فَزَادَهُمْ إِيمَانًا
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ولا سيّما بقيّة الله في الأرضين، الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء والتهنئة معاً، بذكرى شهادة سيّد شهداء الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وارتقائه مع مجموعة من القادة، والقائد الجهاديّ الكبير الحاجّ علي كركي (أبو الفضل) والجنرال عبّاس نيلفروشان وثلّة من المجاهدين في الضاحية الجنوبيّة لبيروت في 27 أيلول 2024م، وكذلك شهادة سماحة الشيخ نبيل قاووق في اليوم التالي.
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[1].
أيّها الأحبّة،
يمرّ المؤمنون في مسيرة حياتهم بمراحل تشتدّ فيها الحاجة إلى الثبات وتحمّل المسؤوليّة، ولا سيّما حين يفقد المجتمع قائداً أو يودّع شهيداً، ففي هذه اللحظات تتعاظم مسؤوليّة مَن بقي بعدهم في حفظ القيم، وصيانة المسيرة، ومواصلة ما تقتضيه المرحلة من واجبات.
من هنا، تأتي ذكرى شهادة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) في السابع والعشرين من أيلول، لتضعنا أمام مسؤوليّة كبرى بعد فقد القائد: حفظ القيم التي حملها الشهيد، وصون المسيرة التي بذل حياته فيها، وتحويل الفقد إلى ثباتٍ ووعيٍ وتحمّلٍ للأمانة...
كربلاء لم تنتهِ بالشهادة
أيّها الأحبّة،
حين استشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، ظنّ أعداؤه أنّهم أنهَوا النهضة بقتل قائدها وأصحابه، لكنّ التاريخ يكشف لنا معنىً آخر للشهادة؛ فقد بقي الإمام زين العابدين (عليه السلام)، واستمرّ نهج الإمامة به، وبقيت العقيلة زينب (عليها السلام)، وبقيت الصلاة والقرآن وشعائر الإسلام... وبقيت في قلوب المؤمنين حرارة كربلاء، وتنقل الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه «لمّا قدِم عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، وقد قُتِل الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما)، استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، وقال: يا عليّ بن الحسين، مَن غلب؟ وهو مُغطٍّ رأسه، وهو في المحمل»، قال: «فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردت أن تعلم مَن غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذّن ثمّ أقِم»[2].
لقد كان السؤال عن الغلبة بعد قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، فكان جواب الإمام زين العابدين (عليه السلام) أعمق وأبعد من حسابات الميدان: ما دامت الصلاة قائمة، والأذان يرفع، والتوحيد يُعلن، والدين محفوظاً في حياة الناس، فإنّ الحسين (عليه السلام) هو الغالب.
وهذه الرواية تضع معياراً مهمّاً في فهم الشهادة: قيمة التضحية تُقرأ في قدرتها على إبقاء الحقّ حاضراً في حياة الناس، وفي قدرتها على إنتاج جيلٍ يحمل الرسالة ويواصل الطريق. ومن هنا نفهم معنى الأمانة بعد الشهادة، عن الإمام الرضا (عليه السلام): «رحم الله عبداً أحيا أمرنا»، فسأله الراوي: وكيف يُحيي أمركم؟ قال: «يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا»[3]؛ فإحياء الأمر أمانةٌ عمليّة: علمٌ يُحفظ، ومعرفةٌ تُنقل، وقيمٌ تتحوّل إلى سلوك، ومدرسةٌ تبقى حاضرةً في حياة الأجيال.
ما بعد شهادة القائد
أيّها المؤمنون،
في السابع والعشرين من أيلول عام 2024، استشهد سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) في الغارة التي استهدفت مقرّ قيادة حزب الله في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، خاتماً مسيرةً طويلةً من الجهاد ومواجهة الاحتلال والعدوان، كان خلالها قائداً أمميّاً فذّاً لبيئةٍ أعزّها الله به، لبيئةٍ قدّمت الشهداء والجرحى والأسرى والمجاهدين، وصبرت على آلام الفقد في سبيل الله.
وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، تعلّمنا أنّ التضحية تبلغ غايتها ببذل المُهَج في سبيل الله، ففي زيارة الأربعين، يصف الإمام الصادق (عليه السلام) الإمام الحسين (عليه السلام) بقوله: «أَكْرَمْتَهُ بِالشَّهَادَةِ... وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ، لِيَسْتَنْقِذَ عِبَادَكَ مِنَ الْجَهَالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلَالَةِ»[4].
وهذا معنى عظيم للتضحية: أن يبذل الإنسان حياته لله، بعد عمرٍ من الجهاد والعمل في سبيل الحقّ. وهكذا ختم شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) مسيرته ببذل مهجته، فأكرمه الله بالشهادة؛ وهي كرامةٌ للشهيد وفخرٌ لنا ولبيئته التي قدّمت في هذا الطريق تضحياتٍ عظيمة، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «فَوْقَ كُلِّ ذِي بِرٍّ بِرٌّ حَتّى يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِذَا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرٌّ»[5].
وحين تبلغ التضحية هذه المرتبة، تتعاظم مسؤوليّة مَن يبقى. فالشهداء تركوا لنا قضيةً وقِيَماً ومسيرةً وأمانة؛ والوفاء لهم يكون بحفظ ما استُشهدوا من أجله، وصيانة القيم التي عاشوا لها، وتربية الأجيال عليها، وحفظ المجتمع الذي احتضن هذه المسيرة. وهذا هو المعنى الذي أراده الإمام السجّاد (عليه السلام) حين أجاب إبراهيم بن طلحة قائلاً: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ غَلَبَ، وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ».
لا تستوحشوا
وبعد فقد القائد، تأتي مرحلة أخرى من الاختبار: أن يحافظ المؤمن على ثباته حين تتكاثر الضغوط، ويشعر بأنّ طريقه أصبح أثقل وأشدّ كلفة، وأنّ أهل هذا الطريق قد قلّوا من حوله، وهنا تأتي كلمة أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدةً في الثبات: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِه؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ وجُوعُهَا طَوِيلٌ»[6].
فقلّة أهل الحقّ لا تغيّر حقيقة الطريق، وكثرة المتراجعين لا تجعل الباطل حقّاً. معيار المؤمن هو وضوح الهدى، وصحّة الموقف، والقدرة على الاستمرار في طريقه حين تشتدّ الضغوط، وهذا المعنى يضعنا أمام قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[7].
تأمّلوا التعبير القرآنيّ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، صورةٌ من صور تكاثر الضغوط واجتماع الخصوم، فيأتي الموقف الإيمانيّ على خلاف ما يتوقّعه أهل التخويف والتثبيط: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾؛ فحين تتكاثر الضغوط، يزداد المؤمن يقيناً بالله، وحين تتّسع دائرة المواجهة، يزداد تمسّكاً بما يراه حقّاً، وحين تتعالى أصوات التخويف، يكون جوابه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
ونحن نعيش اليوم واقعاً تتكاثر فيه الضغوط على محور المقاومة، وعلى الجمهوريّة الإسلامية في إيران، وتتقاطع فيه مواقف دول وقوى متعدّدة في مواجهة هذا المحور. وفي مثل هذا الواقع، تصبح هذه الآية منهجاً في بناء الموقف: أن نقرأ حجم التحدّيات بوعي، وأن نعرف كثرة الخصوم، وأن نحفظ في الوقت نفسه إيماننا وثقتنا بالله وقدرتنا على الثبات.
الوحدة وحفظ الصفّ
ومن الثبات الذي نحتاج إليه بعد فقد القادة والشهداء: ثبات المجتمع وتماسكه. ففي أوقات الشدّة، تصبح وحدة الصفّ والتكافل والتعاضد مسؤوليّةً أساسيّة؛ لأنّ المجتمع المتماسك أقدر على حمل الأعباء، ورعاية المتضرّرين، ومواجهة آثار الحرب والضغط.
وقد كان شهيد الأمة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) يشدّد على هذا المعنى، ومن كلامه في مواجهة الفتنة: «في المقاومة نُواصل الجهاد والعمل الدؤوب ونَستجيب لنداء الله ونداء رسوله من أجل تحرير الأرض والمقدّسات وتحمّل مسؤوليّاتنا في هذه الأمّة، في وضعنا الداخليّ نَصبر ونَضغط على الجراح، ونُتابع بحكمة وبحزم كلّ الخطوات لمنع أيّ اقتتال داخليّ، ولنحافظ على السلم الأهليّ وعلى السلام الداخليّ، على العيش المشترك، على التعاون من أجل إخراج بلدنا من كلّ ما فيه من أزمات وصعوبات وشدائد»[8].
وهذا التواصل ليس مجرّد علاقة اجتماعيّة، وإنّما هو جزء من حماية المجتمع في زمن الأزمات. أن نقترب من بعضنا، أن نسمع بعضنا، أن نحلّ المشكلات قبل أن تتراكم، وأن نحاصر كلّ ما يزرع الشكّ والخصومة والانقسام.
وتبدأ وحدة الصفّ من مسؤوليّة الكلمة: التثبّت من الأخبار، وحفظ الحقيقة، وعدم نقل ما يربك الناس أو يزرع الخوف بينهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[9].
وتستمرّ الوحدة في التكافل والتعاضد: رعاية أهل الشهداء، ومواساة الجرحى، ومساعدة المتضرّرين، والوقوف إلى جانب العائلات التي أثقلتها ظروف الحرب، وحفظ الروابط الاجتماعيّة التي يحتاج إليها الناس حين تشتدّ المحن، وهذا كلّه من صميم المسؤوليّة الدينيّة؛ فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَن أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم»[10].
فالمجتمع الذي يريد أن يصمد في زمن الشدّة يحتاج إلى أن يكون أفراده سنداً لبعضهم. وكلّ واحد منّا يستطيع أن يحمل جزءاً من هذه المسؤوليّة: بكلمته، وبموقفه، وبمواساته، وبخدمته، وبحفظه لروابط الناس وتماسكهم... هكذا أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا المجتمع، حين قال: «مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى سائر الجسد بالسهر والحمّى»[11].
ختاماً
أيّها الأحبّة،
لقد كانت التضحيات عظيمة، وكان الفقد ثقيلاً، لكنّ المؤمن يقرأ المِحن بعين الإيمان، ويرى في وعد الله باباً للأمل، قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾[12].
هذه هي خاتمة الطريق التي نراها ونؤمن به: نعمةٌ وفضل، وسلامةٌ من السوء، ورضوانٌ من الله؛ فلنحفظ إيماننا، ولنحسن ظنّنا بالله، ولنمضِ في طريقنا بقلوبٍ ثابتة؛ فما دام المؤمنون يتّبعون رضوان الله، فإنّ فضل الله أعظم من كلّ محنة، ورحمته أوسع من كلّ ألم.
نسأل الله تعالى أن يرحم شهداءنا، ويشفي جرحانا، ويحفظ أهلنا وبيئتنا، ويثبّت قلوبنا، ويكتب لنا بعد هذا العناء نعمةً من عنده وفضلاً، وأن يجعل عاقبة أمرنا رضوانه، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
[1] سورة آل عمران، الآية 139.
[2] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص677.
[3] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج1، ص275.
[4] الشيخ الطوسيّ، مصباح المتهجّد، ص788.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج5، ص53.
[6] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص319، الخطبة 201.
[7] سورة آل عمران، الآية 173.
[8] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 22/10/2021م.
[9] سورة الحجرات، الآية 6.
[10] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص163.
[11] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج1، ص149.
[12] سورة آل عمران، الآية 174.









