الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1703 22 رجب 1447هـ - الموافق 12 كانون الثاني 2026م

لِيُخْرِجَهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور

مكافأةُ المعروفكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) بمناسبة ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) وذكرى استشهاد الحاج قاسم سليمانيخالصون من علائق الدنيامراقبات

العدد 1702 15 رجب 1447هـ - الموافق 05 كانون الثاني 2026م

الاعتبار والتقوى في زمن الفتن

أيّامُ الأملِ والعملِآثار ترك الزهدعنوانُ صحيفةِ المؤمنِمراقبات
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1703 22 رجب 1447هـ - الموافق 12 كانون الثاني 2026م

لِيُخْرِجَهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾[1]، و ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾[2]. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله ﴿بِالْهُدى‏ وَدينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[3]. اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، الطيّبين الطاهرين، الهداة المهديّين، مصابيح الدجى وسفن النجاة.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى نائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى شهيدنا الأسمى سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، في الخامس والعشرين من شهر رجب، عام 183 للهجرة.

عن أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام): «بَعث اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) لِإِنْجَازِ عِدَتِهِ، وإِتْمَامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُه، كَرِيماً مِيلَادُهُ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَة، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِهِ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ؛ فَهَدَاهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ»[4].

من ظلمات الجاهليّة إلى نور الوعي
نعيش هذه الأيّام ذكرى المبعث النبويّ الشريف، الذكرى التي لم تكن حدثاً تاريخيّاً عابراً، ولا مجرّد انتقال شخصيّ لنبيّ من حالٍ إلى حال، بل كانت تحوّلاً كونيّاً في مسار الإنسان والتاريخ، وبدايةً لصحوةٍ كبرى، أخرجت البشريّة من ظلمات الجهل إلى نور الوعي، ومن عبوديّة الأصنام والطغاة إلى عبوديّة الله وحده.

لقد بُعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عالمٍ مضطرب، وفي بيئةٍ تعيش الانهيار القيميّ والأخلاقيّ والإنسانيّ. عالمٌ تتسلّط فيه القوّة، وتُستباح فيه الكرامة، ويُقاس الإنسان بما يملك. جاهليّةٌ لم تكن جهلاً بالعلم فقط، بل جهلاً بالحقّ، وبالعدالة، وبقيمة الإنسان.

يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك المرحلة وصفاً دقيقاً، فيقول إنّ الناس كانوا «في فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا»[5]؛ فاختلط الحقّ بالباطل، وضاعت البوصلة، وتحوّلت الحياة إلى صراعٍ مفتوحٍ بلا ضوابط ولا قيم.

في خضمّ هذا الظلام، شاء الله أن يبعث نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، بعد أن أعدّه إعداداً خاصّاً، وربّاه تربيةً إلهيّة، فكان قبل البعثة مثال الإنسان المتأمّل، العابد، الرافض للانغماس في فساد المجتمع، المعتزل للباطل، الباحث عن الحقيقة. وحين بلغ الكمال الإنسانيّ في قابليّته واستعداده، نزل الوحي في غار حراء: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[6]، وكانت هذه الكلمة الأولى إعلاناً عن طبيعة هذه الرسالة: رسالة وعي، ورسالة معرفة، ورسالة بناء الإنسان.

المبعث النبويّ مشروع تحرير الإنسان
لم يكن المبعث النبويّ بعثة شعائر فقط، بل كان بعثة مشروع، مشروع تحرير الإنسان من كلّ أشكال العبوديّة لغير الله، وفي هذا السياق يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «إنّ عيدَ المبعث هو عيد النهوض والانبعاث لإزالة الآلام والمحن عن البشر، وعليه فهو -حقّاً- يوم عيد. غالبيّة الآلام والشدائد التي تُعاني منها البشريّة على امتداد التاريخ، ما زالت مستمرّة إلى يومنا هذا بأشكال مختلفة، هي: عبوديّة غير الله، وانتشار الظلم والجور، والاختلاف الطبقيّ، ومصائب الضعفاء، وغطرسة المتسلّطين الأقوياء، هذه آلام تُعاني منها البشريّة باستمرار، وقد فرضها الجبابرة العُتاة على البشر دوماً بدوافع فاسدة ومُفسِدة. البعثة جاءت لإزالة هذه الآلام والقضاء عليها»[7].

ولهذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»[8]؛ أي إنّ الأخلاق ليست أمراً ثانويّاً في الدين، بل هي جوهر الرسالة، ومعيار الإيمان، وميزان صدق الانتماء.

وحين ننظر إلى شخصيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، نرى أنّه جسّد الرسالة قبل أن ينطق بها؛ فلقد كان صادقاً قبل أن يدعو إلى الصدق، أميناً قبل أن يأمر بالأمانة، رحيماً قبل أن يشرّع الرحمة، عادلاً قبل أن يؤسّس للعدالة؛ ولهذا التفّ الناس حوله، لا بالقوّة والإكراه، بل لأنّهم رأَوا في شخصه صورة الإنسان الذي يبحثون عنه، والقدوة التي يفتقدونها.

لقد واجه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في بداية بعثته مجتمعاً متوحّشاً في قيمه، قاسياً في أعرافه، يقوم على العصبيّة، ويبرّر الظلم، ويَئِد البنات، ويعبد الحجر، ويقطع الأرحام، ويجعل الحرب وسيلة الحياة. ومع ذلك، لم يبدأ بالسيف، بل بدأ بالكلمة، وبالصبر، وبالتربية، وببناء الإنسان المؤمن الواعي.

الصبر والثبات في مواجهة التحدّيات
حين نحيي ذكرى المبعث النبويّ الشريف اليوم، لا نحييها في فراغٍ تاريخيّ، بل نحييها ونحن نعيش واقعاً مثقلاً بالجراح والتحدّيات الكبرى. نحييها في لبنان الجريح، هذا البلد الذي يرزح تحت أزماتٍ متراكمة؛ اقتصاديّة واجتماعيّة وأخلاقيّة وسياسيّة، ويواجه فوق ذلك تعدّياً يوميّاً من الكيان الغاصب، يستهدف الأرض والناس والأمن والكرامة، مدعوماً من بعض الفئات الداخليّة في الوطن.

برغم هذه الضغوط المستمرة، تقف بيئتنا صابرة محتسبة، واعية لطبيعة الصراع، ثابتة على خيارها، لا تنجرّ إلى اليأس، ولا تسقط في الفوضى، ولا تتخلّى عن قيمها. فكما علّمنا النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في بدايات دعوته، حين لم يكن يملك من القوّة شيئاً، وواجه الأذى والسخرية والمقاطعة، واتُّهم، وحُوصِر، وأُخرج من وطنه، وقال في ذلك: «ما أُوذِيَ نَبيٌّ مِثلَ ما أُوذيتُ»[9]، ومن أشكال ما عانى منه (صلّى الله عليه وآله) تلك الملاحقة الدائمة له من قِبل رجالات قريش، أمثال أبي لهب وغيره، وممّا ورد في ذلك أنّه أقام «بِمَكَّةَ ثَلاثَ سِنينَ مِن أوَّلِ نُبُوَّتهِ مُستَخفِياً، ثُمَّ أعلَنَ فِي الرَّابِعَةِ، فَدَعَا النَّاسَ إلَى الإسلامِ عَشرَ سِنينَ... حَتَّى إنَّهُ لَيَسألُ عَنِ القَبائِلِ ومَنازِلِها قَبيلَةً قَبيلَةً، ويَقولُ: «يا أيُّهَا النّاسُ، قُولوا: لا إلهَ إلَّا اللّهُ، تُفلِحوا، وتَملِكوا بِهَا العَرَبَ، وتَذِلَّ لَكُمُ العَجَمُ، وإذا آمَنتُم كُنتُم مُلوكا فِي الجَنَّةِ». وأبو لَهَبٍ وَراءَهُ يَقولُ: لا تُطيعوهُ؛ فَإنَّهُ صابِئٌ كاذِبٌ!»[10]، لكنّه لم يتراجع؛ لأنّه كان يحمل رسالةً تخصّ الإنسانيّة جمعاء.

ومن هنا نفهم العلاقة العميقة بين المبعث النبويّ، ومسيرة الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، وفي طليعتهم الإمام الكاظم (عليه السلام)، الذي نعيش أيضاً ذكرى شهادته في هذا الشهر؛ فجهاد الإمام الكاظم لم يكن منفصلاً عن بعثة جدّه، بل كان استمراراً لها في زمن الطغيان العبّاسي. لقد واجه الإمام (عليه السلام) دولةً قاهرة، وسلطاناً جائراً، وسجوناً مظلمة، لكنّه واجهها بنفس السلاح الذي واجه به النبيّ الجاهليّة: سلاح الأخلاق، وسلاح الوعي، وسلاح الصبر، وسلاح بناء القاعدة المؤمنة، حتّى صار خطره الحقيقيّ ليس في ثورةٍ مسلّحة، بل في كونه بديلاً أخلاقيّاً وروحيّاً للنظام الظالم، ومثالاً يُحتذى به لكلّ من يواجه الظلم والطغيان.

إنّ رسالة المبعث إذاً، هي دعوةٌ للصبر والثبات في زمن الاختبار. فهي تذكّرنا أنّ التغيير الحقيقيّ لا يبدأ من الخارج فقط، بل يبدأ من الداخل؛ من بناء الإنسان الصادق، الأمين، الواعي، المسؤول، الذي يعرف موقعه ويؤدّي واجبه، ويصبر حيث يجب الصبر، ويثبت حيث يجب الثبات، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[11]، وهذا الصبر ليس ضعفاً، بل هو خطّ الدفاع الأوّل عن الأوطان وعن القيم، وهو قوّة لا يُضاهيها مالٌ ولا سلاح.

وإنّ أخطر ما يصيب الأمم ليس الفقر وحده، ولا الحصار وحده، بل انهيار القيم من الداخل، وإنّ أعظم قوّة تمتلكها الأمّة هي الإنسان الذي يعرف حقّه، ويحمل قضيّته بوعيٍ وأخلاقٍ وثبات، ويواجه الظلم بعزيمةٍ وإيمان.

نسأل الله تعالى في هذه الذكرى العظيمة، أن يجعلنا من السائرين على نهج نبيّه، ومن المتمسّكين بقيمه، ومن العاملين على إصلاح أنفسنا ومجتمعنا، وأن يفرّج عنّا، ويحفظ بلدنا من الفتن، ويعيد إليه عافيته ووحدته وكرامته.


[1] سورة الزمر، الآية 37.
[2] سورة الأعراف، الآية 186.
[3] سورة التوبة، الآية 33. سورة الصف، الآية 9.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (تحقيق صبحي صالح)، ص44، الخطبة الأولى.
[5] المصدر نفسه، ص47، الخطبة 2.
[6] سورة العلق، الآية 1.
[7] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 05/05/2016م.
[8] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص382.
[9] ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام)، ج‏3، ص247.
[10] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج1، ص216.
[11] سورة النحل، الآية 127.

12-01-2026 | 09-15 د | 8 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net