الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْالمواساة روح الأخوّةعند الشدّةأوقاتك أجزاء عمركحين نخشى الاستبدالالأمل في مواجهة المِحَنسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌرسول الله نورٌ في دياجي الظلماتالعدل خُلُق المنتظرين
من نحن

 
 

 

التصنيفات
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك بذكرى ولادة السيّدة زينب (عليها السلام) يوم الخامس من جمادى الأولى في العام الخامس للهجرة.


قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[1].

من الحقائق التي ينبغي أن تستقرّ في وعي المؤمن أنّ الدنيا تجري وفق سننٍ إلهيّة، وأنّ ما نشهده فيها من غلبة الظالمين، واتّساع سلطانهم، واستمرار اعتداءاتهم، لا يصحّ أن يُفهم بمعزلٍ عن حقيقة الابتلاء، وحكمة الإمهال، وسنّة الحساب؛ فقد يمضي الظالم في طغيانه أعواماً، وتتضاعف قدرته، وتتّسع وسائل بطشه، فيغترّ بما أُوتي، ويحسب أنّ تأخّر العقوبة دليلٌ على سلامة موقفه، أو أنّ ما يحقّقه من غلبةٍ شاهدٌ على رضا الله عنه.

وهذا الوهم لا يقتصر على الظالم نفسه؛ فقد يتسرّب إلى نفوس المظلومين أيضاً، حين تطول معاناتهم، ويشتدّ عليهم الحصار والقتل والضيق، فيما يواصل المعتدي امتلاك أسباب القوّة، فيتصوّر بعضهم أنّ هذا التفاوت في ميزان القوّة يعني أنّ الله مع المعتدي، أو أنّ غلبته دليلٌ على أنّه على الحقّ، وقد أبطل القرآن هذا الوهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ اللَّهُ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾[2].

فما حقيقة هذا الإمهال؟ وكيف نفهم استمرار الظالم في طغيانه؟ ومتى يتحوّل الإمهال إلى استدراج؟

الإمهال سنّةٌ إلهيّة
إنّ الله تعالى لا يعاجل كلّ ظالمٍ بالعقوبة، بل يجري أمره وفق حكمته، ويمهل الإنسان ليختار ويعمل، وتقوم عليه الحجّة، وتتاح له فرصة الرجوع. وقد تنتهي المهلة بالتوبة والإصلاح، وقد تنتهي بالإصرار الذي يضاعف تبعات الجريمة، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ، فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُه، وهُوَ لَه بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِه، وبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِه[3]»[4].

إنّ الظالم، مهما اتّسع نفوذه، ومهما أحكم قبضته على أسباب القوّة، لا يخرج عن سلطان الله، ولا يستطيع أن يجعل من قوّته حصانةً من الحساب. وقد يطول الطريق أمام المظلوم ويتأخّر الأخذ، لكنّ ذلك لا يلغي الحقّ ولا يعني ضياعه، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّ الله تعالى يُمهِل الظالم، حتّى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ»[5]، ثمّ قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾[6].

إنّ الله تعالى لا يعاجل كلّ ظالمٍ بالعقوبة، بل يمهله وفق حكمته، ويترك له مجالاً للاختيار والعمل، وإقامة الحجّة عليه، وقد تنتهي المهلة بالتوبة والإصلاح، وقد تنتهي بالإصرار الذي يضاعف تبعات الجريمة. والإمهال، في جميع الأحوال، لا يخرج الظالم من سلطان الله، ولا يعفيه من الحساب؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾[7]، ويقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾[8].

الاستدراج: حين تتحوّل النعمة إلى غفلة
وممّا ينبغي للمؤمن التنبّه إليه هو سنّة الاستدراج، فقد تتوالى أسباب النعمة والتمكين على الإنسان، فيما يزداد ابتعاداً عن الحقّ، حتّى يتوهّم أنّ استمرار ما يناله دليلٌ على سلامة طريقه! وأنّ قدرته على المضيّ في الظلم تعني أنّه بمنأى عن الحساب! وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾[9]، والإمام الصادق (عليه السلام) يبيّن حقيقة الاستدراج بقوله: «هو العبد يذنب الذنب فتُجدَّد له النعمة معه، تُلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب»[10]؛ فالعبرة بما قد تؤول إليه النعمة في حياة الإنسان: أتدفعه إلى الشكر والتوبة وإصلاح العمل، أم تصرفه عن مراجعة نفسه، وتمنحه شعوراً زائفاً بالأمان، فيتمادى في المعصية ويزداد اغتراراً؟

من هنا، فإنّ من أخطر صور الاستدراج أن تتّسع قدرة الظالم، وتتكرّر له فرص الاعتداء، ويجد مَن يبرّر أفعاله أو يعينه عليها، فيحسب أنّه يمضي من نجاحٍ إلى نجاح، فيما تتراكم عليه تبعات ظلمه.

الغلبة لا تعني أنّ الله مع الظالم
وهنا تبرز خطورة قراءة الوقائع بميزان القوّة وحده، ولا سيّما ونحن نواجه ما يقع علينا من ظلمٍ وحصارٍ وقتل، وما يفرضه الاستكبار العالميّ من ضغوطٍ وأعباءٍ على الشعوب المستضعفة.

فقد ينظر بعض الناس إلى اختلال ميزان القوّة، وإلى امتلاك المعتدي أدوات البطش والتدمير، وإلى قدرته على إيقاع الأذى بخصومه، فيحسبون أنّ هذا التفوّق دليلٌ على أنّ الله معه، أو أنّه على الحقّ، وهذا استنتاجٌ مخالفٌ لميزان القرآن، فقد قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[11].

القرآن يعلّمنا ألّا نحكم على صحّة المواقف من خلال ما تحقّقه من مكاسب مادّيّة، وألّا نجعل امتلاك أدوات القوّة معياراً للحقّ والباطل. كما أنّ شدّة الابتلاء لا تعني أنّ الله قد تخلّى عن المظلوم، أو أنّ معاناته دليلٌ على خطأ موقفه؛ فقد ابتُلي الأنبياء والأولياء وأتباعهم بأشدّ المحن، ولم تكن المحنة دليلاً على الخذلان.

إنّ واجبنا أن نقرأ الوقائع بميزان الحقّ والعدل، وأن نميّز بين القوّة والحقّ، وبين التفوّق المادّيّ والشرعيّة الأخلاقيّة، فلا نغترّ بقوّة المعتدي، ولا نستسلم لليأس أمام بطشه، ولا ننسب إلى الله حكماً على الوقائع لم يدلّ عليه الوحي؛ فالتمكين الدنيويّ شيء، والرضا الإلهيّ شيء آخر، والعاقبة التي يؤول إليها الظالم شيء ثالث.

من الإمهال إلى الأخذ
وإنّ أخطر ما في الإمهال أن يتحوّل إلى فرصةٍ يوسّع فيها الظالم دائرة اعتدائه، ويضيف إلى مظالمه مظالم جديدة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[12]، وقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في شأن فرعون أنّ الله أمهله أربعين سنةً، قال (عليه السلام): «أملى الله عزّ وجلّ لفرعون ما بين الكلمتين -قوله: «أنا ربّكم الأعلى»، وقوله: «ما علمت لكم من إلهٍ غيري»- أربعين سنة، ثمّ أخذه الله نكال الآخرة والأولى. وكان بين أن قال الله عزّ وجلّ لموسى وهارون (عليهما السلام): ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، وبين أن عرّفه الله تعالى الإجابة أربعين سنة»[13]؛ ويُستفاد منها معنى الإمهال الطويل، من دون أن يعني ذلك أنّ كلّ ظالمٍ سيُمهَل المدّة نفسها، أو أنّنا نستطيع تحديد موعد أخذه. ويحدّثنا القرآن عن أممٍ امتدّ سلطانها ثمّ انتهى، وعن طغاةٍ حسبوا أنّهم قادرون على كلّ شيء، فإذا بهم يواجهون عاقبة أعمالهم، يقول تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[14].

ولا يعني ذلك أنّ كلّ ظالمٍ يسقط سريعاً في الدنيا، أو أنّ كلّ مظلومٍ يستوفي حقّه فيها؛ فبعض المظالم يمتدّ أثرها إلى يوم القيامة، حيث يستوفي الله الحقوق ولا يضيع عنده عمل عامل.

مسؤوليّتنا أمام الظلم
إنّ الإيمان بسنّة الإمهال لا يدعونا إلى انتظار العقوبة الإلهيّة وترك مسؤوليّاتنا، بل يحمّلنا واجب مواجهة الظلم قبل أن يستفحل، وردع الظالم قبل أن يتحوّل ظلمه إلى نهجٍ يُقتدى به، وسنّةٍ يتوارثها مَن يأتي بعده، وقد ورد في المواعظ المنسوبة إلى النبيّ عيسى (عليه السلام) تشبيهٌ بليغٌ يوضّح هذه المسؤوليّة؛ إذ شبّه انتشار الظلم بانتقال النار من بيتٍ إلى آخر، حتّى تحرق بيوتاً كثيرة: «إنَّ الحريقَ ليقعُ في البيتِ الواحدِ، فلا يزالُ ينتقلُ من بيتٍ إلى بيتٍ حتّى تحترقَ بيوتٌ كثيرةٌ، إلّا أن يُستدرَكَ البيتُ الأوّلُ، فيُهدمَ من قواعدِه، فلا تجدَ فيه النارُ مَعْمَلاً. وكذلك الظالمُ الأوّلُ، لو يُؤخَذُ على يدَيه، لم يوجدْ من بعدِه إمامٌ ظالمٌ فيأتمّونَ به، كما لو لم تجدِ النارُ في البيتِ الأوّلِ خشباً وألواحاً، لم تحرقْ شيئاً»[15]. فكما أنّ إطفاء النار يمنع امتدادها، فإنّ ردع الظالم يحدّ من انتشار ظلمه، ويمنع تحوّله إلى نموذجٍ يحتذيه الآخرون. أمّا حين يُترك الظلم من دون مواجهة، فقد يتجاوز أثره ضحاياه المباشرين، ليصنع بيئةً تتقبّل الظلم، وتبرّر ممارسته، وتُخرج ظالمين جدداً يسيرون على نهجه.

إنّ السكوت الذي يتيح للظلم أن يستفحل قد تكون له تبعات تتجاوز اللحظة التي وقع فيها، وتمتدّ إلى أجيالٍ تدفع ثمنه، وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الظلمة وأعوانهم؟ مَن لاق لهم دواة، أو ربط لهم كيساً، أو مدّ لهم مدّة، احشروهم معهم»[16].

وهذا ينبّهنا إلى أنّ الظلم لا يقوم بالظالم وحده؛ فقد تحميه أعوانه، وتطيل عمره التبريرات، ويتّسع أثره حين يتخلّى الناس عن مسؤوليّتهم في مواجهته؛ لذلك ينبغي أن نثبت على الحقّ، وننصر المظلوم، ونعمل على منع الظلم من أن يتحوّل إلى قاعدةٍ تحكم حياة الناس، وفي تحديد مسؤوليّتنا في هذا المجال، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «علينا أن نلتزم بهذه الأمور. فلا بدّ لنا أن نقوم بترويج المعارف الإسلاميّة، وأن نجعل إقامة أحكام الله هدفاً من أهدافنا، وأن نُبادر إلى الجهاد في سبيل الله بكلّ كياننا، وأن نواجه الظلم، ونُجابه الظالم ونُحاربه. هذه هي الوظيفة الملقاة على عاتقنا»[17].


[1] سورة آل عمران، الآية 178.
[2] سورة إبراهيم، الآية 42.
[3] الشجا: ما يعترض في الحلق من عظمٍ وغيره/ مساغ ريقه: أي ممرّه من الحلق.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص141، الخطبة 97.
[5] الشيخ الطبرسيّ، مجمع البيان، ج5، ص328.
[6] سورة هود، الآية 102.
[7] سورة الزمر، الآية 7.
[8] سورة آل عمران، الآية 57.
[9] سورة الأعراف، الآيتان 182 - 183.
[10] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص452.
[11] سورة المؤمنون، الآيتان 55 - 56.
[12] سورة آل عمران، الآية 178.
[13] الشيخ الصدوق، الخصال، ص540.
[14] سورة الأنعام، الآية 45.
[15] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص504.
[16] الروانديّ، النوادر، ص159.
[17] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 17/08/2015م.

15-10-2026 | 09-34 د | 9 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net