الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1286 - 30 ربيع الثاني 1439هـ - الموافق 18 كانون الثاني 2018م
الجهاد الزّينبي... ورموز الظّلم

تقوية الفقه والاهتمام بالمسائل الأخرى في الحوزات‏خصائص المبلّغ (15) حُسن المظهر (زينة الظاهر)مراقباتإيّـاكـم وطـول الأمـلکلمة الإمام الخامنئي في لقاء حشدٍ كبير من أهالي قم بمناسبة ذكرى 19ديمراحل الإعداد والاصطفاء بين مريم والزهراء عليهما السلامأهمُّ الأشياء لطالبِ القُرْبِ، الجدُّ في تَرك المعصية
من نحن
 
 

 

روضة المبلغين
العلمانية والإسلامية (1) العلمانية منشأها وأسباب ظهورها وعوائق رواجها
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

إشارة
المقال الذي بين أيدينا عبارة عن دراسة مختصرة حول "العلمانية". سنحاول خلاله القاء نظرة على المعنى اللغوي والاصطلاحي للعلمانية، الأصول والمبادئ الأساسية لهذه العقيدة، منشأها وأسباب ظهورها وقدمتها التاريخية في الغرب المسيحي وفي العالم الإسلامي وفي إيران ونعرج بعد ذلك على دوافع رواج هذا الفكر ومن ثم نعالج موضوع العلمانية والإسلام وبطلان هذه العقيدة من وجهة نظر الإسلام.

معنى العلمانية اللغوي
العلمانية أو (secularism) تعود إلى الأصل اللاتيني "سكولاريس" وقد استعملت في الثقافة الغربية بمعانٍ متعددة من جملة معانيها:

- سكولاريسم: تعنى مخالفة الشرعيات والمسائل الدينية، امتلاك روحية طلب الدنيا، الدفاع عن الأصول الدنيوية والعرفية، فصل الدين عن السياسة، ابعاد الدين عن الدنيا، الاهتمام بالجانب العلمي، التجديد، الاعتقاد بأصالة الأمور الدنيوية، الميل نحو غير الدين، الميل نحو اللاتديّن، الدنيوية، وكل ذلك مختص بهذا العالم.

سكولار: أي المتعلق بالدنيا، غير روحاني، غير ديني، عامي، عرفي، أميّ، الشخص غير المتعلق بالدين والأمور المعنوية1.

سكولاريزه: أي جعل الشيء دنيوياً وغير معنوي، التخلص من قيود الرهبنة والقسوسة، الاختصاص بالأمور غير الروحانية، الخروج من عالم الروحانيات، عبادة الدنيا، اعطاء بعد دنيوي للعقائد2.

Atheism، الالحاد: انكار وجود الله تعالى، عدم الاعتقاد بالخالق.

لائيسم: أي التعلق بالشخص الدنيوي وغير المعنوي، الخروج من سلك العلماء.

تتحدث دائرة المعارف بريتانيكا عن معنى اللائيسم وتقول أنها من جملة مصاديق السكولار، لأن تفكيك الدين عن السياسة أخص من السكولار، والسكولار أعم من اللائيك3.

العلمانية اسم وإشارة لفظية لتسمية العديد من الحوادث والآليات والسنن والمنظمات والنظريات والايديولوجيات المتنوعة التي وجدت في أنحاء مختلفة من أوروبا وقد بدأت طلائعها مع نهضة الاصلاح الديني4.

معنى العلمانية الاصطلاحي
بما أن العلمانية تتشكل من أبعاد متنوعة ومختلفة في المجالات السياسية، الاجتماعية، الثقافية، الدينية و... لذلك من الصعب تقديم تعريف جامع ومانع للعلمانية كما هو الحال في المعنى اللغوي.

يتحدث "براين رويلسون" حول صعوبة تقديم تعريف للعلمانية ويقول: "إن مفهوم الفصل بين الدين والدنيا يفتقد التعريف القطعي المتفق عليه، على أساس الظواهر المتعلقة بهذا المفهوم تشكل طيفاً اجتماعياً واسعاً".

ويضيف: "إذا أردنا تقديم تعريف اجمالي لفصل الدين عن الدنيا أمكننا القول: إِنها عبارة عن عملية يفتقد فيها الوجدان الديني، والنشاطات الدينية، والمؤسسات الدينية اعتبارها وأهميتها من الناحية الاجتماعية. وهذا يعني صيرورة الدين في الحاشية على مستوى عمل النظام الاجتماعي، وصيرورة عمل المجتمع خارجاً من نظارات العوامل التي تؤثر فيها ما وراء الطبيعة"5.

وجاء تعريف العلمانية في قاموس اكسفورد على النحو التالي: "هي الاعتقاد بإبتناء الأمور التعليمية ومختلف القضايا الاجتماعية على المعطيات العلمية بدل ابتنائها على الدين"6.

بناءً على ما تقدم يمكن تقديم تعريف جامع للعلمانية: "العلمانية عبارة عن عدم الاعتقاد أو عدم الاعتناء بالدين أو اخراج الدين والأمور المبتنية على الدين من ساحة النشاطات البشرية من قبيل الحكومة، السياسة، الأخلاق والثقافة وغيرها".

الأصول الأساسية للفكر العلماني
تقوم العلمانية على مجموعة من الأصول باعتبارها نظاماً فكرياً جديداً في المجتمع الغربي، وهذه الأصول عبارة عن:

1ـ العقلانية ( Rationalism)
العقلانية أو محورية العقل من جملة الأصول الأساسية للعلمانية. والمقصود من ذلك اعطاء الأصالة للعقل والميل نحوه. وهذا يعني أن العقل قادر بمفرده على التقنين بمعزل عن الوحي. وبالتالي لا يبقى أي حاجة للأديان والأنبياء والكتب السماوية والتعاليم الإلهية إذ يمكن رفع الاحتياجات البشرية من خلال العقل فقط. ويعتبر رينه دكارت (1596 ـ 1650) من المؤسسين لهذا التيار.

يعتبر العقل في الفكر الإسلامي من جملة مصادر استنباط الأحكام الشرعية وهذا يعني أن العقل لا يتمكن بمفرده وبشكل مستقل عن الوحي من وضع قوانين صالحة للحياة البشرية.

وعندما نلاحظ الآيات القرآنية والروايات الشريفة تدعو إلى التعقل والتفكر فالمقصود التعقل والتفكر في أجواء أصل اثبات الدين والاعتقادات فهو أداة لفهم التعاليم الدينية.

2ـ العلمية (Scintism)
العلمية، أو الأصالة العلمية والميل نحو العلم واحد آخر من الأصول الأساسية للعلمانية. والمقصود الدقيق من التوجه العلمي لدى العلمانية هو الاعتماد الافراطي على العلوم التجريبية والعلوم الاجتماعية والمعارف البشرية7.

ظهرت مسألة التعارض بين العلم والدين بعد عصر النهضة إتساع دائرة البحث التجريبي، فعمل التجربيون على تقديم العلم على الدين، فكانوا يرفضون ويطردون كل ما لا يحصل بالتجربة فأدى الأمر إلى شعور الإنسان بضعف ارتباطه بالدين.

بدأ التعارض بين العلم والدين بالظهور منذ النظريات الأولى في علم الفضاء والهيئة والتي لعب فيها كوبرنيك، كبلر وغاليله الدور الأول والأساس حيث اعتبرت الكنيسة أن هذه الأفكار تعارض ظواهر الكتاب المقدس.

حاولت الكنيسة بداية مقاومة هذه الظاهرة إلا أنها أجبرت أخيراً على التراجع فكانت النتيجة الفصل بين الدين والعلم. وبدأت بوادر الحديث عن أن للدين لغة خاصة به وللعلم لغة خاصة أيضاً وروح الدين عبارة عن مسألة تتعلق بالتضرع والتوجه نحو الله8.

من المناسب هنا الالتفات إلى قضية هامة وهي أن الدين الحقيقي (الإسلام) يتعارض مع العلم. فماهية العلم اكتشاف المجهولات والوصول إلى الواقع وإلا لم يكن علماً، وهذا يعني أن النظريات والفرضيات أمور ظنية. فنظرية تكامل الأنواع التي عرضها داروين ما هي إلا فرضية، لا يؤدي تعارضها مع التعاليم الدينية إلى ايجاد أي خلل على مستوى الاعتقادات. لا بل هناك العديد من نتائج العلم يقينية وقطعية ولا تتعارض مع الاعتقادات الدينية للمسلم.

3ـ النسبية (Relativism)
النسبية من جملة الأصول الأساسية والنظرية للعلمانية. وتطرح النسبية في مجال القيم الأخلاقية والمعرفية. ويعتمد العلمانيون على النسبية للقول بإمكانية الخطأ عند البشر ومحدودية فهم وإدراك الإنسان.

ويتحدث العلمانيون عن فرض أساسي وهي أن الإنسان موجود يخطئ لامتلاكه ادراكاً غير ناضج، لذلك لا يجب أن نتوقع منه الألوهية. وإذا كان الخطأ يطال المعرفة الإنسانية فإن هذا الخطأ أمر نسبي ومحدود وغير ناضج وغير مقدس.

يعتقد العلمانيون أن لا وجود للقيم المطلقة والثابتة والكلية والدائمة، وأما الأمور الأخلاقية والادراكات البشرية فهي محدودة ومؤقتة ونسبية ولا يوجد حسن وقبيح مطلق، وكل ما هو موجود عبارة عن انتاج عقل وادراك الإنسان المحدودين، وهو تابع للظروف الاجتماعية والبيئية. مثال ذلك: لا يمكن الحكم حول حسن أو قبح اسقاط الجنين أو منع ذلك. ولا وجود لأي قيمة مطلقة أو أمور مقدسة.

فالإنسان هو الذي يخلق القيم. والقيمة وضدها عبارة عن مفاهيم نسبية ووضعية لا تقبل التصديق أو التكذيب المنطقي.

4ـ الالحاد
الالحاد أحد أهم الأصول التي تقوم عليها العلمائية. والمقصود الاعراض عن الله والاستغناء عن الحق والابتعاد عن كل ما هو قدسي ومعنوي. ويطلب العلمانيون من اتباعهم الحياة من دون الله وتنظيم الأمور من دون لحاظ وجوده. لا بل يجب جعل الله مسكوتاً ومغفولاً عنه. بناءً على هذه الرواية لا يبقى أي حاجة.

5ـ الاباحية
المقصود من الاباحية الاعتقاد بالحرية المطلقة التي لا حَدّ لها وتجويز عدم القيود في الحياة البشرية. بناءً على هذه الرواية لا يبقى أي مجال للقول بنظارة ورقابة الله تعالى ولا للقول بالثواب والعقاب الأخرويين، ولا للقول بوجود قيم أخلاقية ثابتة. فالإنسان موجود حُرُّ يعمل ما يريد.

والحرية في الإسلام عبارة عن موهبة إلهية وهي قيمة عالية. وبما أن هدف الله تعالى من الخلق ايصال البشر إلى الكمال والسعادة، فإن الربوبية الإلهية تقتضي وجود قوانين جامعة ومرنة ودقيقة تساهم في هداية الإنسان نحو الكمال، وبذلك يتمكن الإنسان من الحركة والسير في اطار هذه القوانين بحياته المادية والمعنوية. لذلك فالحرية من وجهة نظر الإسلام هي التي توصل إلى السعادة في ظل القوانين9.

6ـ أصالة الإنسان (humanism)
يعتبر هذا الأصل واحداً من أهم المفاهيم التي تشكل الهوية الثقافية للغرب الجديد. بناءً على هذا الأصل يصبح الإنسان هو المحور والمدار لجميع الأشياء، وهو خالق القيم ومعيار تشخيص الخير والشر. وبعبارة أخرى يصبح الإنسان هو الموجود الذي يلعب دور الله، يتمكن من حل مشاكل الحياة من دون الرجوع إلى الله.

وبما أن الإنسان يمتلك العقل والعلم فلا حاجة لديه للدين. وهذا يعني محورية الإنسان وجعل الدين أرضياً وغير معتبر، وصيرورة الإنسان ذا بُعدٍ ماديّ لا وجود للبُعد المعنويّ فيه.
بناءً على هذه الرؤية تعطى الاصالة للإنسان وتنحصر الحاجة لله في بعض المسائل المتعلقة برفع الآلام الروحية وإلا فالله لا اصالة له على الاطلاق. يحصل النظام السياسي القائم على هذا الأصل على مشروعيته من خلال الناس أي من خلال ما اصطلح على تسميته "العقد الاجتماعي" الذي يتجلى في العصر الحاضر في ما يعرف بالانتخابات وآراء الناس.

7ـ أفكار الدين
تقوم الثقافة الغربية اليوم على مبدأ التحول والتطور ومواجهة السنن، ويتابع العلمانيون مسألة أفكار ورفض الدين من خلال الأصول المتقدمة. ويشكل هذا الأصل المحور الذي دارت عليه أغلب المفكرين والكتاب في مرحلة ما بعد النهضة الغربية. ويعتبر ماكياويلي (1469 ـ 1527) من أبرز المنظرين له، وقد اعتبر أن الدولة عبارة عن ظاهرة طبيعية لا علاقة لها بما وراء الطبيعة على الاطلاق، وأما الدين فما هو إلا آلة بيد الحاكم.

قراءة مختصرة في الجذور التاريخية للعلمانية
ظهرت النظرية العلمانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر على أثر المنهج التفكيري والأساليب الاجتماعية والسياسية التي اتبعتها الكنيسة في الغرب10، واستخدم تعبير (sewlarization) لأول مرة في اللغة الأوروبية عام 1648 في معاهدة فستغالي. وكان يقصد من تلك العبارة في تلك المرحلة أن المؤسسات والأراضي التي كانت موجودة تحت سلطة الكنيسة، قد خرجت عن سلطتها وأصبحت تحت سلطة سياسية غير دينية. لذلك استعانوا بعبارة "سكولاريس" للتعبير عن هذه الحقيقة. وفي الوقت عينه بدأ استعمال هذه العبارة بين الناس للإشارة إلى التفكيك بين الأمور المقدسة والدينية والأمور الدنيوية. وأصبح يطلق على القساوسة الذين يمارسون أعمالاً قساوسة سكولار.

واستعمل علماء الاجتماع في القرن العشرين هذا المصطلح في معنى آخر حيث أرادوا الاشارة إلى مجموعة الحركات والتحولات التي أدت إلى خروج المؤسسات الاجتماعية عن سلطة المراجع الرسمية الدينية والتي تم استبدالها بالأساليب العقلية وغير الدينية والعلمية والتجريبية11.

يتضح مما تقدم أن العلمانية ظهرت في الغرب وقد امتدت لتشمل على جوانب وابعاد مختلفة مع مرور الزمان. يقول ويلسون في هذا الشأن: "إن مسألة الفصل بين الدين والدنيا هو مفهوم غربي ظهر في أبرز صوره خلال القرن الحالي في الغرب"12.

عوامل ظهور العلمانية في العالم الغربي
يمكن ارجاع عوامل ظهور العلمانية في الغرب إلى مجموعتين أساسيتين (العوامل الداخلية والعوامل الخارجية):

1ـ العوامل الداخلية
المقصود من هذه العوامل المواقف الكلامية للدين المسيحي. فلو حاولنا الاطلالة وبشكل مختصر على الدين المسيحي لوجدنا مقدار النقص الذي يعاني منه على المستوى الاعتقادي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار النمو والتطور المعرفي للبشر وتقدم العلوم التجريبية، فإن الدين المسيحي لم يتمكن من ايجاد مكان له على مستوى ذاك التطور والتقدم الحاصل.

يقول الأستاذ مطهري في هذا الخصوص: "قدمت الكنيسة سلسلة من المفاهيم الصبيانية وغير الكاملة حول الله، لا تتوافق مع الحقيقة بأي شكل من الأشكال. وهذا يعني أنها غير قادرة على اقناع الأشخاص المثقفين والواعين، لا بل جعلت هؤلاء يظهرون نوعاً من التنفر والكراهية للمذهب الإلهي"13.

بناءً على ما تقدم اضطربت حاكمية الكنيسة بحركة واحدة وظهر عجزها في مقابل حركة الاصلاح الديني التي قادها "مارتين لوثر" فظهرت فلسفة سياسية جديدة قضت على سلطة الكنيسة.

سنحاول الاطلالة على العوامل الداخلية ضمن محاور ثلاث:

أــ عدم ارتباط المسيحية بالوحي
يعتبر هذا الأمر العامل الأول لظهور الفكر العلماني في الثقافة الغربية. وأما العهدين (التوراة والانجيل) فهما عبارة عن رواية سلوك وأقوال النبي موسى عليه السلام والنبي عيسى عليه السلام ونقل أخبار حياتهم اليومية. التوراة والأناجيل الأربعة الموجودة حالياً ليست نصاً وحيانياً، وعدم وجود نص وحياني ساهم في ظهور أفكار وعقائد غير صحيحة وخرافية كعقيدة التثليث والمعصية الجبليّة والفداء و... وقد أدى هذا الأمر إلى الابتعاد عن العقلانية بالأخص فيما يتعلق بالعقائد الدينية14.

ب - النقص في النصوص الدينية المسيحية (الأناجيل الأربعة)
لعل من أهم العوامل التي ساهمت في ظهور الفكر العلماني في الثقافة الغربية، هو الكتاب المقدس والنصوص العديدة التي أيدت مسألة التفكيك بين الدين والحكومة. فيما يلي نشير إلى بعض الشواهد من الأناجيل الأربعة:

بناءً على النص الموجود في الانجيل فإن تقسيم العمل بين الكنيسة والقيصر أمر مقبول. لأنه بناءً على النص ما لقيصر فهو لقيصر وما لله فهو للكنيسة. نقرأ في الانجيل العبارة التالية: "حينئذٍ ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين يا معلم نعلم أنك صادق ونعلم طريق الله بالحق ولا نبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس. فقل لنا ماذا تظن. أيجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا. فعلم يسوع خبثهم وقال لماذا تجربونني يا مراؤون، أروني معاملة الجزية. فقدموا له ديناراً. فقال لهم لمن هذه الصورة والكتابة. قالوا له لقيصر. فقال لهم أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله"15.

يقول النبي عيسى عليه السلام في جواب سؤال بيلاطيس الذي سأله: هل أنت ملك اليهود؟: "مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا"16.

عندما شاهد بعض الناس معجزة عيسى عليه السلام طلبوا منه أن يكون حاكماً عليهم، أما عيسى فقد امتنع عن ذلك: "وأما يسوع فإذا علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده"17.

يتضح من النصوص المتقدمة أن عيسى عليه السلام كان يسعى دائماً لابعاد نفسه عن الحكومة والسياسة وكان يحذر المحيطين به من ذلك.

ج ـ الفقر في الكلام والإلهيات المسيحية
من العوامل التي ساهمت في وجود الأفكار العلمانية، الإلهيات والعقائد الجافة في المسيحية. إِن اصرار آباء الكنيسة على التمسك بظواهر آيات الانجيل، أدى إلى تقديم قراءة للدين لا تتناسب مع العقل والعلم وقد ساهم هذا الأمر في توجيه النقد للمسيحية وافساح المجال للملحدين في التعرض للدين المسيحي. وفي هذا الاطار يمكن الاشارة إلى نماذج متعددة من جملتها المعصية الجبليّة ومسألة الفداء والتثليث وعصمة البابا...

1ـ ج ـ المعصية الفطرية ومسألة الفداء
يعتقد أصحاب الكنيسة أن معصية آدم في الجنة انتقلت إلى أبنائه، وهذا يعني أن جميع نسله عاصون بالفطرة، وأما التخلص من المعصية الفطرية فغير ممكنة عن طريق العبادات والأعمال الحسنة، لذلك قدم عيسى عليه السلام نفسه فداءً كفارة للمعاصي. نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية: "متبررين مجاناً بنعمته بالفداء بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار برّه من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله"18.

إن مسألة المعصية التي ارتكبها آدم منذ آلاف السنين والصفح عنها من خلال التضحية بإنسان آخر، جزء أساسي من العقائد الكلامية المسيحية19 التي روّج لها آباء الكنيسة ومن أبرزهم القديس "اغوستين" (354 ـ 430). واعتبرت مخالفة هذه العقيدة مخالفة للدين حيث يترتب على ذلك أنواع من العقوبات. لعل من أبرز المعارضين لهذه العقيدة القسيس "بلاكيوس" المعاصر لأغوستين الذي خلع عن منصب القساوسة ثم اختفى من الوجود20.

2ـ ج ـ رسالة العفو أو الغفران
"رسالة العفو" من الأعمال الأخرى التي روجت لها الكنيسة، أي بيع الجنة بواسطة القساوسة. وكان العاصون يقدمون بعض الأموال للقساوسة بهدف العفو عن معاصيهم. ولعل البابا لوي العاشر كان من أبرز الذين عملوا على بيع المعاصي والذنوب بهدف بناء كنيسته الفخمة التي تطلبت مبالغ طائلة.

اعتبرت الكنيسة هذه الممارسة جزءً أساسياً من الإلهيات المسيحية حيث اعتمدوا في جوازها على كلام منسوب للسيد المسيح يخاطب به بطرس، يقول فيها: "وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات. وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات"21.

عارض الاصلاحيون عقيدة الكنيسة هذه وقد اعتبر ويل ديورانت أنها كانت الشعلة الأولى لحركة الاصلاح الديني22.

من جهة أخرى أدت هذه العقيدة إلى وجود ورواج المفاسد والانحرافات في أوروبا وقد شرح "تامس غسكوين" رئيس جامعة اكسفور في العام 1450 الآثار السلبية لهذه العقيدة فقال:
"اليوم يقول العصاة: لا اهتم بمقدار المعاصي التي ارتكبها إذا ما وقفت أمام الله، فأنا ارتكب المعاصي، لأنني سأحصل على البراءة من المعاصي من خلال الاعتراف وطلب العفو من القساوسة. لقد انتشر بائعو رسائل العفو في أنحاء البلاد وكانوا يبيعون الواحدة بريالين (بنس) أو بجرعتين من الشراب أو ماء الشعير..."23.

3ـ ج ـ عصمة البابا وعدم قبول النقد
إن العصمة التي أحاطت الكنيسة بها ومصونيتها عن الخطأ، من الأمور الخاطئة في الكنيسة. تعتبر الكنيسة وعلى رأسها البابا أنهم جزء من مقدسات الدين المسيحي وخلافة الله وعيسى المسيح. فآراء الكنيسة بمنزلة الكتاب المقدس لا تقبل النقد لا بل هي واجبة الطاعة.

يقول القديس "اغوستبنوتر" في رسالته: "إن سلطة الباب من الله، لأنه خليفته والقائم مقامه على الأرض. وطاعة البابا واجبة حتى لو كان مستغرقاً في المعاصي... إن مقام البابا أعلى من مقام الملائكة"24.

إن نظرة اجمالية على العوامل الداخلية تبين أن النصوص الدينية المسيحية ساهمت بشكل كبير في ظهور الفكر العلماني.

2ـ العوامل الخارجية
المقصود من العوامل الخارجية مجموعة الشروط الظروف السياسية والثقافية الخاصة التي ساهمت في رشد ونمو وتطور العلمانية. فيما يلي نشير إلى أربع مسائل:

أ- الاختلاف بين الدولة والكنيسة
إن المشاجرة والخلاف الذي حصل بين البابا والسلطة الفرنسية بين الأعوام 1269 ـ 1303 أدت إلى الحد من سلطة البابا حيث كانت سلطة غير محدودة وقد ضمنها القانون له أما المشاجرة تلك أدت إلى تغيير في سلطته.

كذلك يمكن الاشارة إلى المشاجرة التي حصلت بين "جان الثاني والعشرون" و"لوي باوير" حيث أدى الأمر إلى ظهور عقيدة عدم استقلال البابا ، وساهم أيضاً في ازدياد الأصوات المنادية بعدم حاجة المجتمعات البشرية إلى بسط سلطة البابا وبالتالي المناداة بالعلمانية. وقد أدى الأمر في النهاية إلى اتباع عقيدة توماس آراس (القرن 16) القائلة بأن الدولة تمتلك حق الرئاسة على الكنيسة والمذهب والكنيسة تابعة للدولة. وهذا يعني الحد من سلطة الكنيسة وحصر دور القساوسة فيما يتعلق بالعالم الآخر25.

ب ـ حركة الاصلاح الديني
لعبت حركة الاصلاح الديني دوراً مؤثراً في وجود العلمانية في الغرب وهي عبارة عن حركة تهدف إلى التقليل من دور الدين في الحياة.

يعتبر مارتين لوثر (1483 ـ 1546) من طلائع هذه النهضة حيث كان يعمل من أجل اصلاح الدين واحلال نوع من الانضباط في الكنيسة فقدم آراءً جديدة حول المسيحية. ومن جملة الأصول التي وصل إليها، الفصل بين الدين والسياسة حيث اعتبر أن الملوك يحصلون على سلطتهم من الله تعالى مباشرة وما على رجال الدين إلا الاهتمام بالأبعاد المعنوية والروحية.
ساهمت حركة الاصلاح الديني في تزلزل سلطة الكنيسة وظهور فلسفة سياسية جديدة أدت في النهاية إلى نوع من الحرب بين الفرق الدينية وبالتالي زوال قدرة وسلطة الدين وظهور العلمانية26.

ج ـ الفساد المالي والأخلاقي للكنيسة
أدى الفساد المالي والأخلاقي لقساوسة الكنيسة إلى حذف الكنيسة عن الساحة السياسية والاجتماعية. لقد عمل القساوسة بكامل قوتهم وعبر طرق وأساليب متعددة للحصول على ثروات طائلة. ومن جهة ثانية كان الكثير منهم غارقون في المفاسد والمنكرات. وهكذا أصبح الناس يبتعدون عن الكنيسة بمجرد اطلاعهم على هذه الأمور.

ذكر ويل ديورانت في كتابه تاريخ الحضارة نماذج متعددة للفساد المالي والأخلاقي الذي كان يحيط بالقساوسة، نشير إلى بعض منها:

يقول القديس برناردنيو: "بما أن الكثير من الناس يشاهدون ما عليه الرهبان والقساوسة من وضاعة وحب للدنيا، لذلك نراهم بدأوا يفقدون إيمانهم"27.

يتحدث ديت نورنبرغ في لائحة أصدرها عام 1522 حول تمركز الثروات يقول: "لقد جمعت الكنيسة نصف ثروة الألمان، وخمس أو ثلاثة أرباع ثروة فرنسا وهناك ثلث أراضي بريطانيا تعود إليها"28.

يقول جان يروميار: "إن جميع القساوسة غارقون في عبادة البطون وعدم الطهارة. ولذلك تحولت مجامع الرهبان إلى أماكن للفحشاء والمفسدين..."29.

د ـ الخشونة في الكنيسة
إذا كان ينبغي على هداة الدين أن يكونوا أكثر استعمالاً للعطف والرأفة والمحبة وأن يتعاملوا مع الناس باحترام وتواضع فإن آباء الكنيسة كانوا يتعاملون بنهاية الخشونة حتى أن المفكرين والمثقفين كانوا لا يجرؤون على اظهار ما يخالف الكنيسة، بل كانوا مجبرين على التفكير بما يرضي الكنيسة فقط. وقد شاع هذا النوع من التعامل بين القرون 12 إلى 19 ميلادي في كل من فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، هولندا، البرتغال، النمسا وإسبانيا30.

في هذا الاطار شكلت الكنيسة محكمة بهدف "تفتيش العقائد" استعملتها للقضاء على المعارضين. وكان لها قوانينها الخاصة والتي كانت تلزم احضار المخالفين وأصحاب البدع واستعمال أنواع التعذيب وأكثرها نفرة31...

في العام 1401م أصدر هنري الرابع في بريطانيا أمراً باحراق أصحاب البدع وذلك بطلب من الكنيسة. وقد ذكر ويل ديورانت تقريراً عن ضحاياه: "من العام 1480 إلى العام 1488، تم احراق 8800 شخص وحكم 96494 شخص بأحكام مختلفة.

"من العام 1480 إلى العام 1808 تم احراق 31912 شخص وحكم على 291450 شخص بأحكام مختلفة"32.
في الجزء اللاحق سنتحدث حول علل ترويج العلمانية في الإسلام وإيران وأهداف العلمانية في إيران ونظرية بطلانها من وجهة نظر الإسلام.

أكبر أسد علي زاده كاتب وباحث إسلامي
مجلة حوزه

*روضة المبلغين , سلسلة روضة المبلغين , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- مير جاالد، الثقافة والدين، مجموعة المترجمين، طهران، نشر طرح نو، الطبعة الأولى، 1374هـ.ش، ص610.
2- فلسفة الدين، العلامة محمد تقي جعفري، تدوين عبد الله نصري، قم، مركز الثقافة والفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1378هـ.ش، ص233.
3- المصدر نفسه، ص234.
4- مجلة كيان، العام الخامس، العدد 26، ص14.
5- الثقافة والدين، ص127 ـ 129.
6- راجع: علي رباني كلبايكاني، جذور العلمانية وآثارها، طهران، مؤسسة الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، 1379هـ.ش، ص17.
7- راجع: مجلة قبسات، الدورة الأولى، العدد الأول، ص100 ـ 101.
8- فلسفة السياسية، اعداد مؤسسة الإمام الخميني التحقيقية، قم، نشر مؤسسة الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1377هـ.ش، ص69.
9- لمزيد من المعلومات حول الحرية والدين راجع كتاب "على شاطئ الفكر"، ص105 ـ 108.
10- فلسفة الدين، ص234.
11- راجع: ثقافة الدين، ص124 ـ 125.
12- المصدر نفسه، ص142.
13- الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري، مجموعة الآثار، طهران، انتشارات صدرا، الطبعة السابعة، 1376هـ.ش، ج1، ص479.
14- فصلية "كتاب نقد"، ص76 و77.
15- انجيل متى، الفصل 22؛ انجيل مرقس، الفصل 12، انجيل لوقا، الفصل 20.
16- انجيل يوحنا، الفصل 19، العدد 36.
17- انجيل يوحنا، الفصل 6، العدد 15.
18- رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، الفصل 3، العدد 24 ـ 25.
19- راجع: ايان باربور، العلم والدين ترجمة (إلى الفارسية) ترجمة بهاء الدين خرمشاهي، طهران، نشر معراج، الطبعة الثانية، 1374هـ.ش، ص120 و406.
20- راجع: محمد حسن قدردان قراملكي، العلمانية في المسيحية والإسلام، قم، نشر دفتر الاعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1379هـ.ش، ص44.
21- انجيل متى، الفصل 16، العدد 19.
22- ويل ديورانت، تاريخ الحضارة، ترجمة فريدون بدره اى، سهيل آذرى، برويز مرزبان، طهران، انتشارات الثورة الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1371هـ.ش، ج6، ص26.
23- المصدر نفسه، ص27.
24- العلمانية في المسيحية والإسلام، ص51.
25- فلسفة الدين، ص243.
26- فلسفة السياسة، ص66 ـ 67 نقلاً عن كتاب "حركة الحرية في أوروبا" للكاتب هارولد لاسكي، ترجمة رحمة الله مقدم مراغه اي، طهران، نشر خوارزمي، 1384هـ.ش، ص14.
27- تاريخ الحضارة، ج6، ص19.
28- المصدر نفسه، ص20.
29- المصدر نفسه، ص24.
30- راجع: مجموعة الآثار، ج1، ص488.
31- تاريخ الحضارة، ج18، ص349 و351.
32- المصدر نفسه، ص360.

01-08-2012 | 10-08 د | 1984 قراءة


صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net