الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
مراقباتحضور الشباب في المساجد كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مختلف الفئات الشعبيّة في الذكرى السنويّة السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلاميّةخيراتُ المساجدِ

العدد 1707 20 شعبان 1447هـ - الموافق 09 شباط 2026م

خير البقاع وشهر الخير

دَوْلَةُ الخَيْرِ العَمِيمِمراقباتمراقباتالعدلُ المنشودُرحمةً للعالمين
من نحن

 
 

 

التصنيفات
كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مختلف الفئات الشعبيّة في الذكرى السنويّة السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلاميّة
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مختلف الفئات الشعبيّة في الذكرى السنويّة السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلاميّة، بتاريخ 2026/02/01م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، [ولا] سيما بقية الله في الأرضين.

أرحّب بالإخوة الأعزّاء والأخوات العزيزات جميعهم الذين باركوا هذه الحسينيّة اليوم وأناروها بأنفاسهم الدافئة وبحضورهم. سأتحدّث بكلمة عن «الثاني عشر من بهمن» (الأوّل من شباط/فبراير 1979م)، فهو يومٌ مهمّ، وبكلمة أخرى عن هذه الفتنة التي حدثت قبل أسبوعٍ أو أسبوعين - وسأقدّم شرحاً بشأن حقيقة هذه الظاهرة، وما الذي حدث - كما سأتحدّث بكلمة مقتضبة عن أمريكا. هذه أمورٌ دوّنتُها لأعرضها على الإخوة والأخوات الأعزّاء.

أمّا بشأن «الثاني عشر من بهمن»، فإن هذا اليوم هو حقّاً يومٌ استثنائي. في مدار العام، تمرّ أيام تدركون أنّ واقعةً ما قد حدثت، فهي أيام مهمة وعظيمة؛ تُسجَّل في التاريخ بوصفها حادثة أو قضية بارزة. لكنّ هناك أياماً تتخطّى مجرّد كونها بارزة وتاريخيّة؛ إنّها أيامٌ صانعةٌ للتاريخ، فالواقعة التي حدثت فيها قد غيّرت مسار التاريخ وحوّلت اتجاهه، ويوم «الثاني عشر من بهمن» هو من هذا القبيل.

لقد عاد الإمام [الخميني] (قدّس سرّه) إلى طهران في خضمّ التهديدات؛ نعم، في قلب التهديدات! أنتم أيها الشباب لم تشهدوا تلك الأيام. كان هناك تهديد أمريكي، وتهديد من النظام [البهلوي]، وتهديد من الإرهابيين؛ ثم تبيّن لاحقاً حجم الخطط التي كانوا قد أعدّوها لمنع مجيء الإمام (قدّس سرّه). وسط هذه التهديدات كلها، جاء الإمام (قدّس سرّه) إلى طهران بشجاعة واقتدار، ودخل طهران، فاستقبله الشّعب بتلاحمٍ وأكرم قدومه. إنّ ذلك الاستقبال الذي حظي به الإمام (قدّس سرّه) في «الثاني عشر من بهمن» - بالقدر الذي نعلمه - لا سابقة له في التاريخ، ولا في زماننا هذا الذي تكاثرت فيه الجموع وتوافرت فيه الإمكانات؛ لقد استُقبِلَ الإمام (قدّس سرّه) على نحوٍ عجيب!

بطبيعة الحال، دخل قائدٌ وشخصيّةٌ عظيمة وإمامٌ إلى المجتمع، فاحتضنه المجتمع، وكان ذلك حدثاً بالغ الأهمية. لكن الإمام (قدّس سرّه) لم يسمح لهذا الاستقبال الفريد أن يبقى مجرّد مراسم شكلية. كثيراً ما تكون مثل هذه الأحداث مجرّد أمورٍ تشريفيّة: يأتون ليكرّموا شخصاً، ثم يتفرّقون ويمضي كلٌّ في سبيله، يذهب هو وهُم. لكنّ الإمام (قدّس سرّه) لم يدع هذا الحدث العظيم يُختزل في إطار المراسم التشريفيّة؛ بل شرع في العمل منذ الساعة الأولى.

أول ما فعله الإمام (قدّس سرّه) هو إعلانه إسقاط النظام الملكي في يوم الدخول نفسه. لقد ألقى الإمام (قدّس سرّه) خطاباً في [مقبرة] «بهشت زهرا» أمام حشدٍ مليوني، وأعلن إسقاط النظام الملكي - الذي كانوا يقولون إن له تاريخاً يمتدّ لآلاف السنين - واستبداله بنظامٍ جديد وحديث، يتمتّع بخصائص مهمّة وبارزة وعظيمة. هذا النظام الجديد الذي بشّر به الإمام (قدّس سرّه) عند دخوله طهران في «الثاني عشر من بهمن»، كانت له خصائص متعدّدة، قد أشير إلى بعضها لاحقاً؛ ولكنّه - بحسب ما أكّد الإمام (قدّس سرّه) - يرتكز على خاصيّتين أساسيتين وجوهريّتين، هناك خاصيّتان بالغتا الأهمية في هذا النّظام: الأولى هي تحويل الحكم الفردي الاستبدادي إلى حكمٍ شعبي؛ وهذا أمرٌ بالغ الأهمية. في السابق، لم يكن للشعب أي دور في البلاد؛ بل حتى الوزراء والحكومات وما شابهها لم يكن لهم وزن، إذ كانت الأمور والقرارات كلّها تُطبَخ وتُنفَّذ داخل دائرة واحدة، في البلاط. تحول هذا إلى حكم شعبي؛ أي أن يبدي الشعب رأيه ويختار ويقرر.

الخاصيّة الثانية: تحويل المسار المعادي للدين الذي كان مهيمناً على البلاد إلى مسارٍ إسلاميّ وديني. من يقرأ مذكّرات رجالات العهد البهلوي - التي دوّنوها لاحقاً أو كُتبت آنذاك - لأدرك بوضوح أنهم كانوا يدفعون بإيران نحو واقعٍ معادٍ للدين تماماً، واقع لا يظهر فيه أيّ أثر للإسلام ولا للدين ولا للقرآن؛ وكانت البلاد تنزلق تدريجياً في هذا الاتجاه.

لقد غيّر الإمام (قدّس سرّه) المسار مئةً وثمانين درجة. طبعاً لا يمكن جعل بلدٍ ما مطابقاً للدين بنسبة مئة في المئة دفعةً واحدة، ولكن المسيرة أصبحت دينية، وسارت تدريجياً في اتجاه الدين. لو أنّا - نحن المسؤولين - أدّينا تلك الواجبات على الوجه الصحيح، لكان ذلك قد تحقق إلى الآن؛ أي لكان البلد قد أصبح حقّاً بلداً دينياً. لكنّنا نحن - بعض الحكومات وبعض المسؤولين وبعض من كان في وسعهم أن يفعلوا شيئاً - قصّرنا؛ كان ينبغي أن ننجز أعمالاً فلم نفعلها، وكان ينبغي ألا نؤدي أعمالاً فأديناها. مع ذلك، بقي المسار هو نفسه الذي أرسى الإمام (قدّس سرّه) دعائمه؛ أي إننا حقّقنا تقدّماً في هذا المسار الديني والإسلامي.

هناك - بطبيعة الحال - خاصيّة أخرى كانت تميّز هذه الحاكميّة الجديدة، وقد ورد ذكرها في كلمات الإمام (قدّس سرّه)، وكانت من بين الخصائص التي أكّدها الإمام (قدّس سرّه) ذات أهميةٍ بالغة، وأدخلت الاستكبار في حالة ارتباك؛ وهي قطع يد أمريكا عن إيران. لقد أعلن الإمام (قدّس سرّه) في خطاباته منذ البداية إنهاء نفوذ أمريكا وتدخّلها في إيران، وسأعود في ختام الحديث إلى هذه المسألة ببضع كلمات. هذه أيضاً إحدى الخصائص، بل هي بالذات الخاصيّة التي أربكت الأمريكيين. إنّ أكثر ما أربكهم منذ اللحظة الأولى وأغضبهم ودفعهم إلى التحرّك والعداء، هو هذا الإعلان: إنّ النفوذ والتدخّل في بلدنا ممنوعان؛ فالبلد ملكٌ للشعب الإيراني، وهو وحده، مع من ينتخبهم، من يجب أن يقرّر مصيره.
في ما يتعلّق بشعبية الثورة وشعبية الحكم - هي الخاصيّة التي قلنا إنّها من خصائص هذا النظام - فإنّ ما فعله الإمام (قدّس سرّه) هو أنّه عرّف الناس، وعرّف الشعب الإيراني، بقدراته الذاتية وبقيمه. كان للإمام (قدّس سرّه) أسلوب بيان مؤثّر؛ كانت كلماته تنفذ إلى القلوب وتستقرّ فيها. لقد جعل الإمام (قدّس سرّه) الشعب الإيراني يدرك إدراكاً كاملاً ما يمتلكه من قدراتٍ عظيمة.

إنّ عبارة «نحن قادرون» بالغة الأهمية. نحن الذين عشنا قبل الثورة الإسلاميّة، بل حتى نحن الذين كنّا من أهل النضال، كنّا في الحقيقة جميعاً نعتقد أنّ الإيرانيين ليس في مقدورهم فعل أيّ شيء! كانت «نحن لسنا قادرين» مسيطرةً على عقول الناس جميعاً؛ فجاء الإمام (قدّس سرّه) وقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، وأعلن: «نحن قادرون». عرّف الشعب بقيمه وبقدراته. لقد تحوّل شعبُنا في عهدي القاجاريّين والبهلويين إلى شعبٍ مُهان. الشعب الإيراني، بما يمتلك من تاريخ وحضارة وعلم، وبما أنجب من علماء، وبما امتلك من مكتباتٍ عظيمة وكبيرة، تحوّل منذ بدايات العهد القاجاري وطوال الحقبة البهلوية إلى شعبٍ مُحتقَر، إلى شعبٍ متخلّف؛ كنّا متخلّفين في العلم والتكنولوجيا والسياسة؛ لم يكن لإيران أيّ تأثير في السياسات الإقليمية، فضلاً عن السياسات العالمية!

لقد رويت هنا ذات مرة قصة[1] مفادها أنّه بعد الحرب العالمية الأولى دُعيت دول العالم للحضور إلى مؤتمر باريس من أجل اتخاذ قرارات بشأن القضايا الدولية. لقد توجّه وفدٌ إيرانيّ رفيع المستوى إلى باريس للمشاركة في ذلك المؤتمر، ولكنهم لم يسمحوا له بالدخول! بقي الوفد الإيراني خلف الأبواب ينتظر، ومضت أيامٌ كثيرة من دون أن يُؤذَن له بدخول اللقاء. لقد أوصلوا إيران العظيمة، إيران المتحضّرة، إيران التي كانت يوماً ما مصدراً للعلم والفلسفة ولكلّ شيء في العالم، وكان الجميع ينتفع منها، إلى هذا الحدّ؛ إلى هذا المستوى من الإهانة والاستحقار. في مجالات العلم والتكنولوجيا والسياسة ونمط العيش والمكانة الدولية والقرارات الإقليمية، وفي هذه الميادين كلّها، كان الشعب الإيراني في عهدي القاجاريّين والبهلويين متخلّفاً ومُهاناً؛ لا اختراع ولا إنجاز مهمّ ولا حركة بارزة.

لقد جعل الإمام الشّعب حسّاساً تجاه هذا التخلّف، كي يتولّد لديه هذا الشعور ويقول: «ما الذي يجعلنا متخلّفين؟ لماذا لا ننتج بأنفسنا، ولا نصنع بأيدينا، ولا نقدّم ما لدينا، ولا يكون لنا قولٌ مسموع في العالم؟ لماذا؟». لقد جعل الإمام (قدّس سرّه) الشعب حسّاساً، وأحيا في الشعب الإيراني الشعور بالقدرة؛ وبثّ الإمام الجليل الثقة بالنفس في الشعب، فصار للشعب الإيراني ثقةٌ بنفسه. اليوم، لم تعودوا - مثلاً - تشعرون بالضعف أمام الشعب الأوروبيّ الفلاني، ولا حتى أمام الشعب الأمريكي، ولا تشعرون بأنكم أقلّ شأناً. تقولون: نحن قادرون ونفعل؛ وقد فعلتم! في هذه الأربعين سنةً ونيّف، أُنجزت في هذا البلد أعمالٌ عظيمة لم يكن يُتصوَّر يوماً إمكان حدوثها، ولكنها تحقّقت. ما يزال الأمر كذلك حتى اليوم. طبعاً، هم يُخفون ذلك، ونحن ضعافٌ على المستوى الإعلامي أيضاً. اليوم هناك آلاف الشركات التي يديرها هؤلاء الشباب، يعملون بأنفسهم، ويصنعون أجهزةً مهمّة ويُنجزون أعمالاً كبيرة. لقد تعجّب بعض الطلاب الجامعيّين حين اصطحبتهم بعض الجهات إلى مواقع صناعية في أنحاء مختلفة من البلاد - لا في طهران وحدها - ورأوا بأمّ العين هذه الإنجازات؛ لم يصدّقوا ما رأوا! من كان يتخيّل يوماً أن تصل إيران إلى مرحلة تصنع فيها سلاحاً تقلّده أمريكا نفسها؟[2] هل كان ذلك يخطر على بال أحد؟ لكن هذا حدث. لقد بثّ الإمام (قدّس سرّه) روح الثقة بالنفس في الناس، وبثّ فيهم روح الأمل وروح الطموح العالي.

كان الإمام (قدّس سرّه) نفسه تجسيداً لهذا الأمل؛ كان بحقّ مظهراً لهذا الأمل. لم يكن يرى أمامه أيّ عائق. [كان يقول]: «يجب أن تُحرَّر خرمشهر!» ونحن كنّا هناك؛ كانت خرمشهر محاصَرة من الجهات كلّها بالكتائب العسكريّة، ومع ذلك قال: «يجب أن تُحرَّر خرمشهر»؛ كلمة واحدة! أي إنه كان واثقاً بأن هذا الأمر يمكن أن يتحقّق. قالها، فشمّر الشباب عن سواعدهم، وتحقّق الأمر. كان هو نفسه تجسيداً للأمل، وكان يدفع الناس ويقودهم نحو هذا الأمل. اليوم أيضاً الأمر على هذا النحو، لولا هذه الوساوس التي يبثّها الشياطين الخبثاء - الخبثاء حقّاً - بعضهم من الداخل وبعضهم من الخارج، يواصلون الإيحاء بأن الشاب الإيراني بلا أمل، ولا مستقبل له، وما إلى ذلك. لكن، رغماً عن أنوفهم، نعم، لديه أمل ولديه مستقبل، وهو يصنع مستقبله ويتقدّم بثبات.

إنّ يوم «الثاني عشر من بهمن» هو الذي صنع يوم «الثاني والعشرين من بهمن» (الحادي عشر من شباط/فبراير 1979م). تلك العظمة التي تجلّت في «الثاني والعشرين من بهمن» إنما أسّس لها «الثاني عشر من بهمن». لو لم يكن «الثاني عشر من بهمن»، ولو لم يكن قدوم الإمام (قدّس سرّه)، ولو لم يكن ذلك الاستقبال الشعبي العظيم، لما حدثت [أحداث] «الثاني والعشرين من بهمن». إنّ يوم الجمهورية الإسلامية، الذي هو في «الثاني عشر من فروردين» (الأوّل من نيسان/أبريل)، أسّس له «الثاني عشر من بهمن»؛ وكذلك إنجازات هذا البلد وتقدّمه أسّس لها «الثاني عشر من بهمن». إنّه يومٌ مهمّ وصانعٌ للتاريخ. يوم «الثاني عشر من بهمن»، الذي نعيشه اليوم، هو بحقّ يومٌ تاريخيّ صانع للتاريخ؛ فلا ننسَ ذلك. لقد تحقّق هذا الأمر ببركة اللطف الذي أفاضه الله تعالى على الإمام العظيم، والحمد لله ما يزال مستمراً إلى يومنا هذا. طبعاً، كان لـ«الثاني عشر من بهمن» هذه البركات، وسبّب أيضاً عداء أمريكا. منذ ذلك اليوم، «الثاني عشر من بهمن»، أصبح عداء أمريكا أكثر ظهوراً ووضوحاً، وعُبِّرَ عنه وقيل صراحةً. هذا أمرٌ سأشير إليه لاحقاً بكلمة. هذا كلّه في ما يتعلّق بـ«الثاني عشر من بهمن».

أما بخصوص الفتنة الأخيرة، تلك التي حدثت في الثامن عشر والتاسع عشر من شهر دي (8 و9 كانون الثاني/ يناير 2026م)، فإنّ توصيفي لها أولاً هو أنها كانت فتنة أمريكية، فتنة صهيونية وأمريكية. لقد ذكرتُ سابقاً أيضاً، في مناسبة أخرى هنا[3]، أن الذين خرجوا لإثارة الشغب كانوا فئتين: أشخاص كانوا قادة المجموعات، وآخرون كانوا «المشاة» و«الهمج الرعاع»[4]. أما قادة المجموعات، فكانوا مدرَّبين وممولين، تلقوا تدريبات، وعلّموهم كيفية التحرك وكيفية الهجوم والأماكن المستهدفة، وكيفية حشد الشباب وأسلوب التحدّث إليهم؛ لقد علّموا قادة المجموعات على هذه الأمور كافة ودرّبوهم عليها. أُلقيَ القبض على عدد كبير من قادة المجموعات هؤلاء واعترفوا بهذه الأمور. أما الفئة الأخرى، فهي مجموعة من الشباب المتحمسين، انجروا خلف الضجيج؛ وهؤلاء ليس لدينا مشكلة كبيرة معهم. لكن الفتنة [في جوهرها] كانت فتنة أمريكية، والمخطط كان مخططاً أمريكيّاً، ولم تكن أمريكا وحدها، بل كان الكيان الصهيوني شريكاً أيضاً. حين أقول إنها «أمريكية»، فهذا ليس مجرد ادعاء، أو أنه وصلنا عبر القنوات الاستخباراتية والأمنية الخفية والمعقدة والمتشابكة. طبعاً، نعم، لدينا اطلاع على تفاصيل كثيرة. لكن ما يوضح أن هذا التحرّك كان تحرّكاً أمريكيّاً، هو تصريحات رئيس الولايات المتحدة نفسه[5]. أولاً، لقد تحدّث بصراحة تامة مخاطباً هؤلاء المثيرين للشغب، واصفاً إياهم بـ«شعب إيران»! لكن عندما شهد الثاني والعشرون من شهر دي (12 كانون الثاني/ يناير 2026) احتشاد ملايين الناس في طهران وسائر المحافظات، هؤلاء لم يكونوا شعب إيران؟ هذه الآلاف القليلة هي شعب إيران؟ كان يُطلق على هؤلاء: «شعب إيران»، ثم يقول لهم: «تقدّموا إلى الأمام، تقدّموا إلى الأمام، فأنا قادم إليكم!» [6] . إذاً، لقد كانت الفتنة فتنة أمريكية.

التفتوا إلى هذه المسألة: إنّ هذه الفتنة لم تكن أوّل فتنة حدثت في طهران، ولن تكون آخرها؛ وبعد ذلك أيضاً سنشهد مثل هذه القضايا. هذه الفتنة لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة؛ وقد تحدث بعد ذلك مثل هذه الأحداث؛ ففي نهاية المطاف نحن بلدٌ ذو فكر جديد وذو نهج جديد، ونحن في تعارض وتصادم مع مصالح المتجبّرين في العالم؛ ولذلك يجب أن نكون دائماً في حالة ترقّب. حسناً والآن، إلى متى ستستمرّ هذه الأمور؟ ستستمرّ إلى أن يصل الشعب الإيراني إلى مرحلةٍ يجعل ثباته واستقامته وسيطرته على الأمور العدو يائساً؛ وبطبيعة الحال يجب أن نصل إلى هذه المرحلة، وسنصل إليها.

قبل هذه الفتنة أيضاً، شهدت شوارع طهران جرائم وأحداثاً شتّى؛ ففي الثلاثين من خرداد 1360 (20/06/1981م)، هاجم المنافقون في شوارع طهران ذاتها عناصرَ التعبئة بسكاكين قصّ السجاد! لقد شهدنا كثيراً من هذه الأحداث؛ لم تكن هذه الأولى، ولن تكون الأخيرة. في هذه الأحداث جميعها، يلحظ المرء بوضوح بصمات القوى الخارجية، وبصورة خاصة أصابع أمريكا والكيان الصهيوني.

طبعاً، في هذه الفتنة الأخيرة، وكذلك في الأحداث السابقة، أدّى المسؤولون - مسؤولو الأمن والتعبئة وحرس الثورة الإسلامية وسائر الأشخاص ممن لديهم مسؤوليات - واجباتهم على أكمل وجه. لكن الذي أخمد نار الفتنة وبددها كان الشعب. كان الأمر على هذا النحو هذه المرة، وكذلك كان عام 1388 (2009م)، وكذلك في حالات أخرى. عندما يدخل الشعب الميدان، ويحسم قراره، يُطفئ النيران ويحوّل اللهيب إلى رماد. هذا ما حدث هذه المرة أيضاً. بعد ذلك، وبتوفيق من الله، إذا ما واجهت البلاد حادثةً ما، فإن الله المتعالي سيبعث هذا الشعب ليتصدّى لهذه الأحداث، والشعب هو من سيحسم الأمر.

حسناً، كانت في هذه الفتنة بضع خصائص، وأودّ أن أذكر هاتين الخاصيتين أو الثلاث:

إحداها هي أنّ مثيري الشغب اختبؤوا خلف احتجاجات هادئة للناس من تجار السوق؛ كانت هذه إحدى الخصائص. أي إنهم في الواقع جعلوا تجار السوق درعاً لأنفسهم؛ كما يفعل بعض المجرمين في بعض المدن وفي بعض المناطق في العالم حين يواجهون القوات المهاجمة، فيضعون الأطفال والنساء وما إلى ذلك إلى المقدمة، ويقفون هم خلفهم. لقد اختبأ مثيرو الفتنة خلف تجار السوق. كان لدى تجار السوق احتجاج، وقد نزلوا إلى الشارع، وبعضهم أغلقوا محالّهم أيضاً - وكنت قد قلتُ في جلسة مثل هذه الجلسة في المرّة السابقة إنّ كلامهم كان كلاماً منطقياً وفي محله[7] - فجاء هؤلاء واختبأوا خلفهم لكي لا يُعرَفوا؛ ولكن تجار السوق كانوا أذكياء، وفهموا المسألة؛ فما إن رأوا أنّ [هذا التحرك] هو مثيرٌ للشغب، وما إن رأوا أنّه بدل الحركة الهادئة في الشارع راح يهاجم المخفر، حتى أدركوا أنّه مثيرٌ للشغب، فانفصلوا عنه، وتنحّوا جانباً، وتركوا هؤلاء وحدهم.

ثمة خاصية أخرى، وهي أن هذه الفتنة كانت أشبه بالانقلاب؛ حتى إنّ بعض [الدوائر] في العالم وصفت ما حدث في إيران بأنه محاولة انقلاب أُحبِطت طبعاً، ولكنها تبقى محاولة انقلاب. ماذا يعني أنها كانت انقلاباً؟ يعني أن الهدف كان تدمير المراكز الحساسة والمؤثرة في إدارة البلاد. لقد هاجموا الشرطة، وهاجموا مقرات حرس الثورة الإسلاميّة، وهاجموا بعض المراكز الحكومية، وهاجموا المصارف؛ وهذا على الصعيد المادي. هاجموا المساجد، واعتُدي على «القرآن»؛ وهذا على الصعيد المعنوي. هذه هي الركائز التي تُدار بها البلاد، وقد هاجموها؛ لذا يكون ما حدث انقلاباً.

ثمّة نقطة أخرى بشأن هذه الفتنة، من الجيد الالتفات إليها، وهي أن الإعداد والتخطيط لها حدثا في الخارج، ولم يكونا أمراً داخلياً. نعم، شارك بعض العناصر من الداخل في إشعال هذه الفتنة وإحداث أعمال الشغب، ولكن الخطة رُسمت في الخارج. كانت الأوامر تصدر من الخارج؛ أي كانت هناك اتصالات بين هؤلاء والخارج. طبعاً، قادة المجموعات هؤلاء كانوا على تواصل مع الخارج، وكانوا يقولون لهم: افعلوا كذا الآن، هاجموا المكان الفلاني، اذهبوا إلى الشارع الفلاني. كانت هذه التعليمات تُنقل إليهم من الخارج، وكانوا يحصلون على معلومات باستخدام إمكانات الأقمار الاصطناعية وما شابه، ويوجّهونهم.

لقد اطلعت بطريقة معيّنة أنّ عنصراً أمريكياً نافذاً في دوائر الحكم قال لنظيره الإيراني إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الـ«CIA» وجهاز «الموساد» التابع للكيان الصهيوني قد دفعا بإمكاناتهما كلها إلى الساحة في الأحداث الأخيرة التي حدثت في إيران! هذا اعتراف صدر عن أمريكي؛ قال إن جهازين استخباريين فاعلين ومعروفين، أي الـ«CIA» و«الموساد»، أدخلا إمكاناتهما كلّها إلى الميدان، ومع ذلك تكبّدوا الهزيمة. كانت الخطة مرسومة في الخارج، وكانت تُدار من الخارج، وكانت الأوامر تصدر من الخارج.

من الخصائص الأخرى لهذه الفتنة أنّ قادة المجموعات المدرّبين هؤلاء كانوا مكلَّفين بصناعة القتلى، أي بإسقاط قتلى. لم تكن لديهم عداوة خاصّة مع بعض الأشخاص، ولكن كان لا بدّ من سقوط قتلى. لذلك كانوا يشنّون هجمات مسلّحة على المراكز العسكرية والأمنية، ويهاجمون بأسلحة فردية متطوّرة، لكي يصدر من الجهة المقابلة أيضاً ردّ فعل، فيُقتل عدد من الأشخاص. لم يكتفوا بذلك حتى؛ بل إنهم كانوا يطلقون النار حتى على أولئك «المشاة» الذين جاؤوا بهم إلى الميدان عبر الدعايات، ويرمونهم من الخلف! لقد أُبلغتُ بأنّ بعض جرحى هذه الحادثة تعرّضوا لهجوم من الخلف؛ أي إنهم لم يرحموا حتى عناصرهم أنفسهم. لماذا؟ من أجل أن يرتفع عدد القتلى. للأسف، لقد نجحوا في ذلك أيضاً. طبعاً كان العدوّ يريد عدداً أكبر من القتلى؛ ولم يتحقّق بالمقدار الذي كان يريده، ولكنّه يدّعي ذلك. طبعاً، ليس بعيداً من أمثال هؤلاء أن يكذبوا على هذا النحو؛ فهم يعرّفون عدد القتلى بعشرة أضعاف وأكثر.

كان هدفُ العدوّ الإخلالَ بأمنِ البلاد؛ أي أن يضربَ أمنَ البلاد بالدرجة الأولى. عندما لا يكون هناك أمن، لا يكون هناك شيء. إذا انعدم الأمن، فلن يكون هناك إنتاج، ولا خبز، ولا دراسة وتحقيقات ولا مدرسة ولا أبحاث ولا علم ولا تقدّم؛ فذلك كلّه يتحقّق في ظلّ الأمن. إنّ هؤلاء الذين صانوا أمن البلاد، لديهم في أعناقنا دَيْن الحياة، وفي أعناق الناس جميعهم. إذا كان ابننا يستطيع أن يمشي في الشارع إلى المدرسة، فذلك بفضل الأمن؛ وإذا لم يكن هناك أمن، فلن يستطيع ابنك الذهاب إلى المدرسة أساساً، ولن تستطيع أنت أيضاً فتح دكّانك أو الذهاب إلى مكان عملك، وذلك الشابّ المنشغل بالتحقيق والبحث لن يتمكّن من إجراء بحوثه. كانوا يريدون أن يضعوا الناس في مواجهة النظام، ولكنّ الناس، بحمد لله، لقّنوهم درساً، وخرجوا بالملايين في «الثاني والعشرين من دي» (الثاني عشر من كانون الثاني/يناير 2026م)، وأظهروا حقيقتهم، وقالوا هذا هو الشعب الإيراني، وردّدوا شعارات ضدّ مثيري الفتنة. على المسؤولين أن يعرفوا قدرَ هذا الشعب؛ حقّاً على مسؤولي البلاد أن يعرفوا قدرَ هذا الشعب.

طبعاً أضيفُ أيضاً أنّهم نفّذوا هذه الفتنة - سواء أكان ذلك مصادفةً أم كان مخطَّطاً له؛ لا أستطيع الجزم في هذا الشأن - في وقتٍ كان مسؤولو البلاد والمسؤولون الحكوميون ورئيسُ الجمهورية[8] وغيرُهُم، يعملون على تصميم حزمةٍ اقتصاديةٍ للبلاد. كانوا يضعون الخريطة الاقتصادية للبلاد، ويخطّطون ويتّخذون الإجراءات وينفّذون، من أجل تحسين الأوضاع ودفعها إلى الأمام؛ وفي هذا التوقيت أثاروا هذه الفتنة. أمّا ما إذا كان ذلك مصادفة أم محسوباً، فلا أستطيع الجزم به.

من الخصائص الأخرى لهذه الفتنة هي العنف؛ على نسق «داعش». من الذي صنع «داعش»؟ الرئيس الأمريكي الحالي نفسه صرّح بوضوح، في حملته الانتخابية الأولى، قائلاً: نحن الذين صنعنا «داعش». الأمريكيون هم مَن صنعوه. وزيرة الخارجية الأمريكية هي مَن صنعه. بل إن وزيرة الخارجية[9] نفسها صرّحت بذلك أيضاً، ودوّنته في مذكّراتها، إذْ كتبت: نحن صنعنا «داعش» من أجل السيطرة على سوريا والعراق.

هؤلاء أيضاً هم أنفسهم مَن صنعوا هذا «الداعش»؛ فهذا أيضاً «داعش» آخر، وممارسته مثل ممارسات ذاك. لقد قلتُ يومها إن «داعش» كان يبيد الناس ويقضي عليهم بتهمة الكفر، أما هؤلاء، فيقضون على الناس بسبب تديّنهم! هذا هو الفرق الوحيد، وإلّا فهما الجيش نفسه. هؤلاء أيضاً، مثل «داعش»، أحرقوا البشر. انظروا كم يتطلّب من قسوة أن يُحرِقوا إنساناً حيّاً! وكم يحتاج من وحشية وانعدامٍ للرحمة. لقد أحرقوا ودمّروا وقطعوا الرؤوس! الممارسات التي كان يرتكبها «داعش»، هؤلاء ارتكبوها أيضاً. العنف كان إحدى خصائصهم[10].

حسناً، ما دمتم قد أطلقتم هذا الشعار وذكرتم اسمَ أمريكا، فلنتطرق أيضاً إلى موضوع أمريكا. ختام حديثي هو بشأن أمريكا. ما قضية أمريكا مع إيران؟ ما سرّ هذه المواجهة القائمة؟ منذ أكثر من أربعين عاماً وإيران وأمريكا في حالة عداء؛ فما هي القضيّة؟ في رأيي، يمكن اختصارها في كلمتين، وهما: أمريكا تريد أن تبتلع إيران، ولكن الشعب الإيراني الأبيّ والجمهورية الإسلامية يقفان حائلاً دون ذلك. الأمر يشبه قصة ذاك الذي قال: ذهبتُ لخطبة [فتاة] وكلّ شيء تم، ولم يبقَ سوى أمر من كلمتين. هو يقول: أريد ابنتكم، وهم يقولون: خسئت![11] الآن الشعب الإيراني للطرف المقابل قال: خسئت. هذا هو ذنب الشعب الإيراني؛ الصراع يكمن هنا.

إنّ إيرانكم، بلدكم، يملك مغريات كثيرة: فنفط إيران له جاذبيته، وكذلك غازها ومعادنها الغنية وموقعها الاستراتيجي والجغرافي فضلاً عن مزايا كثيرة أخرى. إيران بلدٌ بهذه المواصفات، ومن الطبيعي أن تطمع فيه قوة جشعة معتدية. لذلك يريدون السيطرة عليه مثلما كانت لهم سيطرة من قبل؛ فلأكثر من ثلاثين عاماً كان الأمريكيون في إيران، وكانت الموارد بأيديهم، وكذلك النفط والسياسة والأمن والعلاقات الدولية؛ كل شيء كان تحت تصرّفهم، ويفعلون ما يشاؤون. [الآن] وقد كُفّت أيديهم، يريدون العودة لاستعادة ذلك الوضع في عهد «بهلوي». لكن الشعب الإيراني وقف بثبات وتصدّى، ويحُول دون ذلك. هذا [سبب] العداوة، وهذا لبّ الصراع. أما سائر مزاعمهم عن حقوق الإنسان وما شابه، فهي محض ترّهات. هذا هو جوهر القضية؛ هو يطمع، وإيران تقف بثبات، وستبقى ثابتة، وبإذن الله ستجعل الطرف الآخر ييأس من ممارسة الخُبث وإلحاق الأذى.

إن ما تسمعونه أحياناً من حديثٍ عن الحرب، وتهديداتٍ من قبيل «سنأتيكم بالطائرات الفلانية وسنفعل كذا وكذا»، ليس أمراً جديداً؛ فدائماً ما دأب الأمريكيون في الماضي على التهديد بأن «الخيارات جميعها مطروحة على الطاولة». «الخيارات جميعها» تعني خيار الحرب أيضاً، وقد كانوا يرددون دائماً: «الخيارات جميعها مطروحة على الطاولة». اليوم، نرى هذا الشخص يكرر ذات الادعاءات: «لقد جلبنا البوارج وفعلنا كذا وكذا»! في رأيي، لا ينبغي لأحدٍ أن يظن أنه قادرٌ على ترهيب الشعب الإيراني بمثل هذه التهديدات؛ فهذا الشعب لا يتأثر بهذه الأقاويل، ولا يهاب المواجهة في سبيل الحق. نحن لسنا البادئين، ولا نريد أن نظلم أحداً، ولا نسعى إلى الهجوم على أيّ بلد؛ ولكن، في مواجهة من يطمع أو يهمُّ بالهجوم أو يسعى إلى إلحاق الأذى، فإنّ الشعب الإيراني سيوجه إليه ضربةً قاصمة. طبعاً، على الأمريكيين أن يعلموا أيضاً أنهم إذا أشعلوا الحرب هذه المرة، فإنّ الحرب ستكون حرباً إقليمية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


[1] كلمته في لقاء مع جمع من التعبويّين في أرجاء البلاد، بتاريخ 25/11/2024م.
[2] إشارة سماحته إلى تصنيع أمريكا مسيّرة «لوكاس» وتقليدها مسيّرة «شاهد 136» الإيرانيّة.
[3] كلمته في لقائه مع مختلف فئات الناس، بتاريخ 17/01/2026م.
[4] اقتباس من نهج البلاغة، ص496، الحكمة 147.
[5] دونالد ترامب.
[6] ضحكَ الحاضرون.
[7] كلمته في مناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع) وذكرى استشهاد الحاج قاسم سليماني، بتاريخ 03/01/2026م.
[8] الدكتور مسعود بزشكيان.
[9] هيلاري كلينتون.
[10] ردد الحضور شعار «الموت لأمريكا».
[11] ضحكَ الحاضرون.

09-02-2026 | 09-31 د | 4 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net