الحمد لله الذي جعل بيوته في الأرض منارات هدايته، ومهابط رحمته، ومواطن ذكره وطاعته، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّدٍ المصطفى، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
أيّها المؤمنون،
في آخر أسبوع من شهر شعبان، أسبوع المسجد، وعلى أعتاب شهر رمضان المبارك، تتلاقى مناسبتان عظيمتان: عودةٌ إلى المسجد، واستعدادٌ للقاء أعظم مواسم الطاعة في السنة؛ وفي ذلك رسالة تربويّة مفادها أنّ الطريق إلى شهر الله يبدأ من بيوت الله في الأرض: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾[1].
المسجد مركز بناء الإنسان والأمّة
لا يقتصر مفهوم المسجد في الإسلام على كونه مكاناً لأداء الشعائر، بل يمثّل مؤسّسة لصناعة الإنسان وبناء المجتمع. ويؤكّد هذا المعنى أنّ أوّل خطوة قام بها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بعد هجرته إلى المدينة كانت بناء المسجد، ليكون نقطة الانطلاق في تشكيل الجماعة الإسلاميّة على أساس الإيمان والتقوى.
وقد حدّد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) موقع المسجد في سلّم القيم؛ إذ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «جاء أعرابيّ من بني عامر إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فسأله عن شرّ بقاع الأرض وخير بقاع الأرض، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): شرّ بقاع الأرض الأسواق... وخير البقاع المساجد، وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ أوّلهم دخولاً وآخرهم خروجاً منها»[2]، فهذا التحديد يكشف عن كون المسجد هو فضاء التزكية وصناعة الوعي الدينيّ، في مقابل الأسواق حيث الانشغال بالدنيا إذا انفصلت عن البعد القيميّ.
ويقدّم الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) توصيفاً وظيفيّاً شاملاً لدور المسجد، فيقول: «يمكن للمسجد أن يكون قاعدة الأعمال الصالحة والحسنة كلّها؛ قاعدة لبناء النفس، قاعدة لصناعة الإنسان، إصلاح القلب، وإصلاح الدنيا، ومواجهة العدوّ، والأرضيّة اللازمة لبناء الحضارة الإسلاميّة، وتقوية مصيرها... المسجد هو قاعدة كهذه»[3].
ويؤسّس القرآن الكريم لهذا الفهم حين يربط عمارة المسجد بالإيمان والسلوك: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾[4].
وعليه، فإنّ عمارة المسجد تعني إنتاج الإنسان الصالح وبناء المجتمع القيميّ، ويترتّب على ضعف الارتباط بالمسجد ضعف في منظومة القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة؛ لأنّ المسجد يمثّل الحلقة المركزيّة في عملية التزكية.
اغتنام ما تبقّى من شعبان
وإذا كان المسجد هو المركز العمليّ لبناء الإنسان وتزكية المجتمع، فإنّ شهر شعبان يمثّل الإطار الزمنيّ الأهمّ لتهيئة النفوس لدخول موسم التحوّل الأكبر، وهو شهر رمضان. فالعلاقة بين المسجد وشهر شعبان علاقة تكامل وظيفيّ: المسجد فضاءٌ تربويّ، وشهر شعبان زمن الإعداد الروحيّ. لذا، كان تأكيد اغتنام ما تبقّى من هذا الشهر في روايات المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ إنّ التقصير في أوائله لا يعني ضياع الفرصة، بل ثمّة فسحة للتدارك وجبر النقص، عن أبي الصلت الهرويّ قال: دخلتُ على الإمام الرضا (عليه السلام) في آخر جمعة من شعبان، فقال لي: «يا أبا الصلت، إنّ شعبان قد مضى أكثره، وهذه آخر جمعة فيه؛ فتدارك في ما بقي تقصيرَك في ما مضى منه، وعليك بالإقبال على ما يعنيك»[5].
ثمّ يحدّد الإمام (عليه السلام) برنامجاً عمليّاً للاستعداد الروحيّ، يقوم على ثلاثة عناصر: تصحيح العلاقة مع الله، وتصحيحها مع النفس، وتصحيحها مع الناس، فيقول: «وأَكثِر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتُب إلى الله من ذنوبك، ليقبل شهر رمضان إليك وأنت مخلص لله عزّ وجلّ، ولا تدعنّ أمانة في عنقك إلّا أدّيتها، وفي قلبك حقداً على مؤمن إلّا نزعته، ولا ذنباً أنت مرتكبه إلّا أقلعت عنه، واتّقِ الله وتوكّل عليه، في سرّ أمرك وعلانيتك، ﴿وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ اِنَّ اللهَ بالِغُ اَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىء قَدْراً﴾[6]».
ويؤكّد الإمام (عليه السلام) البعد الرجائيّ في ما تبقّى من شعبان، قائلاً: «وأَكثِر من أن تقول في ما بقي من هذا الشهر: «اللّـهُمَّ، إِنْ لَمْ تَكُنْ غَفَرْتَ لَنا في ما مَضى مِنْ شَعْبانَ، فَاغْفِرْ لَنا في ما بَقِيَ مِنْهُ»؛ فإنّ الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشّهر رقاباً من النار لحرمة هذا الشهر»[7].
إنّ هذه التوجيهات تكشف أنّ اغتنام أواخر شعبان هو عمليّة تطهير داخليّ، تشمل التوبة وردّ الحقوق وإزالة الأحقاد وقطع الاستمرار في الذنب، وهي عناصر تمثّل شرطاً بنيويّاً لدخول شهر رمضان دخولاً مثمراً.
ويأتي الصوم في أواخر شعبان في مقدّمة هذه الأعمال التمهيديّة؛ لما له من أثر مباشر في الانتقال التدريجيّ إلى أجواء شهر رمضان، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «مَن صام ثلاثة أيّام من آخر شعبان، ووصلها بشهر رمضان، إيماناً واحتساباً، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمّه»[8].
مسؤوليّة الأسرة في توجيه أبنائها
إذا كان شهر شعبان مرحلةَ تهيئةٍ روحيّة لدخول شهر رمضان، وكان المسجد مكان بناء الإنسان وصناعة التزامه، فإنّ الأسرة تمثّل الجسر الذي يصل بين الزمن والمكان؛ فهي المسؤولة الأولى عن السلوك العباديّ في ما تبقّى من أيّام شعبان، وعن ربط الأبناء بالمسجد، وقد حمّل القرآن الكريم الأسرة هذه المسؤوليّة صراحةً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَار﴾[9]، وهذه الوقاية تتحقّق بصناعة بيئة عمليّة تُحبِّب الأبناء بالطاعة، وتربطهم بالمكان الذي تتجسّد فيه العبادة جماعةً، وهو المسجد.
وقد جاء التوجيه بتأسيس علاقة مبكّرة بين الأبناء والصلاة، فعن الإمام الصادق، عن أبيه (عليهما السلام): «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين»[10]، والأمر بالصلاة لا ينفصل عن الأمر بالمسجد؛ لأنّ الصلاة في الجماعة هي التي تُنشئ في الطفل روح الانضباط، ومعنى الانتماء إلى الجماعة المؤمنة.
وتتضاعف هذه المسؤوليّة في أواخر شهر شعبان؛ لأنّ هذه الأيّام تمثّل آخر فرصة لتصفية النفس قبل دخول شهر رمضان، كما أكّد الإمام الرضا (عليه السلام): «فتدارك في ما بقي تقصيرك في ما مضى منه».
وفي هذا السياق، يكون اصطحاب الأبناء إلى المسجد في ما تبقّى من شعبان تدريباً عمليّاً على الاستعداد لشهر الله، وتربيةً لهم على أنّ التديّن ليس حالةً موسميّة، بل نمط حياةٍ مرتبط ببيت الله. ويشهد لهذا المعنى ما أكّده الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) بقوله: «هذا ما تقوم به شريعة الإسلام الهادفة إلى تربية الإنسان الحقيقيّ... فشرَّعَت الأعمال والفرائض التي يجب عليه القيام بها. والهدف من ذلك كلِّه أن يتربّى جميع أفراد المجتمع تربيةً صالحة»[11].
وقد ورد التحذير الشديد من هجران المساجد؛ لما لذلك من آثارٍ خطيرة على الفرد والجماعة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها، فأوحى الله عزّ وجلّ إليها: وعزّتي وجلالي، لا قبلتُ لهم صلاة واحدة، ولا أظهرتُ لهم في الناس عدالة، ولا نالتهم رحمتي، ولا جاوروني في جنّتي»[12]، وهو تعبير يكشف أنّ في الانقطاع عن المسجد خللاً تربويّاً ينعكس على البناء الأخلاقيّ والاجتماعيّ للأمّة.
ختاماً
إنّ المسجد هو بيت الله ومركز التربية الإيمانيّة، وشهر شعبان هو إطار زمنيّ لإعداد النفوس قبل شهر رمضان، والأسرة هي الجسر الذي يربط بين الزمان والمكان، فتربّي الأبناء على الصلاة وارتباطهم بالمسجد، وتغتنم معهما ما تبقّى من أيّام شعبان للتوبة والاستغفار وردّ الحقوق.
وتأكيداً لهذه المسؤوليّة، يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «نربّي أنفسنا وإخواننا وأخواتنا وأبناءنا وبناتنا والناس من حولنا على هذا المعنى [الإيمان بالله واليوم الآخر]… الأولى بنا أن نحرص على آخرة الناس، على حياتهم الأبديّة التي يجب أن تحكمها السعادة والرضوان في جوار الله»[13].
[1] سورة النور، الآية 36.
[2] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص199.
[3] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 21/08/2016م.
[4] سورة التوبة، الآية 18.
[5] ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج1، ص42.
[6] سورة الطلاق، الآية 3.
[7] ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج1، ص42.
[8] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج94، ص80.
[9] سورة التحريم، الآية 6.
[10] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج3، ص409.
[11] الإمام الخمينيّ، صحيفة الإمام، ج5، ص 224.
[12] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص 696.
[13] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 07/09/2008م.









