الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَالزهراء (عليها السلام) بين محراب العبادة وبناء الأمّةيُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهإِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْالمواساة روح الأخوّةعند الشدّةأوقاتك أجزاء عمركحين نخشى الاستبدالالأمل في مواجهة المِحَنسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ
من نحن

 
 

 

التصنيفات
وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾[1].

ما يستحقّ التنافس
التنافس محرّك أساسيّ في حياة الإنسان؛ فهو يسعى إلى النجاح، ويطمح إلى التقدّم، ويعمل لتحصيل المال والمكانة والعلم... وقد يكون هذا التنافس دافعاً إلى الإبداع والإتقان، وقد يتحوّل إلى صراعٍ على المصالح، يستنزف الطاقات ويفسد العلاقات.

من هنا، يوجّهنا القرآن الكريم إلى تحديد الغاية التي تستحقّ أن نتنافس لأجلها، فيعرض مشهداً من نعيم الآخرة، ثمّ يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

وفي بيان حقيقة الدنيا والآخرة، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ[2]، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، اصْطَبَّهَا صَابُّهَا. أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ»[3]. إنّ هذا الكلام يضعنا أمام حقيقة الوقت الذي نملكه؛ فالدنيا تمضي، والآخرة تقبل، ولكلٍّ منهما أهلٌ يسلكون طريقها ويجعلونها غايتهم. وأبناء الآخرة هم الذين يجعلون رضا الله والعمل الصالح غايةً لهم.

وإنّ التوجّه نحو الآخرة لا يعني إهمال شؤون الدنيا أو التقصير في عمارتها، بل يقتضي أن يسعى الإنسان فيها بوعيٍ ومسؤوليّة، وأن يجعل من علمه وعمله وماله وسائل للخير والإصلاح، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس منّا مَن ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه»[4]. فالدنيا ميدان عمل وطاعة، فيها تُؤدّى الحقوق، وتُبنى المجتمعات، ويُكتسب ما ينفع الإنسان في حياته وآخرته.

ومن هنا، فإنّ التنافس الذي يستحقّ أن نبذل فيه أعمارنا وطاقاتنا هو التنافس في التقوى والعمل الصالح، وفي كلّ ما ينفع الإنسان ويقرّبه من رضا الله.

ما الذي يبقى للإنسان؟
وإذا كانت الدنيا دار ممرٍّ وميدان عملٍ تنتهي بالموت، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي يبقى للإنسان حين تنتهي فرصته في هذه الحياة؟

يجيب القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾[5]، وفي روايةٍ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ ابن آدم، إذا كان في آخر يوم من أيّام الدنيا، وأوّل يوم من أيّام الآخرة، مُثِّل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله، فيقول: والله، إنّي كنت عليك حريصاً شحيحاً، فما لي عندك؟ فيقول: خذ منّي كفنك»، قال: «فيلتفت إلى ولده، فيقول: والله، إنّي كنت لكم محبّاً، وإنّي كنت عليكم محامياً، فماذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك، نواريك فيها»، قال: «فيلتفت إلى عمله، فيقول: والله، إنّي كنت فيك لَزاهداً، وإن كنت عليَّ لَثقيلاً، فماذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك، حتّى أُعرَض أنا وأنت على ربّك»[6].

إنّ هذا المشهد يبيّن أنّ انقضاء الحياة يُنهي قدرة الإنسان على العمل، ويضعه أمام ما قدّمه فيها؛ فالمال ينفصل عنه، والأهل يشيّعونه إلى مثواه، أمّا عمله فيرافقه، ويكون أساساً لجزائه، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾[7]، فالسعي لا يضيع، والعمل تظهر نتيجته حين يلقى الإنسان ربّه. وهنا تبرز مسؤوليّة الإنسان في اغتنام حياته، واستثمار ما أُتيح له من فرصٍ في العمل الصالح، وأداء الحقوق، والإحسان إلى الناس؛ فإنّ الفرصة التي يملكها اليوم ستنقضي، ولا يعود قادراً على استدراك ما فرّط فيه.

التنافس في الصالحات
إنّ التقوى هي ميزان الكرامة عند الله تعالى، كما ورد في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[8]، وعلى أساسها تتحدّد الغاية التي تستحقّ أن يتنافس الإنسان في بلوغها، وأن يبذل جهده في سبيلها. والتنافس -كما يعرّفه الشيخ الطبرسيّ (رحمه الله)- هو «تمنّي كلّ واحد من النفسين مثل الشيء النفيس الذي للنفس الأخرى أن يكون له»[9].

إنّ هذا المعنى يبيّن أنّ التنافس يتعلّق بالتطلّع إلى نيل ما له قيمة ونفاسة؛ وقد وجّهنا القرآن الكريم إلى أن تكون غايتنا ما عند الله من رضوان وثواب، لا ما يتزاحم الناس على تحصيله من متاع الدنيا، وقد ورد ممّا وعظ الله عزّ وجلّ به عيسى (عليه السلام): «يابن مريم، لو رأت عينك ما أعددتُ لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقاً إليه، فليس كدار الآخرة دار، تَجَاوَر فيها الطيّبون، ويدخل عليهم فيها الملائكة المقرَّبون، وهم ممّا يأتي يوم القيامة من أهوالها آمنون، دارٌ لا يتغيّر فيها النعيم، ولا يزول عن أهلها. يابن مريم، نافِس فيها مع المتنافسين، فإنّها أمنية المُتمَنِّين، حسنةُ المنظر... يا عيسى... فإنّ الدنيا كَفَيْءٍ زائل، وما أقبل منها كما أدبر، فنافِس في الصالحات». إنّ هذا التوجيه يدعو إلى تحويل التمنّي إلى سعي، والإيمان إلى عمل؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾[10].

وميادين هذا التنافس واسعة؛ تشمل التقوى، وأداء الحقوق، وإتقان العمل، والإحسان إلى الوالدين، ورعاية الأسرة، وطلب العلم النافع، وخدمة الناس وقضاء حوائجهم... عن الإمام الصادق (عليه السلام): «تنافسوا في المعروف لإخوانكم، وكونوا من أهله، فإنّ للجنّة باباً يُقال له: المعروف، لا يدخله إلّا مَن اصطنع المعروف في الحياة الدنيا»[11]، وهو توجيه إلى المبادرة في أعمال الخير، وجعل المعروف ميداناً يتسابق فيه المؤمنون.

ميدان التنافس في واقعنا
تتجلّى عظمة التنافس في الصالحات حين يبلغ البذل غايته، ويتحوّل الإيمان إلى تضحية وصبر وثبات، وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «فوق كلّ ذي برّ برّ، حتّى يُقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه برّ»[12].

وإذا كانت الشهادة في سبيل الله ذروةَ البرّ، فإنّ ما قدّمته عوائل الشهداء من تضحيات، وما تتحمّله من ألم الفقد والصبر على فراق أحبّائها، يستحقّ أن نقف عنده تقديراً ووفاءً، وقد أكّد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) هذه المنزلة في لقائه عوائل الشهداء، عادّاً صبر الأب والأم والزوج على استشهاد عزيزهم «هو أعلى مراتب الصبر»[13]، ورأى في عوائل الشهداء المصداق الأتمّ والأكمل لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[14].

وهذه المعاني لا تقف عند عوائل الشهداء، بل تمتدّ إلى الجرحى الذين يتحمّلون آلام الإصابة وتبعاتها، وإلى بيئة المقاومة التي قدّمت التضحيات، واحتضنت أهل البذل، وصبرت على الأعباء، وإلى كلّ من يساند العائلات المتضرّرة والنازحة، ويسعى إلى تخفيف معاناتها وحفظ كرامتها، وقد قال الله تعالى في وصف أهل الإيثار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾[15].

إنّ الوفاء لهذه التضحيات لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتحويلها إلى مسؤوليّة مستمرّة: في رعاية عوائل الشهداء والجرحى، وإغاثة المحتاجين، واحتضان المتضرّرين، والتكافل بين أبناء المجتمع. وهنا يتجلّى التنافس في الصالحات بأوضح صوره؛ فكلّ إنسان يستطيع أن يبذل في ميدانه، بماله أو علمه أو جهده أو خبرته، ليكون شريكاً في حمل المسؤوليّة وصناعة الخير، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾[16].


[1] سورة المطفِّفين، الآيات 22 - 26.
[2] سريعة.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، الخطبة 42، ص84.
[4] الشيخ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، ج3، ص156.
[5] سورة الكهف، الآية 46.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج3، ص231.
[7] سورة النجم، الآيات 39 - 41.
[8] سورة الحجرات، الآية 13.
[9] الشيخ الطبرسيّ، تفسير مجمع البيان، ج10، ص296.
[10] سورة البقرة، الآية 148.
[11] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص195.
[12] المصدر نفسه، ج2، ص348.
[13] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 25/06/2023م.
[14] سورة آل عمران، الآية 92.
[15] سورة الحشر، الآية 9.
[16] سورة المائدة، الآية 2.
 

28-10-2026 | 08-11 د | 14 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net