وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
عن الإمام الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: «قال أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام): كانتِ الفُقَهاءُ والحُكَماءُ إذا كاتَبَ بَعضُهُم بَعْضاً كَتَبوا بثَلاثٍ ليسَ مَعَهُنَّ رابِعَةٌ: مَن كانتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ كَفاهُ اللَّهُ هَمَّهُ مِن الدُّنيا، ومَن أصْلَحَ سَريرَتَهُ أصْلَحَ اللَّهُ عَلانِيَتَهُ، ومَن أصْلَحَ فيما بَيْنَهُ وبَينَ اللَّهِ أصْلَحَ اللَّهُ فيما بَينَهُ وبينَ النّاسِ»[1].
تحدّد هذه الوصيّة ثلاثة معالم أساسيّة في بناء الإنسان المؤمن: توجيه الهمّ نحو الآخرة، وإصلاح السريرة، وإقامة العلاقة بالله تعالى والناس على أساس الصلاح. وهي معالم تتكامل في تشكيل شخصيّة المؤمن، وتنعكس في مواقفه وأعماله، وفي مدى التزامه بمسؤوليّاته الدينيّة والإنسانيّة.
ونحن على أعتاب الحادي عشر من تشرين الثاني، يوم شهيد حزب الله، تكتسب هذه الوصيّة دلالةً خاصّة؛ إذ نستحضر الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، وكانت تضحياتهم نموذجاً للإيمان الذي يتجلّى في الموقف والثبات، ويتجسّد في تحمّل المسؤوليّة وتقديم رضا الله تعالى على المصالح الشخصيّة. لقد اختار الشهداء أن تكون حياتهم في خدمة الحقّ، وأن تكون الآخرة غايتهم، فارتقَوا منزلةً عظيمةً عند الله تعالى.
من هنا، فإنّ إحياء يوم الشهيد يستدعي الوقوف عند المعاني التي جسّدها الشهداء في مسيرتهم، واستحضار ما تفرضه تضحياتهم من مسؤوليّةٍ علينا؛ فحفظ أمانة الشهداء يكون بالسير على نهجهم، وإصلاح النفس، وتعزيز الالتزام الدينيّ والأخلاقيّ، وأداء الحقوق، والثبات على الحقّ. وهذه المعاني الثلاثة التي جمعتها وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) تُشكِّل مدخلاً لفهم حقيقة الإيمان، وأثره في حياة الإنسان ومصيره.
همّ الآخرة
تتحدّد وجهة الإنسان في الحياة بحسب الغاية التي تستحوذ على اهتمامه وتوجّه اختياراته؛ فمَن جعل الدنيا غايته انصرف إلى متاعها وزينتها، واستغرقت شؤونُها تفكيرَه وسعيَه، حتّى غفل عن لقاء الله والاستعداد للآخرة، وقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾[2].
وقد يبلغ تعلّق الإنسان بالدنيا حدّاً تصبح معه حاضرةً في جميع اهتماماته، فيما تتراجع الآخرة في حساباته وأولويّاته، مع أنّ القرآن الكريم يبيّن لنا حقيقة التفاوت بين الدارين، فمهما عظُم ما يناله الإنسان من هذه الدنيا، يبقى من متاعها وزينتها الفانية، وإنّ ما عند الله تعالى خيرٌ وأبقى، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[3]. وفي بيان أثر هذا التعلّق، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ الدُّنْيَا والآْخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ، وسَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وتَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الآْخِرَةَ وعَادَاهَا، وهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ، ومَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ الآْخَرِ، وهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ»[4].
وفي مقابل ذلك، يرسم أمير المؤمنين (عليه السلام) صورة الإنسان الذي أحسن توجيه حياته، فجعل الدنيا ميداناً للعمل، والآخرة غايةً لسعيه، فقال: «وعامِلٌ عَمِلَ في الدُّنيا لِما بَعدَها، فجاءَهُ الّذي لَهُ مِن الدُّنيا بغَيرِ عَمَلٍ، فأحرَزَ الحَظَّينِ مَعاً، ومَلَكَ الدّارَينِ جَميعاً، فأصبَحَ وَجيهاً عِندَ اللَّهِ، لا يَسألُ اللَّهَ حاجَةً فيَمنَعُهُ»[5].
وهكذا تتحدّد قيمة الحياة بما ينجزه الإنسان فيها من عملٍ صالح، وبما يقدّمه من مواقف تنسجم مع إيمانه؛ فالذي يستحضر لقاء الله في حساباته، تتغيّر أولويّاته، ويصبح أكثر وعياً بعمره وطاقاته، وأحرص على توظيفهما في ما يرضي الله تعالى وينفع عباده. ومن هنا، يكون الاستعداد للآخرة مساراً متواصلاً من العمل والإصلاح وتحمّل المسؤوليّة.
صلاح السريرة
وإنّ توجيه الحياة نحو الآخرة يقتضي عنايةً بحقيقة الإنسان الباطنيّة، عبر إصلاح النيّة، وتهذيب النفس، وتطهير القلب من الصفات والدوافع التي تُفسد العمل. فالسريرة هي المنطلق الذي تتشكّل فيه مواقف الإنسان وتوجّهاته، ومنها تنعكس آثار الإيمان على سلوكه الظاهر.
وقد ورد هذا المعنى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «يا عليّ، ما مِن عبدٍ إلَّا وله جوَّانيُّ وبرَّانيُّ -يعني سريرةً وعلانية- فمَن أصلحَ جوّانيَّه أصلحَ اللهُ عزَّ وجلَّ برّانيَّه، ومَن أفسدَ جوّانيَّه أفسدَ اللهُ برَّانيَّه»[6]، فهذه الرواية تكشف عن صلةٍ وثيقةٍ بين باطن الإنسان وظاهره؛ فصلاح السلوك ينبغي أن يستند إلى صدق النيّة واستقامة القلب، وأن يكون التزام الإنسان بقِيَم الدين حاضراً في خلوته كما هو في علاقته بالناس. ومن أخطر ما يفسد هذه الصلة، أن يحرص الإنسان على تحسين صورته أمام الناس، فيما يخالف ذلك في سلوكه مع الله تعالى، وقد حذّر أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الحالة بقوله: «يا نَوف، إيّاك أنْ تتزيّنَ للناسِ وتبارزَ اللهَ بالمعاصي، فيفضحَكَ اللهُ يومَ تَلْقاه»[7].
وعليه، يكون إصلاح السريرة مسؤوليّةً دائمة، تتطلّب محاسبة النفس، ومراجعة النيّات، ومراقبة الدوافع التي تُحرّك أقوال الإنسان وأفعاله؛ حتّى يستقيم باطنه مع ظاهره، ويكون عمله تعبيراً صادقاً عن إيمانه.
إصلاح ما بيننا وبين الله والناس
وحقيقة الإيمان تظهر في طبيعة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الله تعالى، وفي أثر هذه العلاقة على تعامله مع الناس؛ فالإيمان يُحمّل الإنسان مسؤوليّة أداء الحقوق، والالتزام بالعدل، واجتناب الظلم والاعتداء؛ وبذلك يصبح صلاح العلاقة بالله تعالى منطلقاً لاستقامة السلوك في الحياة الاجتماعيّة. وقد جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) جملةً من هذه الصفات في وصفه للمتّقين، فقال: «يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَه، ويُعْطِي مَنْ حَرَمَه، ويَصِلُ مَنْ قَطَعَه، بَعِيداً فُحْشُه، لَيِّناً قَوْلُه، غَائِباً مُنْكَرُه، حَاضِراً مَعْرُوفُه، مُقْبِلاً خَيْرُه، مُدْبِراً شَرُّه ... لَا يَحِيفُ [يعتدي] عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، ولَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ... ولَا يُنَابِزُ بِالأَلْقَابِ، ولَا يُضَارُّ بِالْجَارِ، ولَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ، ولَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، ولَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ»[8].
إنّ هذا الوصف يكشف عن منظومة أخلاقيّة متكاملة تضبط علاقة الإنسان بمحيطه؛ فهو يعفو عند القدرة، ويحفظ حقّ من أساء إليه، ويصل من قطعه، ويلتزم العدل حتّى مع مَن يبغضه، فلا تدفعه الخصومة إلى الجور، ولا تحمله المحبّة على تجاوز الحقّ. كما تتجلّى تقواه في كفّ الأذى، وحسن القول، ومبادرة الخير، والابتعاد عن الباطل. وهذه السيرة هي الانعكاس العمليّ للإيمان، والأساس الذي تُصان به الحقوق والكرامات، ويستقيم به المجتمع.
الشهداء وَهَمّ الآخرة
في يوم الشهيد، تلتقي المعالم التي تناولناها في سيرة أولئك الذين جعلوا رضا الله غاية حياتهم، فاستقام باطنهم على الإيمان، وظهرت آثار ذلك في مواقفهم وثباتهم على الحقّ. لقد جسّدوا بإيمانهم وتضحياتهم معنى أن تكون الآخرة همّ الإنسان، وأن يتقدّم الالتزام بالحقّ على المصالح الشخصيّة. لقد بذلوا أرواحهم في سبيل الله، وتركوا للأحياء أمانة مواصلة الطريق، وحفظ المبادئ التي ضحّوا من أجلها.
وقد عبّر شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) عن عظمة منزلة الشهداء بقوله: «هؤلاء الشهداء وهبونا الحياة الكريمة، ولكنّهم حصلوا بالشهادة على ما هو أعظم بكثير؛ فيوم القيامة أعدّ الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الشهداء من الفضل والدرجات والرضوان والنعيم الخالد والأبديّ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»[9].
وتتجلّى حقيقة هذه المنزلة في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[10]؛ إذ تكشف الآية عن مقامٍ أكرمهم الله به بعد شهادتهم. فالشهادة في سبيل الله خاتمة مسيرةٍ من الإيمان والعمل والتضحية، وهي انتقال إلى حياةٍ أكرم عند الله تعالى. ومن هنا نفهم أنّ قيمة عمر الإنسان ترتبط بما يملؤه من عمل، وبما يتّخذه من مواقف، وبما يقدّمه في سبيل الحقّ؛ فقد تكون لحظةٌ من الصدق والثبات أثقل في ميزان الله من أعوامٍ طويلةٍ خلَت من الموقف والمسؤوليّة.
وأمّا مسؤوليّتنا تجاه الشهداء، فتبدأ من صيانة المعاني التي بذلوا أرواحهم في سبيلها؛ أن نصلح سرائرنا، ونؤدّي حقوق الناس، ونحفظ الأمانة، ونثبت على الحقّ، ونجعل أعمالنا امتداداً للقيم التي حملوها. فذكراهم أمانة، وتضحياتهم مسؤوليّة، والوفاء لهم يكون بأن تبقى المبادئ التي استشهدوا من أجلها حاضرةً في حياتنا وسلوكنا.
نسأل الله تعالى أن يتغمّد شهداءنا بواسع رحمته، وأن يرفع درجاتهم، وأن يحشرهم مع محمّد وآل محمّد، وأن يُلهِم عوائلهم الصبر والرضا، وأن يوفّقنا لحفظ هذه المسيرة، ويجعل الآخرة همّنا، ويصلح سرائرنا، ويحسن ما بيننا وبينه وما بيننا وبين الناس، والحمد لله ربّ العالمين.
[1] الشيخ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، ج4، ص396.
[2] سورة يونس، الآية 7.
[3] سورة القصص، الآية 60.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص486، الحكمة 103.
[5] المصدر نفسه، ص522، الحكمة 269.
[6] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص458.
[7] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص210.
[8] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص306، الخطبة 193.
[9] من كلامٍ له (رضوان الله عليه) في يوم الشهيد، بتاريخ 10/11/2018م.
[10] سورة آل عمران، الآية 169.









