الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1709 05 شهر رمضان 1447هـ - الموافق 23 شباط 2026م

صدَّقَتني وآمَنَت بي

سلامُ اللهِ إليهارسالة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) إلى المؤتمر الوطنيّ «شهداء الأسر الغرباء»كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظله) في لقاء أهالي محافظة آذربيجان الشرقيّةالسيّدة العظيمةمراقباتمراقباتالاستفادة من شهر رمضان المبارككلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) المتلفزة، يشكر فيها الشعب الإيرانيّ العظيم على حضوره المليونيّ في مسيرات يوم الله «22 بهمن»الوِفادةُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1709 05 شهر رمضان 1447هـ - الموافق 23 شباط 2026م

صدَّقَتني وآمَنَت بي

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء برحيل زوج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمّ المؤمنين خديجة الكبرى (عليها السلام).


عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لم يكمُل من النساءِ إلّا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله)»[1].

شريكة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
نقف عند سيرة أمّ المؤمنين السيّدة خديجة الكبرى (عليها السلام)، بوصفها إحدى القمم الأربع في تاريخ الإيمان، وأوّل مَن سبق إلى التصديق برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كما قال (صلّى الله عليه وآله): «خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله)»[2].

وتتجلّى خصوصيّتها التاريخيّة في أنّها عاشت مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أخطر مراحل الدعوة الإسلاميّة؛ مرحلة مكّة المكرّمة، وهي مرحلة الاستضعاف والحصار والأذى؛ فقد شاركته آلام الرسالة منذ بداياتها الأولى، ووقفت معه في الدعوة السرّيّة ثمّ العلنيّة، وفي مواجهة قريش، وفي حصار شعب أبي طالب.

وقد لخّص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طبيعة تلك المرحلة بقوله: «ما أُوذِيَ نبيٌّ مثلما أوذِيت»[3]، وكانت خديجة (عليها السلام) شريكةَ هذا الأذى، وصاحبة موقفٍ فيه، فتحمّلت تبعات الدعوة نفسيّاً واجتماعيّاً، وتعرّضت للعزلة والقطيعة حين هجرتها نساء قريش بسبب وقوفها إلى جانب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فكان صبرها نموذجاً للجهاد الاجتماعيّ والنفسيّ في سبيل الله.

شراكة التأسيس
ومن أبرز معالم هذه الشخصيّة العظيمة أنّها كانت أوّل مَن آمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وصدّق دعوته منذ اللحظة الأولى؛ وهذا الإيمان كان موقفاً مصيريّاً؛ لأنّ انتقال الإنسان من منظومة اعتقاديّة واجتماعيّة راسخة عاش فيها سنوات طويلة، إلى دعوة جديدة، يعني مواجهة المجتمع كلّه، وتحمّل تبعات العزلة والاضطهاد.

وقد روى يحيى بن عفيف، عن أبيه، قال: كنتُ جالساً مع العبّاس بن عبد المطّلب بمكّة، قبل أن يظهر أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فجاء شابٌّ، فنظر إلى السماء حين تحلّقَتِ الشمس[4]، ثمّ استقبل الكعبة، فقام يصلّي، ثمّ جاء غلام، فقام عن يمينه، ثمّ جاءت امرأة، فقامَت خلفهما، فركع الشابّ، فركع الغلام والمرأة، ثمّ رفع الشابّ فرفعا، ثمّ سجد الشابّ فسجدا، فقلتُ: يا عبّاس، أمرٌ عظيم؟! فقال العبّاس: أمرٌ عظيم، أتدري مَن هذا الشابّ؟ هذا محمّد بن عبد الله، ابن أخي، أتدري مَن هذا الغلام؟ هذا عليّ بن أبي طالب، ابن أخي، أتدري مَن هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد. إنّ ابنَ أخي هذا حدَّثني أنّ ربّه، ربّ السماوات والأرض، أمره بهذا الدين الذي هو عليه، ولا والله، ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة[5].

إنّ هذا النصّ يبيّن بشكلٍ جليّ أنّ السيّدة خديجة (عليها السلام) كانت جزءاً من النواة الأولى للإسلام، لا مجرّد تابع أو مؤيّد، بل كانت شريكة في التأسيس منذ لحظاته الأولى، ومساهمة في تثبيت أركان الرسالة في زمن الاستضعاف.

جهادها بمالها في زمن الحصار
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «قدّم لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) السيّدة خديجة (عليها السلام) قدوةً وأسوةً لكلّ النساء والرجال، ووصفها بخير النساء وأفضلهنّ؛ لذلك يجب الاستفادة من سيرتها العطرة»[6].

وإذا أردنا أن نبحث في سرّ هذه القدوة، فإنّنا نجد أنّ من أعظم تجلّيات هذه الأسوة الإلهيّة جهادها العمليّ في أحلك الظروف، لا بالكلمة فقط، بل بالمال والنفس والصبر مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وإنّ أحد أبرز أوجه عطائها الرساليّ، جهادها بمالها في زمن الحصار؛ إذ أنفقته في سبيل نصرة الدعوة، لا في زمن اليسر، بل في زمن العسر، ولا في زمن القوّة، بل في زمن الضعف. وكانت المصداق الأبرز لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾[7]، وقد كان جهادها (عليها السلام) بكلّ مالها، وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «ما نفعني مالٌ قطُّ مثلَ ما نفعني مالُ خديجة»[8].
لقد كان هذا الإنفاق في مرحلة الحصار في شعب أبي طالب، حين قاطعت قريش المسلمين اقتصاديّاً واجتماعيّاً، ومنعت عنهم الطعام والتجارة، فلم يكن يصل إليهم شيء إلّا سرّاً وبشقّ الأنفس؛ إذ «اجتمعوا في دار الندوة، وكتبوا بينهم صحيفة أن لا يواكلوا بني هاشم، ولا يكلّموهم، ولا يبايعوهم، ولا يزوّجوهم، ولا يتزوّجوا إليهم، ولا يحضروا معهم، حتّى يدفعوا محمّداً إليهم فيقتلوه، وأنّهم يد واحدة على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليقتلوه غيلةً أو صراحاً»[9].

وهنا تظهر خصوصيّة جهاد خديجة (عليها السلام)؛ إذ إنّها أنفقت مالها كلّه في لحظة تاريخيّة مصيريّة بالغة الخطورة، فكانت من مصاديق قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾[10].

السيّدة خديجة النموذج الإسلاميّ
إنّ السيّدة خديجة (عليها السلام) تمثّل النموذج الإسلاميّ الكامل للمرأة في بعدها الإيمانيّ والاجتماعيّ والجهاديّ؛ فهي امرأة آمنت بالرسالة منذ لحظتها الأولى، وثبتت عليها في زمن العزلة والاضطهاد، وأسهمت عمليّاً في صناعة مستقبل الإسلام. وقد بيّن الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) الرؤية الإسلاميّة للمرأة بقوله: «إنَّ المرأة الإسلاميّة عبارة عن ذلك الكائن الذي يتحلّى بالإيمان، ويمتاز بالعفاف، ويتصدّى لأهمّ قسم في تربية الإنسان، وهو يؤثّر في المجتمع، ويمتاز بالرشد العلميّ والمعنويّ... ما قاله الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في كلمات ومناسبات عديدة، في تمجيده لفاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، أو خديجة الكبرى، أو بخصوص المرأة بشكل عامّ؛ هذا هو النموذج الإسلاميّ»[11].

مدرسة الثبات والصبر
من هنا، فإنّ قراءة سيرة السيّدة خديجة (عليها السلام) لا ينبغي أن تكون قراءة تاريخيّة معزولة عن واقعنا، بل قراءة إسقاطيّة على ما نعيشه اليوم في منطقتنا من حصار اقتصاديّ، واعتداءات متكرّرة، وضغط على الأمن والأرزاق، وفقدٍ للأحبّة. فهذا الواقع يعيد إنتاج جوهر المرحلة التي عاشَتْها السيّدة خديجة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويضعنا أمام النموذج نفسه: الصبر في زمن الضيق، والتضحية في زمن الحاجة، والثبات على الموقف برغم الضغوط.

وكما كان جهاد خديجة (عليها السلام) جهاد مالٍ وموقفٍ وصبر، فإنّ جهاد كثير من الناس اليوم يتمثّل في تحمّل أعباء المعيشة، والثبات مع الحقّ، والدفاع عن القضايا العادلة، ورفض الاستسلام لليأس والانكسار. وهكذا تعلّمنا خديجة (عليها السلام) أنّ مرحلة الاستضعاف ليست مرحلة انكسار، بل مرحلة تأسيس، وأنّ الصبر فيها عبادة، والتضحية فيها جهاد، والثبات فيها مسؤولية تاريخيّة.

رحيلها وأثره في حياة النبيّ
لقد توفّيت السيّدة خديجة (عليها السلام) في السنة العاشرة من البعثة، في شهر رمضان المبارك، بعد خروج المسلمين من الحصار بوقت قصير، وكانت قد أُنهِكت من أثر الحصار الجائر والجوع والشدّة، وعن عبد الله بن عبّاس يبيّن شدّة هذا الحصار: «حُصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا المِيرة[12]، حتّى إنّ الرجل لَيخرج بالنفقة فما يُباع شيئاً، حتّى مات منّا قوم!»[13].

وقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ذكرَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) خديجةَ يوماً، وهو عند نسائِه، فبكى...»، فسُئلَ عن سبب ذلك، فقال (صلّى الله عليه وآله): «صدّقتني إذ كذّبتُم، وآمنَت بي إذ كفرتُم، وولدَت لي إذ عقمتُم»[14].

إنّ هذا النصّ يبيّن عمق مكانتها في وجدان النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لا بوصفها زوجة فحسب، بل بوصفها رفيقة دربٍ وجهاد، وصاحبة موقف، وقد عبّر (صلّى الله عليه وآله) عن عظيم مكانتها عنده، إذ يقول: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا»[15].


[1] الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان، ج10، ص65.
[2] الحاكم النيسابوريّ، المستدرك، ج3، ص184.
[3] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص42.
[4] أي حين ارتفعَت.
[5] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج1، ص30.
[6] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، في خطبة رمضانيّة، بتاريخ 08/05/2020م.
[7] سورة النساء، الآية 95.
[8] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص468.
[9] الشيخ الطبرسيّ، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص125.
[10] سورة الحديد، الآية 10.
[11] من كلمةٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 08/03/2018م.
[12] المِيرة: الطعام الذي يدّخره الإنسان لإعاشته وإعاشة من يهمّه أمره.
[13] البلاذريّ، أنساب الأشراف، ج1، ص234.
[14] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج16، ص8.
[15] النيسابوريّ، صحيح مُسلم، ج7، ص134.

23-02-2026 | 11-37 د | 9 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net