنْ حَدِّ الْإِسْرَافِ؟ فَقَالَ: «ابْتِذَالُكَ ثَوْبَ صَوْنِكَ، وَإِهْرَاقُكَ فَضْلَ إِنَائِكَ، وَأَكْلُكَ التَّمْرَ وَرَمْيَكَ النَّوَى هَاهُنَا وَهَاهُنَا»[13].

وورد أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرّ بسعدٍ وهو يتوضّأ، فقال (صلّى الله عليه وآله): «ما هذا السرف يا سعد؟!» قال: أفي الوضوء سرف؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): «نعم، وإن كنت على نهرٍ جارٍ»[14].

التبذير
وممّا يدخل في نقيض الاعتدال في الإنفاق التبذير؛ ويعني عدم إحسان التصرّف في المال، وصرفه فيما لا ضرورة فيه ولا حاجة إليه.

وقد نهى الله -تعالى- عن التبذير؛ لما فيه من مساوئ وأضرار، قال -سبحانه-: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾[15].

مراعاة الآخرين عند الإنفاق
قد يكون المرء ميسوراً، وقادراً على الإنفاق بما لا يستطيعه غيره، إلّا أنّ هذا لا يسوّغ له إظهار قدرته الماليّة إلى الحدّ الذي يمكن من خلاله أن يؤذيَ من لا يستطيع فعل ما يفعل؛ ولهذا فقد ورد ما يدلّ على النهي عن ذلك احتراماً لمشاعر الآخرين، فعن الحسين بن أبي العلا، قال: خرجنا إلى مكّة نيّفاً وعشرين رجلاً، فكنت أذبح لهم في كلّ منزل شاةً، فلمّا أردت أن أدخل على أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يا حسين، وتذلّ المؤمنين؟!»، قلت: أعوذ بالله من ذلك، فقال: «بلغني أنّك كنت تذبح لهم في كلّ منزل شاةً»، فقلت: ما أردت إلّا الله، قال: «أما علمت أنّ منهم من يحبّ أن يفعل مثل فعالك، فلا يبلغ مقدرته، فتقاصر إليه نفسه؟!»، قلت: أستغفر الله، ولا أعود[16].

الله الله في القصد والاعتدال
أيّها الأحبّة،
إنّنا في هذه الأيّام بأمسّ الحاجة إلى التمسّك بإرشادات ديننا الحنيف؛ ذلك أنّ الضيق الاقتصاديّ الذي يعمّ هذه البلاد، بأسبابٍ مختلفة، يُلزمنا أن نعمد إلى الاقتصاد في العيش وحسن التدبير والتقدير أمور حياتنا، حفظاً لنعم الله أوّلاً، واتّقاءً لمساوئ ما نعيشه من وضع اقتصاديّ، يتأثّر به الغنيّ والفقير، وصاحب المهنة والموظف، والناس كلّهم.

من هنا، من الجميل أن يبدأ المرء باتّباع سياسة اقتصاديّة فرديّة داخل أسرته وحياته الشخصيّة، وأن تعمّ هذه الثقافة مجتمعنا بأكمله، حتّى وإن كنّا نعيش حالةً من الرفاه الاقتصاديّ في بلادنا، إلّا أنّ هذه الثقافة لا بدّ من أن تصبح متجذّرةً فينا؛ ذلك أنّها تتناغم مع ديننا وثقافته، الذي ما أرشدنا إلى شيء إلّا وكان فيه صلاح حياتنا الدنيا وحياتنا الآخرة.

وقد ورد في تدبير العيش العديد من الأحاديث والروايات، منها ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «حسن التدبير مع الكفاف، أكفى لك من الكثير مع الإسراف»[17].

وعنه أيضاً (عليه السلام): «صلاحُ العيشِ، التدبيرُ»[18].

وعنه (عليه السلام): «القليل مع التدبير، أبقى من الكثير مع التبذير»[19].


[1] سورة الفرقان، الآية 67.
[2] سورة المائدة، الآية 120.
[3] سورة الحديد، الآية 7.
[4] سورة الضحى، الآية 11.
[5] سورة الفرقان، الآية 67.
[6] سورة الطلاق، الآية 7.
[7] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 72، ص 305.
[8] سورة الأعراف، الآية 31.
[9] الشيخ النوريّ، مستدرك الوسائل، ج15، ص271.
[10] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج32، ص48.
[11] الصحيفة السجّاديّة، ص100.
[12] الشيخ الصدوق، الخصال، ص121.
[13] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج6، ص460.
[14] الشيخ الطبرسيّ، تفسير جوامع الجامع، ج2، ص370.
[15] سورة الإسراء، الآية 27.
[16] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج11، ص415.
[17] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص79.
[18] الليثي الواسطيّ، عيون الحكم، ص303.
[19] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم، ص58.

20-02-2020 | 11-21 د | 153 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net