الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين.
نبارك لوليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، ولشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ولمراجعنا وقادتنا العِظام، وللأمّة الإسلاميّة جمعاء، ذكرى ولادة صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء) في الخامس عشر من شهر شعبان، سنة 255 للهجرة، سائلين المولى أن يعجّل فرجه الشريف، وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه، وأن يكرمنا بالشهادة بين يديه.
كما نبارك لكم أيضاً ذكرى ولادةِ عليٍّ الأكبر، في الحادي عشر من شهر شعبان، سنة 33 للهجرة.
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾[1]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾[2].
أيّها المؤمنون،
نعيش في أيّامٍ مباركة من شهر شعبان، هذا الشهر الذي جعله الله محطّة نورٍ بين شهرَي رجب ورمضان، وفيه ولادات عظيمة تختصر مسيرة الإسلام والجهاد والتضحية؛ ففي أوائله كانت ذكرى ولادة سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخيه قمر بني هاشم العبّاس (عليه السلام)، والإمام زين العابدين (عليه السلام)، واليوم نحن في أيّام ولادة عليّ الأكبر بن الحسين (عليه السلام)، رمز الشباب الواعي المجاهد، وعلى مقربةٍ من ولادة الإمام الحجّة بن الحسن المهديّ (عجّل الله فرجه)، وعدِ الله للأرض بالعدل بعد طول ظلم، ليكون هذا الشهر سلسلةً من الولادات التي ترسم طريق الوعي، والجهاد، والعدل الإلهيّ.
بين ولادة عليّ الأكبر وولادة الإمام المهديّ (عليهما السلام) منهجٌ ثابت وخطّ واحد: الحقّ في مواجهة الباطل، الثبات في زمن الفتن، الأمل في زمن الاضطهاد.
أثناء الطريق إلى كربلاء، يقول الراوي: خفق [الإمام الحسين (عليه السلام)] وهو على ظهر فرسه خفقة، ثمّ انتبه، وهو يقول: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين»، ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً، فأقبل إليه ابنه عليّ بن الحسين (عليهما السلام) على فرس، فقال: ممَّ حمدت الله واسترجعت؟ فقال: «يا بُنيّ، إنّي خفقت خفقة، فعنَّ لي فارس على فرس، وهو يقول: القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيَت إلينا»، فقال له: يا أبتِ، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ؟ قال: «بلى، والذي إليه مرجع العباد»، قال: فإنّنا إذاً لا نبالي أن نموت محقِّين، فقال له الحسين (عليه السلام): «جزاك الله من ولدٍ خيرَ ما جزى ولداً عن والده!»[3].
هذا السؤال يعود اليوم ليُطرَح في واقعٍ تُشوَّه فيه الحقائق، وتختلط الأصوات، وتُقلَب الموازين. نعيش زمناً يُصوَّر فيه الظالم صاحب حقّ، ويُتَّهَم فيه المظلوم بالإرهاب، ويُدان فيه الثابت على مبادئه، ويُكافأ المتخاذل والمتراجع. في هذا الضجيج الإعلاميّ والسياسيّ والأخلاقيّ، يعود هذا السؤال الكربلائيّ الأصيل: ألسنا على الحقّ؟
إنّ الإجابة هنا لا تُقاس بالعتاد والعديد وحجم الضجيج الإعلاميّ وقوّة التحالفات وغطرسة الاستكبار، بل تُقاس بميزان القِيَم الإلهيّة، يقول تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[4].
عباد الله،
لم يكن عليّ الأكبر (عليه السلام) مجرّد شابٍّ شجاع، بل كان شابّاً بصيراً واعياً، كيف لا؟ وهو الذي يصفه أبوه الإمام الحسين (عليه السلام) بأنّه كان أشبه الناس خلقاً وخُلُقاً ومنطقاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله)[5].
لقد جمع في شخصيّته بين الإيمان والعقل، وبين الشجاعة والوعي، وبين الطاعة والبصيرة. تقدّم وهو يعرف أين يقف، ومع مَن يقف، ولماذا يقف؛ ولهذا صار نموذجاً لكلّ شباب الأمّة في كلّ زمان ومكان.
في زمننا، تُستهدَف عقول الشباب قبل أجسادهم، تُزرَع فيهم ثقافة اللامبالاة، ثقافة التنازل، ثقافة التشكيك في القيَم والمعتقدات، فيأتي عليّ الأكبر ليقول: لا تبالِ بالموت طالما أنّك على حقّ، كن على بصيرة من أمرك، لا تصمت أمام الظلم، لا تكن أداة في يد الباطل... وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر»[6].
ومن كربلاء إلى زمن الغيبة، من امتحان الحضور إلى امتحان الانتظار. كربلاء كانت امتحان الحقّ حين كان الإمام حاضراً، وزمن الغيبة امتحان الحقّ حين يغيب الإمام عن الأبصار، لكنّه حاضر في العقول والقلوب.
الانتظار في مدرسة أهل البيت ليس قعوداً ولا هروباً من المشاركة في الواقع والأحداث، بل هو عمل وإصلاح واستعداد... عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق»[7].
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «الانتظار حركةٌ وليس سكوناً؛ ليس الانتظار إهمالاً وقعوداً إلى أن تصلح الأمور بنفسها، الانتظار حركةٌ واستعدادٌ، هذا هو انتظار الفرج»[8]؛ فالمنتظر الحقيقيّ هو الذي يتحمّل مسؤوليّته وتكليفه، المنتظر هو الذي يُصلح نفسه ومجتمعه، ويقف مع المظلوم، ويحفظ البوصلة الأخلاقيّة في زمن الانحراف.
أيّها المؤمنون،
نعيش اليوم مرحلة اعتداءات إقليميّة، وحروب إرادات، ومحاولاتٍ لكسر معنويّات الشعوب، وإعادة رسم المنطقة على حساب كرامة الإنسان. في هذا الواقع، تُختبَر المبادئ، وتُرغَم الناس على التنازل، ويُخَوَّن الثابت، ويُلمَّع المنسحِب.
وهنا تعود الحاجة إلى بصيرة عليّ الأكبر، لا إلى اندفاعٍ أعمى، ولا إلى صمتٍ ذليل، ويقول لنا أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيّها الناس، لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة مَن يسلكه؛ إنّ الناس اجتمعوا على مائدةٍ قليلٌ شبعها، كثيرٌ جوعها، والله المستعان»[9]، فإنّ الحقّ لا يُقاس بالكثرة، ولا بالضجيج، ولا بالتصفيق، بل بصدق الموقف واستقامة الطريق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾[10]. وإنّ شهر شعبان هو شهر التمهيد، شهر ولادة الأمل والفرج، ولادة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه)، شهر إعلانٍ دائم بأنّ للظلم نهاية، وأنّ للحقّ دولة، وأنّ الليل مهما طال أمده، فإنّ له فجراً، يرَونه بعيداً ونراه قريباً. يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «إنّ مستقبل الأرض هو مستقبل غلبة التوحيد، وغلبة الدين الإلهيّ والمستضعفين، هو مستقبل الحكمة والرخاء والرفاه، وبالتالي يتحقّق ما جاهد، وناضل، وضحّى، وجهد لأجله أنبياء اللّه (عليهم السلام) طوال التاريخ»[11].
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إذا قام قائمنا، وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم»[12]، فنحن نعيش بين جراح الحاضر وأمل المستقبل، وبين كربلاء وبشارة الظهور، والرابط بينهما واحد: ألسنا على الحقّ؟
أيّها المؤمنون،
لقد علّمنا عليّ الأكبر أنّ الطريق إلى الله لا يُقاس بطول الآجال، وأنّ الأرواح والدماء ترخص دفاعاً عن الحقّ. والإمام المهديّ (عليه السلام) يعلّمنا أنّ الثبات اليوم هو تمهيد للفرج غداً، وأنّ اليأس خيانة لوعد الله.
فلنكن في هذا الشهر من أهل البصيرة، وأهل الثبات، وأهل الأمل، وأهل الاستعداد. لنحفظ بوصلتنا الأخلاقيّة، ولنربِّ أبناءنا على منطق عليّ الأكبر، لا على منطق الهزيمة والانكسار، ولنكن ممَّن ينتظر الفرج بالعمل والصبر والثبات، لا بالأماني، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾[13].
اللهمّ اجعلنا من السائرين على نهج الإمام الحسين (عليه السلام)، ومن المنتظرين الصادقين لفرج وليّك الأعظم (عليه السلام)، واحفظ شبابنا من الفتن، وأمّتنا من الضياع، وارزقنا البصيرة في زمن الالتباس، والثبات في زمن الانكسار، والأمل في زمن الألم، والحمد لله ربّ العالمين.
[1] سورة يوسف، الآية 108.
[2] سورة المائدة، الآية 8.
[3] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص82.
[4] سورة آل عمران، الآية 139.
[5] ابن أعثم الكوفيّ، الفتوح، ج5، ص114.
[6] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، ج1، ص432.
[7] ابن أبي زينب النعمانيّ، الغيبة، ص207.
[8] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 17/08/2008م.
[9] ابن أبي زينب النعمانيّ، الغيبة، ص35.
[10] سورة هود، الآية 113.
[11] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 02/11/2014م.
[12] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص25.
[13] سورة الإسراء، الآيتان 51 - 52.









