بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وأعزّ المرسلين، سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى نائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى شهيدنا الأسمى سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله تعالى عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك بحلول شهر الرحمة والخير والبركة، شهر الضيافة الإلهيّة العظيمة، شهر رمضان المبارك.
الحمد لله الذي فرض الصيام، وجعله باباً للفلاح، وفتح لعباده في شهر رمضان أبواب الرحمة والمغفرة والرضوان، نحمده سبحانه وتعالى ونشكره على عظيم نعمه، ونشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله رحمةً للعالمين، فبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ها قد أظلّنا شهر الله الأعظم، شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، الشهر الذي جعله الله ميداناً للتنافس في الطاعات، وموسماً للتزوّد من الخيرات، ومجالاً مفتوحاً لمغفرة الذنوب والعودة الصادقة إليه سبحانه؛ فهو الشهر ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[1]، وهو الشهر الذي دُعينا فيه إلى ضيافة الله، فطوبى لمن لبّى النداء، وأقبل على الله بصدق وإخلاص.
اغتنام الأيّام المباركة
أيّها الأحبّة، إنّ أيّام هذا الشهر ولياليه ليست كسائر الأيّام، فهي محمّلة بالنفحات الإلهيّة والعطايا الربّانيّة، وأوقاته هي أثمن الأوقات، التي لا ينبغي أن تُضيّع في الغفلة واللهو، بل علينا أن نغتنم كلّ لحظة فيه بالتقرّب إلى الله تعالى، عبر الصيام الخالص، والقيام الخاشع، وتلاوة القرآن، والتضرّع والدعاء، ومواساة الفقراء والمحتاجين، وتهذيب النفس وتزكيتها.
وقد أكّد أهل البيت (عليهم السلام) عظمة هذا الشهر، وما يترتّب على اغتنامه من آثار وثمرات، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء؛ فأمّا الدعاء فيُدفَع عنكم به البلاء، وأمّا الاستغفار فتُمحى به ذنوبكم»[2]. فهنيئاً لمن اغتنم هذه الفرصة، وبادر إلى إصلاح نفسه، وعمل على التقرّب من مولاه، فإنّ الخاسر من خرج من شهر رمضان ولم يُغفَر له!
لذا، يوصي الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه) في هذا الشهر بإغلاق جميع أبواب الدنيا، فيقول: «لقد دُعيتم إلى ضيافة الله في هذا الشهر، فأنتم ضيوفه إذاً، وقد طلب منكم صاحب الضيافة أن تصوموا؛ فأغلقوا أبواب الدنيا كلّها، وابتعدوا عن الشهوات الدنيويّة».[3]
الصيام وسيلة التقوى
في هذه الأيّام المباركة، ينبغي للمسلم أن يتوجّه إلى الهدف الأساس للصيام، والغاية الكبرى منه، ألا وهي بلوغ التقوى، وهي الهدف الذي نصّ عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[4].
التقوى هي أساس العبادة وحقيقة الصيام، وهي تعني مراقبة الله في السرّ والعلن، والعمل بما يرضي الله، والابتعاد عن المعاصي والذنوب، وشهر رمضان ليس مجرّد صيام عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صيام عن كلّ ما يعكّر صفو القلب، ويؤثّر على علاقة الإنسان بربّه. إنّ الهدف من الصيام هو أن يصبح الإنسان أكثر تقوى لله، وأقرب إلى الله في جوانب حياته كلّها.
إنّ الوصول إلى هذا الهدف السامي في شهر رمضان يتطلّب منّا جهداً مستمرّاً وتعبّداً خالصاً، بدءاً من ضبط النفس وتوجيهها نحو الطاعات، وصولاً إلى إحياء القلب بالذكر والدعاء، وانتهاءً بالاستمرار في الأعمال الصالحة بعد انقضاء الشهر الفضيل. إنّ الوصول إلى التقوى في هذا الشهر يعكس فوز المسلم ونجاحه في بلوغ هدفه الأسمى، وهو رضا الله سبحانه وتعالى.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «إنَّ علينا أن نراقبَ أنفسنا في شهر رمضان مهما أمكن، ونصلحَ سلوكيّاتنا وأفكارنا وأقوالنا وأعمالنا، ونفتّشَ عن الإشكالات الموجودة فيها لنتخلَّص منها.
الإصلاح يكون على طريق التقوى، فالله تعالى يقول في آية الصيام الشريفة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، الصيام لأجل التقوى؛ لهذا فإنّ ما نسعى إليه في شهر رمضان المبارك يكون باتّجاه التقوى»[5].
لذا، ينبغي للمؤمن أن يغتنم كلّ لحظة من هذا الشهر المبارك في تعزيز تقواه؛ لأنّه بذلك يُطهّر قلبه، ويعزّز صلته بخالقه، ممّا يفتح له أبواباً من النعم والرحمة، ويجعل شهر رمضان نقطة تحوّل نحو حياة أفضل وأكثر تقوى، ولقد كان من دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام)، إذا دخل شهر رمضان: «وأَعِنَّا عَلَى صِيَامِه، بِكَفِّ الْجَوَارِحِ عَنْ مَعَاصِيكَ، واسْتِعْمَالِهَا فِيه بِمَا يُرْضِيكَ، حَتَّى لَا نُصْغِيَ بِأَسْمَاعِنَا إِلَى لَغْوٍ، ولَا نُسْرِعَ بِأَبْصَارِنَا إِلَى لَهْوٍ، وحَتَّى لَا نَبْسُطَ أَيْدِيَنَا إِلَى مَحْظُورٍ، ولَا نَخْطُوَ بِأَقْدَامِنَا إِلَى مَحْجُورٍ، وحَتَّى لَا تَعِيَ بُطُونُنَا إِلَّا مَا أَحْلَلْتَ، ولَا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنَا إِلَّا بِمَا مَثَّلْتَ، ولَا نَتَكَلَّفَ إِلَّا مَا يُدْنِي مِنْ ثَوَابِكَ، ولَا نَتَعَاطَى إِلَّا الَّذِي يَقِي مِنْ عِقَابِكَ»[6].
التكافل الاجتماعيّ في شهر الله
وإنّ من الوسائل المهمّة والمساعدة على تحقيق التقوى وبلوغها، التكافل الاجتماعيّ والإحساس بالفقراء والمحتاجين؛ إذ إنّ الإنسان عندما يمتنع عن الطعام والشراب في نهار رمضان، فإنّه يشعر بجوع الفقراء ومعاناتهم، ممّا يحرّك قلبه نحو الرحمة والإحسان، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سُئل عن علّة فرض الصيام، قال: «إنّما فرض الله عزّ وجلّ الصيام ليستوي به الغنيّ والفقير؛ وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع، فيرحم الفقير؛ لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم، ليرقّ على الضعيف، فيرحم الجائع»[7]. والتقوى ليست مجرّد مشاعر قلبيّة، بل إنّها سلوك ونهج، وتحتاج إلى أعمال تُعين على تحقيقها، ومن أعظم هذه الأعمال الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[8]، والإنفاق في شهر الله تعالى ثوابه جزيل ومضاعف، بل هو أفضل من الصيام نفسه، عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «فِطرِك أخاك الصائم أفضل من صيامك»[9].
إنّ التقوى تتطلّب تطهير المال والنفس من الشحّ، ومن أهمّ الوسائل لذلك أداء الزكاة والصدقات، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَ﴾[10]، وزكاة الفطر في نهاية شهر رمضان هي صورة واضحة لهذا التكافل الذي يرسّخ هذه التقوى.
إنّ الصيام ليس مجرّد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة روحيّة، تعلّم الإنسان الرحمة، والإحسان، والجود، والشعور بالآخرين، وذلك كلّه يؤدّي إلى تحقيق التقوى. وإنّ التكافل الاجتماعيّ في رمضان ليس مجرّد نشاط أو عمل اجتماعيّ، بل هو جزء من طريق التقوى الذي أراده الله لنا.
أعظم الجود عطاء الدم
عباد الله، إنّ شهر رمضان هو شهر الصبر والجهاد، شهر الكرم والعطاء، وهو شهر ينتصر فيه أهل الإيمان على شهواتهم كما ينتصرون على أعدائهم. ففي هذا الشهر الكريم، نستلهم دروس الصبر والصمود، ونستذكر قادةً صنعوا العزّة والكرامة لأمّتهم، نستذكر شهيد الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، الذي جسّد في مسيرته معاني العطاء والثبات والتضحية والإخلاص...
كما أنّ الصائم ينتظر بفارغ الصبر لحظة الإفطار، فإنّ المجاهد ينتظر لحظة النصر، وكما أنّ المؤمن يجود بماله في سبيل الله، فإنّ المقاوم يجود بدمه لحماية أمّته. وهكذا، نستلهم من شهر رمضان، ومن رجال الصدق والثبات، أنّ طريق الكرامة محفوف بالعطاء والصبر والتضحية؛ ولذلك فإنّه حتماً سيؤدّي إلى النصر والتمكين.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصادقين، وأن يوفّق أمّتنا إلى الصبر والثبات، وأن يحفظ قادة المقاومة الشرفاء، وعلى رأسهم الأمين العامّ سماحة الشيخ نعيم قاسم (حفظه الله)، وأن يرزقنا جميعاً النصر العاجل والفرج القريب، إنّه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
[1] سورة البقرة، الآية 185.
[2] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص118.
[3] صحيفة الإمام، ج13، ص34.
[4] سورة البقرة، الآية 183.
[5] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 18/08/2010م.
[6] الصحيفة السجّاديّة، الدعاء 44، ص188.
[7] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، 73.
[8] سورة آل عمران، الآية 92.
[9] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص68.
[10] سورة التوبة، الآية 103.