الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1662 02 شوال 1446 هـ - الموافق 01 نيسان 2025م

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ

أَبْشِرُوا عِبَادَ اَللَّهِكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في خطاب عام 1404 هجريّ شمسيّالرسالة المتلفزة للإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) عشيّة يوم القدس العالميّالمعنويّة أساس المجتمع المهدويّمراقباتعيد الفطر، انتصار الروح وتجسيد القِيَم

العدد 1661 24 شهر رمضان 1446 هـ - الموافق 25 آذار 2025م

عَزَّ عَلَيْنَا فِرَاقُه

يومُ جبهةِ الحقِّنداء الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) بمناسبة بدء العام 1404 هجريّ شمسيّ
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1662 02 شوال 1446 هـ - الموافق 01 نيسان 2025م

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

جاء في وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: «يا كميل، إنّك لا تخلو من نِعَم الله عندك وعافيته إيّاك، فلا تخلُ من تحميده وتمجيده وتسبيحه وتقديسه [وشكره] وذكره على كلّ حال»[1].

تتجلّى النعم الإلهيّة في تفاصيل حياة الإنسان كلّها، منذ نشأته وحتّى مغادرته هذه الدنيا؛ إذ يغمره فضل الله ويحيطه بعطائه اللامحدود. ولا يقتصر ذلك على الحياة الدنيا، بل تمتدّ هذه النعم إلى الآخرة، حيث تظهر بأشكال أبهى وأكمل، تتجاوز ما يمكن إدراكه في عالمنا المادّيّ. وهي نعم لا يمكن إحصاؤها، فقد قال عزّ وجلّ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾[2]، ممّا يدلّ على عظيم فضل الله وسعة عطائه.

وهذه النعم تنقسم إلى ظاهرة يدركها الإنسان بحواسه، وباطنة قد لا يلتفت إليها برغم تأثيرها العميق في حياته، يقول تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾[3].

والنعم هذه، سواءٌ أكانت مادّيّة تمنح الإنسان مقوّمات الحياة، أم معنويّة تهبه السكينة والهداية، فإنّ مصدرها واحد، وهو الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾[4]. ومع أنّ الله يوصل نعمه للناس عبر وسائل وأسباب متعدّدة، إلّا أنّ الفضل يعود إليه وحده، فهو الذي يسخّر جنوده ووسائله وفق حكمته البالغة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمً﴾[5].

أسباب دوام النعم الإلهيّة
وإنّ كثيراً من النعم الإلهيّة قد لا يعرفها الإنسان، ولا يدرك أهمّيّتها، إلّا حين فقدها، يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «النعم هي من الله، ويجب شكرها. احفظوا هذه الوصيّة منّي في أذهانكم. إنّنا لا نعرف الكثير من النعم إلّا حينما نُبتلى بضدّها وبخلافها. الشباب نعمة، وعند الشيخوخة يفهم الإنسان أكثر كم هي نعمة عظيمة»[6].

من هنا، فإنّ حفظ هذه النعم الإلهيّة مسؤوليّة عظيمة، وإنّ الاستهانة بها أو إهدارها قد يؤدّي إلى زوالها، وهذا من أسرارها وخصوصيّاتها التي أرشدنا إليها أهل البيت (عليهم السلام)، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) حول كيفيّة التعامل مع النعمة: «أحسنوا جوار نعم الله، واحذروا أن تنتقل عنكم إلى غيركم، أما إنّها لم تنتقل عن أحد قطّ، فكادت أن ترجع إليه»، قال: «وكان عليّ (عليه السلام) يقول: قلَّ ما أدبر شيء فأقبل»[7]؛ لذا ينبغي على الإنسان أن يعرف موجبات بقاء النعم الإلهيّة، ونذكر منها:

1. الشكر: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ، فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ»[8].
وعن كيفيّة الشكر، يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «للشكر ثلاثة أجزاء: الأوّل معرفة النعمة، وعدم الغفلة عنها؛ والثاني معرفة أنّ هذه النعمة من عند الله، وأنّها عطيّة وهديّة إلهيّة؛ والثالث هو استخدام هذه النعمة بالاتّجاه الصحيح»[9].

2. العدل والإحسان: وهما من القيم الأساسيّة التي تُقوّم حياة الإنسان، وتضمن استقرار المجتمعات، وهما سبب في دوام النعم واستمرار البركات؛ فالعدل يمنح كلّ ذي حقّ حقّه، ويمنع الظلم الذي يجلب العقوبات الإلهيّة، أمّا الإحسان فهو الارتقاء في المعاملة وتقديم الخير من دون انتظار مقابل، ممّا يزيد الألفة وينشر الرحمة بين الناس، عن الإمام الرضا (عليه السلام): «استعمال العدل والإحسان مؤذِن بدوام النعمة، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله»[10].

 3. الجدّ والاجتهاد: من رزقه الله نعمةً، كالرزق الوفير، فعليه أن يجتهد ويثابر للحفاظ على مصدره. ومن أنعم الله عليه بالصحة، فعليه صونها بممارسة الرياضة واتّباع نمط حياة صحّيّ. ومن وهبه الله الأولاد، فواجبه السعي الدؤوب في تربيتهم تربيةً صالحة. وهكذا الحال في سائر النعم، فإنّ دوام النعمة يكون ببذل الجهد في استثمارها، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تدوم النعم إلّا بعد ثلاث: معرفة بما يلزم لله سبحانه فيها، وأداء شكرها، والتعب فيها»[11].

4. الاقتصاد وعدم الإسراف: عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «من اقتصد وقنع بقيت عليه النعمة، ومن بذّر وأسرف زالت عنه النعمة»[12].

5. العطاء والبذل: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ لله عباداً اختصّهم بالنعم، يقرّها فيهم ما بذلوها للناس، فإذا منعوها حوّلها منهم إلى غيرهم»[13].

6. عدم اجتراح الذنوب: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «وايْمُ اللَّه، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ، فَزَالَ عَنْهُمْ، إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا»[14].

7. حفظ اللسان: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «رُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وجَلَبَتْ نِقْمَةً»[15].

استرجاع النعم
يجب على الإنسان إدراك قيمة النعم الإلهيّة التي أغدقها الله عليه، والتأمّل في مظاهر الخير والعطاء التي تملأ حياته، فالتأمّل يورث البصيرة ويوقد نور الاعتبار. كما ينبغي له أن يتجنّب مقارنة نفسه بالآخرين في شؤون الرزق والعطاء الدنيويّ، فالله سبحانه هو مقسّم الأرزاق بحكمته. وقد يكون الرزق الوفير الذي يُمنح لشخصٍ ما سبباً في شقائه، إن لم يُحسن استثماره وصرفه في مواضعه الصحيحة.

وإذا ما ابتُلي الإنسان بزوال نعمة من النعم، فعليه أن يتعامل مع الأمر بحكمة وبصيرة، ويعمل على استرجاعها، فإنّ ذلك ممكن، وذلك عبر:

1. البحث العميق في الأسباب التي أدّت إلى فقدانها، والتأمّل في أخطائه أو تقصيره إن وُجد، ثمّ السعي الجادّ لمعالجة تلك الأسباب، واتّخاذ التدابير اللازمة لاستعادة النعمة أو تعويضها بما هو خير منها.

2. التحلّي بالصبر، فهو من أعظم الفضائل التي تعين الإنسان على مواجهة الابتلاءات وزوال النعم؛ إذ إنّه ليس مجرد تحمّل للشدائد، بل هو موقف إيجابيّ يعكس الإيمان بحكمة الله وعدله، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أحسن الناس حالاً في النعم، مَن استدام حاضرها بالشكر، واسترجع فائتها بالصبر»[16].

3. اللجوء إلى الله عزّ وجل ّبالدعاء والتضرّع الصادق لاسترجاع النعمة التي زالت، فهو سبحانه رحيم كريم، يسمع دعاء عباده، ويستجيب لهم إن أخلصوا في مناجاته، وقد أكدّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أثر الإخلاص في الدعاء، بقوله: «ولَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ ووَلَه مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ»[17]؛ فالدعاء ليس مجرّد طلب، بل هو تعبير عن التوبة الصادقة والعودة إلى الله، ممّا يجعل الإنسان أقرب إلى استرداد ما فقده، أو الحصول على ما هو خير منه.

أعظم النِعَم
إنّ الله عزّ وجلّ متّصف بالكمال المطلق، فلا بخل في ساحته، ولا منع للخير عن مخلوقاته، بل يمنح كلّ كائن ما يحتاجه وفق حكمته وعدله؛ فالبصر والسمع والعلم والهداية والرزق... كلّها نعم يهبها الله لعباده بحسب تقديره الحكيم. وبرغم عطائه الواسع وفيضه العظيم، فإنّ الإنسان قد يجحد النعم بسبب قصر نظره وجهله أو قسوة قلبه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾[18].

وإنّ أعظم النعم الإلهيّة على الإنسان هي أن يرزقه الله قلباً مملوءاً بذكره تعالى وتوحيده، خالصاً له، من دون أن يشغله شيء سواه، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما أنعم الله عزّ وجلّ على عبد أجلّ من أن لا يكون في قلبه مع الله عزّ وجلّ غيره»[19].

وإنّ التوحيد والإخلاص ملازمان لولاية لأهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الله حقّاً إلّا عبرهم، فهم النعمة العظمى التي تظلّل الإنسان بشجرة التوحيد، ورواية السلسلة الذهبيّة عن الإمام الرضا (عليه السلام) تبرز شرطيّة ولايتهم للدخول في حصن التوحيد، وقد فُسّرت الآية الكريمة: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾[20] بأنّ نعمة الله هم الأئمّة (عليهم السلام)، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾[21]، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده، وبنا فاز من فاز»[22].


[1] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص174.
[2] سورة إبراهيم، الآية 34.
[3] سورة لقمان، الآية 20.
[4] سورة النحل، الآية 53.
[5] سورة الفتح، الآية 7.
[6] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 28/10/2009م.
[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص38.
[8] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص470، الحكمة 13.
[9] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 28/10/2009م.
[10] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2، ص26.
[11] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص318.
[12] المصدر نفسه، ص403.
[13] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، ج1، ص371.
[14] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص257، الخطبة 178.
[15] المصدر نفسه، ص543، الحكمة 381.
[16] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص123.
[17] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص257، الخطبة 178.
[18] سورة إبراهيم، الآية 34.
[19] ابن فهد الحلّيّ، عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص219.
[20] سورة النحل، الآية 83.
[21] سورة إبراهيم، الآية 28.
[22] علي بن إبراهيم، تفسير القمّيّ، ج1، ص388.

02-04-2025 | 19-36 د | 118 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net