عنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى اَلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): «يُقَالُ لِلْعَابِدِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، نِعْمَ اَلرَّجُلُ كُنْتَ، هِمَّتُكَ ذَاتُ نَفْسِكَ، وَكَفَيْتَ مَؤونَتَكَ، فَادْخُلِ اَلْجَنَّةَ؛ أَلاَ إِنَّ اَلْفَقِيهَ مَنْ أَفَاضَ عَلَى اَلنَّاسِ خَيْرَهُ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ نِعَمَ جِنَانِ اَللَّهِ تَعَالَى، وَحَصَّلَ لَهُمْ رِضْوَانَ اَللَّهِ تَعَالَى. وَيُقَالُ لِلْفَقِيهِ: يَا أَيُّهَا اَلْكَافِلُ لِأَيْتَامِ آلِ مُحَمَّدٍ، اَلْهَادِي لِضُعَفَاءِ مُحِبِّيهِمْ وَمُوَالِيهِمْ، قِفْ حَتَّى تَشْفَعَ لِكُلِّ مَنْ أَخَذَ عَنْكَ أَوْ تَعَلَّمَ مِنْكَ، فَيَقِفُ، فَيُدْخِلُ اَلْجَنَّةَ مَعَهُ فِئَاماً [جماعة] وَفِئَاماً وَفِئَاماً -حَتَّى قَالَ عَشْراً- وَهُمُ اَلَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ عُلُومَهُ، وَأَخَذُوا عَمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ، وَعَمَّنْ أَخَذَ عَمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، فَانْظُرُوا كَمْ صُرِفَ مَا بَيْنَ اَلْمَنْزِلَتَيْنِ»[1].
لقدْ جعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ أهلَ الإيمانِ على درجاتٍ، وأثابَهُم منَ الفضلِ ما يستحقّونَه، وتفضَّلَ عليهِم بالمزيدِ منْ عندِهِ، ذُخراً وشرفاً وكرامةً. ومِنَ الذينَ رفعَ اللهُ منْ شأنِهِم العلماءُ العاملونَ بعلمِهِم، الذينَ تكفَّلوا بهدايةِ الناسِ إلى الحقِّ وإلى دينِ الهدى. والروايةُ أعلاهُ تشيرُ إلى مقامِ الشفاعةِ الذي جعلَهُ اللهُ لهُم، فيشفعونَ لِمَنْ أخذَ منْ علمِهِم، وعمِلَ بالسُّننِ التي ساروا بها.
كما وردتِ الرواياتُ ببيانِ مكانةِ العلماءِ في السماءِ والأرضِ؛ ففي السماءِ تبكيهِمُ الملائكةُ عندَ التحاقِهِم بالرفيقِ الأعلى، وفي الأرضِ يُثْلَمُ في الإسلامِ ثُلمةٌ بفقدِهِم، فعنْ أَبَي اَلْحَسَنِ مُوسَى الكاظمِ (عليه السلام): «إِذَا مَاتَ اَلْمُؤْمِنُ، بَكَتْ عَلَيْهِ اَلْمَلاَئِكَةُ، وَبِقَاعُ اَلْأَرْضِ اَلَّتِي كَانَ يَعْبُدُ اَللَّهَ عَلَيْهَا، وَأَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ اَلَّتِي كَانَ يَصْعَدُ بِأَعْمَالِهِ فِيهَا، وَثُلِمَ فِي اَلْإِسْلاَمِ ثُلْمَةٌ لاَ يَسُدُّهَا شَيْءٌ»، قَالَ: «لِأَنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْفُقَهَاءَ حُصُونُ اَلْمُسْلِمِينَ، كَحِصْنِ سُورِ اَلْمَدِينَةِ لَهَا»[2].
وإذا كانَ الموتُ أمراً حتماً مقضيّاً، فإنَّ أفضلَ الموتِ الشهادةُ، فعنْ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «إِنَّ اَلْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ، لاَ يَفُوتُهُ اَلْمُقِيمُ، وَلاَ يُعْجِزُهُ اَلْهَارِبُ، إِنَّ أَكْرَمَ اَلْمَوْتِ اَلْقَتْلُ. وَاَلَّذِي نَفْسُ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ، لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى اَلْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ»[3].
وقدْ خصَّ اللهُ العلماءَ والشهداءَ بحياةٍ خاصّةٍ، ففي الشهداءِ قالَ تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾[4]، وفي العلماءِ وردَ عنْ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «هَلَكَ خُزَّانُ اَلْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاَلْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ اَلدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي اَلْقُلُوبِ مَوْجُودَة»[5].
لقدْ جمعَ اللهُ عزَّ وجلَّ منزلةَ العلمِ والعلماءِ، وكلَّ ما يترتَّبُ عليها منْ مقامِ الشفاعةِ يومَ القيامةِ، ومكانةَ الشهادةِ والشهداءِ، والحياةَ الأبديّةَ، في شهيدَيْنِ سيِّدَيْنِ: سيِّدِ شهداءِ الأمَّةِ، شهيدِنا الأسمى السيِّدِ حسنِ نصرِ الله، وصفيِّه العزيزِ، الشهيدِ الهاشميِّ السيِّدِ هاشمِ صفيِّ الدين. فبالقيادةِ الحكيمةِ لهما كانتِ الانتصاراتُ، وكانتِ السُّنَنُ الحسنةُ على مستوى هدايةِ الناسِ وحفظِ دينِهِم، وكانا حِصنَ هذا الدِّينِ.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
[1] الشيخ الطبرسيّ، الاحتجاج، ج1، ص17.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج79، ص177.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص180، الخطبة 123.
[4] سورة البقرة، الآية 154.
[5] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص496، الحكمة 147.