الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1548 04 رجب 1444 هـ - الموافق 26 كانون الثاني 2023م

فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ

قضيّة المرأة في المجتمع الإسلاميّمراقباتطالبُ الموعظةكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء جمع من مدّاحي أهل البيت (عليهم السلام)سُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدان
من نحن

 
 

 

التصنيفات
أهمية التربية في الإسلام
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

                                                 بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف اللغوي للتربية:
لقد عَرَّف اللُغَويُّون وأصحاب المعاجم لفظة التربية بأنها: إنشاءُ الشيءِ حالاً فحالاً إلى حَدِّ التمام. وربُّ الولدِ ربّاً: وليُّه وتَعَهُّدُهُ بما يُغذِّيه ويُنمِّيه ويُؤدِّبه.

تعريف التربية الإسلامية:
من هذا المنطق يمكننا تعريف التربية الإسلامية بأنها: عملية بناء الإنسان وتوجيهه، لتكوين شخصيَّتِهِ، وفقاً لمنهج الإسلام الحنيف وأهدافه السامية في الحياة.
فالتربية إذن تعني تنشئة الشخصيّة وتنميتها حتى تكتمل وتتخذ سماتَها المميِّزة لها.

أهميَّة التربية الإسلامية:

من الأمور المُسَلَّم بها أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، غير مُتَّسِم بملامح أي اتجاه أو سلوك أو تشكيلة، إلا أنه يحمل الاستعداد التام لِتَلَقِّي مختلف العلوم والمعارف، وتكوين الشخصيَّة والانخراط ضِمن خطٍّ سلوكيٍّ معيَّنٍ.
لذا فإن القرآن الكريم يخاطب الإنسان ويذكره بهذه الحقيقة الثابتة، وبنعمة الاستعداد والاكتساب والتعلُّم، التي أودعها الله عزَّ وجلَّ فيه لكسب العلم والمعرفة، والاسترشاد بالهداية الإلهيَّة.

فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ1.
ويذكر الإمام عليّ عليه السلام هذه الحقيقة أيضاً بقوله: "… وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته"2.
وقد شرح العلاّمة الحلّي رضوان الله عليه مراحل تكوّن المعرفة لدى الطفل، فقال: "إعلم أنّ الله خلق النفس الإنسانيّة في بداية فطرتها، خالية من جميع العلوم بالضرورة، قابلة لها بالضرورة، وذلك مشاهد في حال الأطفال، ثمّ إنّ الله تعالى خلق للنفس آلات بها يحصل الإدراك، وهي القوى الحسّاسة، فيحسّ الطفل في أوّل ولادته لمس ما يدركه من الملموسات، ويميّز بواسطة الإدراك البصري على سبيل التدرّج بين أبويه وغيرهما".

وبهذا الترتيب يتوجه الإنسان في تلقيه للمعرفة إلى استخدام أحاسيسه، فهو يتعرّف على ثدي أمّه، نظراً لعلاقته الحياتية به وحاجته إليه في التغذي، ثمّ يتعرّف على أمّه قبل غيرها ممّن يحيطون به.

ثمّ إنّ هذا الطفل يزداد فطنة وذكاء، فينتقل من إحساسه بالأمور الجزئية إلى معرفة الأمور الكليّة، مثل التوافق والتباين والأنداد والأضداد، فيعقل الأمور الكليّة الضروريّة بواسطة إدراك المحسوسات الجزئيّة.

ثمّ إذا استكمل الاستدلال عنده، فإنه يتمكن حينئذ من إدراك العلوم الكسبية بواسطة العلوم الضروريّة.
فظهرمن هذا أن العلوم المكتسبة فرع على العلوم الكلّية الضروريّة، والعلوم الكلّية الضروريّة فرع على المحسوسات الجزئيّة.
فلهذا، يتعيّن على الأبوين في ظلّ التعاليم الإسلاميّة أن يبادروا إلى تربية أطفالهم وتعليمهم منذ نشأتهم الأولى.
ومن جهة أخرى، فإنّ الطفل ـ كإنسان ـ وهبه الله عزَّ وجلَّ العقل والذكاء، وخلق فيه موهبة التعلّم والاكتساب و التلقي.

فهو منذ أن يفتح عينيه على هذه الدنيا يبدأ عن طريق أحاسيسه بالتعلّم واكتساب السلوك والآداب والأخلاق، ومختلف العادات، وكيفيّة التعامل مع الآخرين. فنجد أنّ الأجواء المحيطة بالأسرة وطريقة تعاملها ونمط تفكيرها، كلّ ذلك يؤثر تأثيراً مباشراً وعميقاً في تكوين شخصيّة الطفل، وبلورة الاتجاه الذي سوف يتخذه في المستقبل.

فإن كانت تلك العائلة سليمة ومؤمنة ومستقيمة وملتزمة بتعاليم الإسلام السامية، فإن ذلك سوف يساعد الطفل على أن يكون فرداً صالحاً وإنساناً طيّباً وسعيداً. وإن كانت تلك الأسرة من العوائل المتحلّلة المنحطة، فإن ذلك سوف يوفر الأرضية إلى انحطاط شخصية ذلك الطفل وخروجه إلى المجتمع فرداً فاسداً مجرماً شقيّاً. فلذا جاء في الحديث النبويّ الشريف: "ما من مولود يولد إلاّ على هذه الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه"3.

وقد أثبتت التجارب والدراسات العلميّة التي أجراها الباحثون والمحقّقون في مجال البحوث التربويّة والنفسيّة، أن للتربية أثراً كبيراً ومباشراً في تكوين شخصيّة الفرد وبلورة أهدافه وميوله ورغباته في الحياة.

وقد تطابقت هذه البحوث والتحقيقات مع قواعد الرسالة الإسلاميّة المباركة وقوانينها التربويّة العلميّة، فغدت تأييداً ومصداقاً للتعاليم الإسلاميّة الحقّة في مجال التربية والتعليم.

فتقول معظم الدراسات التي أجريت في هذا المجال بأنّ شخصية الطفل تتحد في سِنِي عمره الأولى، وفي هذه الفترة تنمو مواهبه الفرديّة، وتتكوّن لديه ردود فعل على الظواهر الخارجيّة، عن طريق احتكاكه بالمحيط الذي يترعرع فيه.

وتكتمل هذه الردود وتأخذ قالبها الثابت في حينه: "من شبّ على شيء شاب عليه".
وفي الحقيقة أنّ للقيم السائدة في العائلة التي يعيش الطفل فيها ـ سواء كانت إيجابيّة أم سلبيّة ـ دورا‍ً خطيراً ومؤثراً في تأطير طريقة تعامله مع الآخرين.
وقد أثبتت الأبحاث التربويّة أيضاً أنّ للأجواء المحيطة بالطفل التأثير المباشر في تكوين نظرته إلى نفسه في هذه الحياة.

فإنه إن لمس الرعاية والمحبّة والعاطفة السليمة والحنان والاهتمام والتقدير والتشجيع والمكافأة بين أفراد أسرته، تشرق صورته في نفسه وتطيّبها، وتنمي قدراته ومواهبه وإبداعاته وابتكاراته، وتجعله يشعر بإشراقة مضيئة تشعّ من ذات شخصيّته فتؤهّله للقيام بدور فعّال في حياته العائليّة، ومن ثمّ المدرسية والمهنيّة فالاجتماعيّة.

وقد أثبتت هذه الدراسات والتجارب أن 50 % من ذكاء الأولاد البالغين السابعة عشرة من العمر يتكوّن بين فترة الجنين وسنّه الرابعة.
وأنّ 50 % من المكتسبات العلميّة لدى البالغين من العمر ثمانية عشر عاماً تتكوّن ابتداءً من سنّ التاسعـة.

وأنّ 33 % من استعدادات الولد الذهنيّة والسلوكيّة والإقداميّة والعاطفيّة يمكن معرفتها في السن الثانية من عمره، وتتوضح أكثر في السنّ الخامسة بنسبة 50 %.
وتضيف دراسة أخرى بأن نوعيّة اللغة التي يخاطب الأهل أولادهم بها تؤثر إلى حدّ كبير في فهم هؤلاء وتمييزهم لمعاني الثواب والعقاب، وللقيم السلوكيّة ولمفاهيمها، ودورهم في البيت والمجتمع.

فلهذا، نجد أن الإسلام العظيم أبدى عنايته الفائقة بالطفل منذ لحظات ولادته الأولى.
فدعا إلى تلقينه الشهادتين، لكي تُبنى شخصيّته وفق الأسس الدينية، والتعامل الصحيح، ولكي تترسخ القواعد الفكريّة الصحيحة في عقله ونفسه.
فقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن جدّه الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال: "من وُلد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليقم في أذنه اليسرى، فإن إقامتها عصمة من الشيطان الرجيم"4.
ولعلّ أكثر الأدلة صراحة على تحديد مسؤوليّة الوالدين في مسألة تربية أولادهم، وأهميّة التربية في الإسلام هو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ5.

تأثير البيئة والمحيط على تربية الأطفال:
إن البيئة التي يعيش فيها الطفل لها تأثير عميق وفعّال في حياته وتكوّن شخصيّته، فالإنسان منذ نعومة أظفاره يتأثر وينفعل بما يجري حوله من ممارسات. فإنه يكتسب مزاجه وأخلاقه وممارساته و طريقة تفكيره من المحيط أو البيئة التي يعيش فيها.
وقد تبيّن أنّ للوالدين، ولسلوك العائلة، ووضعيّة الطفل في العائلة، دوراً كبيراً في تحديد شخصيّته وصقلها وبلورتها وتحديد معالمها.

كما أن للمعلّم، والأصدقاء، والمجتمع ووسائله الإعلامّية، وعاداته، وأسلوب حياته، الأثر المباشر والكبير على سلوك الطفل وكيفيّة تفكيره.
إلاّ أنّنا نلاحظ ـ انطلاقاً من فلسفة الإسلام العامّة والتربويّة خاصّة ـ أنْ ليس لعالم الطفل الخارجي بمختلف مصادره ومع شدّة تأثيره القدرة كلّيّاً وبصورة قاطعة و إلى الأبد في تحديد معالم شخصيّة الإنسان، وتأطير مواقفه، بل لإرادة الإنسان الذاتيّة القويّة دور فعّال في تحديد سلوكه ومعتقداته وممارساته.

لأنّ الإنسان في ظلّ الاعتقاد بالتعاليم الإسلاميّة الحقّة، يتعرف على ما فيه الخير والصلاح والسعادة له ولغيره، فيعمل به.
وكذلك يتعرف على ما فيه الشرّ والفساد والشقاء له ولغيره، فيتجنب عنه، وبهذا يحصل على العقلية الواعية التي يتمكن بها من توجيه سلوكه والوقوف بوجه جميع التيارات السلبية المضادة التي تحاول أن تجرفه معها.

من هنا جاء التأكيد في التربية الإسلاميّة على القيم والأخلاق والمبادئ، كحقائق مستقلّة متعالية على تأثيرات الواقع، ليتمكن الإنسان بها أن يصون نفسه من الآثار السلبية خلال تواجده في البيئة المنحرفة من الآثار السلبية.

فبالإرادة الذاتيّة المحصّنة من تأثيرات المحيط، والثابتة على القيم والمبادئ السامية على واقع العالم المحيط بالإنسان ـ يتمكن الإنسان من الوقوف بوجه الواقع المنحرف.
وهذا التقويم الواقعي السليم لمنطق التأريخ، الذي يعطي الإنسان قيمته الحقيقيّة في هذا العالم الرحب، ويضعه في محلّه المناسب له، هو بعينه تقويم التشريع الإسلاميّ للإنسان.

والذي قد جاء صريحاً في القرآن الكريم: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ6.
كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: لا تكونن إمعة، تقول: "أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس" 7.

1ـ المحيط الطبيعي:
إن القاعدة الأساسيّة في تربية الطفل تتوقف على أساس من الاهتمام بالطبيعة، والعمل على إبعاد المخاوف عنه، وتوجيهه إلى مواطن السرور والأمان والطمأنينة في هذا العالم لصيانته من الحالات النفسيّة التي تؤلمه وتضرّ به.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى ينبغي ترغيب الطفل في التوجه نحو الطبيعة، وتشجيعه على استلهام أسمى معاني الحبّ والبهجة والجمال والأمن منها، وتشويقه على البحث والمعرفة والاكتشاف.

وقد قال عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ8.
ومن الواضح أنّ الطفل يتأثر بالمحيط وينفعل به، فيتساءل كثيراً عمّا يراه و يسمعه في هذا العالم ممّا يثير إعجابه و دهشته، ويلفت نظره.
فصوت الرعد ووهج البرق ونباح الكلب ودويّ الريح وسعة البحر ووحشة الظلام، كلّها تثير مخاوفه، وتبعث في نفسه القلق والاضطراب والخوف، وتجعله ينظر إليها بحذر وتردّد، ويعدّها في عداد العدوّ والخطر.

فيتطوّر عنده هذا الشعور، و يأخذ أشكالاً مختلفة، وتتطوّر هذه التحوّلات مع نموّ الطفل.
فتترسّب حالات الخوف في نفسه، وتنمو شخصيّته على القلق والتردّد والاضطراب والخوف والجبن.
وكما أنّ لهذه الظواهر الطبيعيّة وأمثالها، هذا الأثر السلبيّ في نفسيّة الطفل، فإنّ منها ماله التأثير الإيجابي والنافع في نفسه، فنجده يفرح ويسرّ بمنظر الماء والمطر، وتمتلئ نفسه سروراً وارتياحاً بمشاهدة الحقول والحدائق الجميلة، ويأنس بسماع صوت الطيور، وترتاح نفسه حين اللعب بالماء والتراب والطين.

فيجب في كلتا الحالتين التعامل معه، وتدريبه على مواجهة ما يخاف منه، وإعادة الثقة في نفسه منحه الصورة الحقيقية عن الحياة.
وممّا هو مهمّ جدّاً في دور التربية هو أن نجيب الطفل ـ بكل هدوء وبساطة وارتياح وحبّ ورحابة صدر ـ عن جميع تساؤلاته حول المطر و الشمس والقمر والنجوم والبحر والظلام وصوت الرعد و… بما يرضيه و يريح نفسه.

فننمّي بذلك روح الإقدام فيه وحبّ الاستطلاع، وحبّ الطبيعة وما فيها من خلق الله عزَّ وجلَّ البديع العجيب.. لينشدّ إليها، ويعرف موقعه فيها، و يدرك عظمة خالقه، ومواطن القدرة والإبداع، ودوره فيها.

فينشأ فرداً سليماً نافعاً ذا إرادة تجنّبه الانحراف وفعل الشرّ، وذا عزيمة على الإقدام على فعل الخير.
ويتركّز في نفسه مفهوم علميّ وعقائديّ مهم بأنّ الطبيعة بما فيها هي من صنع الله عزَّ وجلَّ وإنّ الله قد سخّرها لخدمة الإنسان، ليتصرّف فيها ويستفيد منها، ويكيّف طاقاته ويستغلّها بما ينفعه وينفع الناس.

وقد قال جلّ وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً9.
وقال أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ10.
وهذا التسخير الإلهيّ ما هو إلاّ تمكين للإنسان من تكييف قوى الطبيعة واستثمارها لصالحه وفق ما تقتضيه المفاهيم الإنسانيّة التي عالجها من خلال علاقته بالطبيعة، مثل مفاهيم الحبّ والخير والجمال والأمن والسلام والاحترام، وغيرها.

2- البيئة الاجتماعية:

إنّ للوسط الاجتماعي الذي يعيش الطفل فيه تأثيراً كبيراً في بلورة سلوكه وبناء شخصيّته، لأنه سرعان ما يتطبّع بطابع ذلك الوسط، ويكتسب صفاته ومقوّماته من عقائد وأعراف وتقاليد ونمط تفكير، وما إلى ذلك.

والبيئة أو الوسط الاجتماعيّ الذي يعيش فيه الطفل يتمثل بما يلي:
أ ـ الأسرة:

هي المحيط الاجتماعيّ الأول الذي يفتح الطفل فيه عينيه على الحياة، فينمو ويترعرع في وسطه، ويتأثر بأخلاقه وسلوكيّاته، ويكتسب من صفاته وعاداته وتقاليده. فالطفل يرى في أبويه ـ وخصوصاّ والده ـ الصورة المثالّية لكّل شيء، ولذا تكون علاقته معه علاقة تقدير وإعجاب وحبّ واحترام من جهة.

ومن جهة أخرى علاقة مهابة وتصاغر، ولذا فهو يسعى دائماً إلى الاكتساب منه، وتقمّص شخصيّته، ومحاكاته وتقليده، والمحافظة على كسب رضاه.
في حين يرى في الأمّ مصدراً لتلبية ما يفتقر إليه من حبّ وعطف وحنان وعناية ورعاية واهتمام، لهذا فإن شخصيّة الأم تؤثر تأثيراً بالغاً في نفسية الطفل وسلوكه حاضراً ومستقبلاً.

لذا فإنّ لأوضاع الأسرة وظروفها الاجتماعيّة والعقائديّة والأخلاقيّة والسلوكيّة والاقتصادية وغيرها، طابعها وآثارها الأساسيّة في تكوين شخصيّة الطفل ونموّ ذاته. فالطفل يتأثر بكل ذلك، وينعكس هذا على تفكيره وعواطفه ومشاعره وإحساساته ووجدانه وسلوكه، وجميع تصرّفاته.

فعلاقة الوالدين مع بعضهما، وكيفيّة تعامل أفراد الأسرة، من إخوة وأقارب فيما بينهم، توحي إلى الطفل بنوعيّة السلوك الذي يسلكه في الحاضر والمستقبل. فهو حينما يرى أن هذه العلاقة قائمة على الودّ والعطف والحنان والتقدير والاحترام والتعاون، فإنه يألف هذا السلوك، ويتأثر به.

فتكون علاقته بوالديه وإخوته وبقيّة أفراد أسرته والآخرين قائمة على هذا المنحى، وعندما يخرج إلى المجتمع فهو يبقى في تعامله معه على هذا الأساس أيضاً. أمّا إذا كان الطفل يعيش في وسط أسرة متفكّكة منهارة، تقوم علاقاتها على الشجار والخلاف وعدم الاحترام والتعاون، فإنّه يبني علاقته بالآخرين على هذا الأساس.

فينشأ معانياً من الجفوة والقسوة والانحلال والتفكّك وعدم الانسجام، ويتكوّن لديه الشعور بالنقص، وربّما ينشأ مريضاً نفسيّاً وانتقاميّا حقوداً على الجميع، وكم يذكر لنا التاريخ من هذا النمط الذين كانوا وبالاً على المجتمعات.

وفي الوقت الحاضر لا يخلو العالم من هذه النماذج الحقودة على الإنسانيّة، الخطرة على مجتمعها، ممّن يندى جبين العفّة والشرف عند الاطلاع على ماضيهم الدنيء وحاضرهم القبيح.

والإسلام الحنيف يولي أهميّة فائقة للطفل، ويركّز على تربيته التربية الصالحة المفيدة.
فقد ورد عن النبيّ  صلى الله عليه واله: "أحبّوا الصبيان وارحموهم"11.
وقال  صلى الله عليه واله  أيضاً ليهوديّ: "أمّا لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله لرحمتم الصبيان"12.
وقال الإمام الصادق عليه السلام عن النبي  صلى الله عليه واله: "من قبّل ولده كتب الله عزَّ وجلَّ له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة"13.

ب ـ المجتمع:
هو المحيط الثاني الذي يتلّقى الطفل ويحتضنه بعد أبويه وأسرته، ويغرس فيه ماهيّته، وينقل إليه عاداته ومفاهيمه وسلوكه.
وفي المجتمع يجتمع كل ما يحمله وينتجه الأفراد المعاصرون من أفكار وعادات وتقاليد وأخلاق وسلوكيّات وتصرّفات.
كما أنّه يعتبر الوارث الطبيعيّ للأسلاف والأجيال الماضية، وهو الذي ينقل إلى الجيل الحاضر ما كان عليه آباؤه وأجداده من حالات وأوضاع.
لذا فإن للبيئة الاجتماعيّة دوراً كبيراً في قولبة شخصيّة الطفل وسلوكه.

والفرد المسلم في المجتمع الإسلاميّ يبحث دائماً عن البيئة الصالحة والمناسبة لنموّه ونشأته واستقامة شخصيّته، ليوفر بذلك لنفسه وعائلته الأجواء والظروف اللازمة لنموّ شخصيته الإسلاميّة اجتماعيّاً نموّاً صالحاً سليماً.

فالصديق الذي يرافقه الطفل ويلعب معه يؤثر فيه، وينقل إليه الكثير من أنماط السلوك، ومعاملة الضيوف والأقارب وغيرهم.
وأما الاختلاط بهم، والذهاب إلى المراكز العامة كالملاعب والنوادي والجمعيّات والمسارح ودور السينما، والحدائق والمتنزّهات وسائر الأماكن العامّة.
أو المظاهر العامّة كالأعياد والمناسبات المختلفة، التي يعيشها الطفل ويتعامل معها، أو يرتادها.
فكلّ ذلك يزرع في نفسه مفهوماً خاصّاً، ويوجّهه توجيهاً معيّناً، وكذلك القصص والحكايات الشعبية والأمثال والنكت هي أيضاً تترك آثارها على شخصّية الطفل وسلوكه وأخلاقه.

والتربية الإسلاميّة تعتمد على المحيط الاجتماعي في التوجيه والإعداد، وتهتمّ بإصلاح الطفل وتوجيهه توجيهاً صحيحاً سليماً.
والجديد بالذكر أنّ الانسجام التامّ وعدم التناقض بين حياة البيت والمدرسة والمجتمع يعتبر أمراً مهمّا وخطيراً جدّاً في العمليّة التربويّة، لأن له أثره المهمّ والفعّال في سلامة الطفل من الصراع النفسيّ والتشتت وانقسام الشخصيّة وانفصامها.

والمجتمع الإسلاميّ الذي يؤمن بالإسلام فكراً وعملاُ وسلوكاً، ينسجم تماماً مع الأسرة والمدرسة، ويلقى الطفل فيه الحياة المتّزنة المستقرّة المنسجمة الهادئة المريحة.

كما أنّ الطفل أينما يولّي وجهه في البيت أو المدرسة أو المجتمع، فإنّه يجد الأمّ والأصدقاء والمؤسّسة والمظهر الاجتماعيّ العامّ، ووسيلة الإعلام وحياة الناس العامّة وسياسة الدولة، كلّها تسير على قاعدة فكريّة وسلوكيّة واحدة، ساعية إلى الخير والإصلاح والعزة والكرامة، وتعمل بانسجام تامّ، وتتعاون بشكل دقيق ومتقن ومنسّق، على أسس فلسفة حياتية وفكريّة واحدة، من أجل بناء الفرد الصالح النافع، والمجتمع السليم القويم.

ج ـ المدرسة:
والمدرسة هي الحاضنة الأخرى للطفل، ولها التأثير الكبير والمباشر في تكوين شخصيّته، وصياغة فكره، وبلورة معالم سلوكه، وفي المدرسة تشترك عناصر أربعة أساسيّة في التأثير على شخصيّة الطفل وسلوكه، وهي:

1 ـ المعلم:
إنّ الطفل يرى المعلّم مثالاً سامياً وقدوة حسنة، وينظر إليه باهتمام كبير واحترام وفير، وينزله مكانة عالية في نفسه، وهو دائماً يحاكيه ويقتدي به، وينفعل ويتأثر بشخصيّته. فكلمات المعلم وثقافته وسلوكه ومظهره ومعاملته للطلاب، بل وجميع حركاته وسكناته، تترك أثرها الفعّال على نفسيّة الطفل، فتظهر في حياته وتلازمه.

وإنّ شخصيّة المعلّم تترك بصماتها وطابعها على شخصيّة الطفل عبر المؤثرات التالية:
أ ـ الطفل يكتسب من معلّمه عن طريق التقليد والإيحاء الذي يترك غالباً أثره في نفسه، دون أن يشعر الطفل بذلك.
ب ـ اكتشاف مواهب الطفل وتنميتها وتوجيهها وترشيدها.
ج ـ مراقبة سلوك الطفل وتصحيحه وتقويمه، وبذا تتعاظم مسؤوليّة المربّي، ويتعاظم دوره التربويّ في التربية الإسلاميّة.

2 ـ المنهج الدراسي:
وهو مجموعة من المبادئ التربويّة والعلميّة، والخطط التي تساعدنا على تنمية مواهب الطفل وصقلها، وإعداده إعداداً صالحاً للحياة.
ولكي يكون المنهج الدراسيّ سليماً وتربويّاً صالحاً، فينبغي له أن يعالج ثلاثة أمور أساسية مهمّة في عمليّة التربية، و يتحمّل مسؤوليّته تجاهها.

وهي:
أ ـ الجانب التربوي: إنّ العنصر الأساس في وضع المنهج الدراسيّ في مراحله الأولى خاصّة، هو العنصر التربويّ الهادف.
فالمنهج الدراسيّ هو المسؤول عن غرس القيم الجليلة والأخلاق النبيلة في ذهن الطفل وفي نفسيّته، وهو الذي ينبغي أن يعوّد الطفل على الحياة الاجتماعيّة السليمة، والسلوك السامي، كالصدق والصبر والحبّ والتعاون والشجاعة والنظافة والأناقة، وطاعة الوالدين والمعلّم، وإلخ.
وهذا الجانب التربوي هو المسؤول عن تصحيح أخطاء البيئة الاجتماعيّة وانحرافاتها، كالعادات السيّئة والخرافات والتقاليد البالية.

ب ـ الجانب العلمي والثقافي: وهذا يشمل تدريس الطفل مبادئ العلوم والمعارف النافعة له ولمجتمعه، سواء كانت الطبيعيّة منها أو الاجتماعيّة أو العلميّة أو الرياضيّة أو الأدبيّة أو اللغويّة أو الفنيّة وغيرها التي تؤهلّه لأن يتعلّم في المستقبل علوماً ومعارف أعقد مضموماً وأرقى مستوى.

ج ـ النشاط الجانبي: وهذا الجانب لايقلّ أهمية عن الجانبين السابقين، إن لم نقل أكثر.
ويتمثل في تشجيع الطفل، وتنمية مواهبه، وتوسيع مداركه، وصقل ملكاته الأدبيّة والعلميّة والفنيّة والجسميّة والعقليّة، كالخطابة وكتابة النشرات المدرسيّة والرسم والنحت والتطريز والخياطة، وسائر الأعمال الفنيّة الأخرى، أوالرياضة والألعاب الكشفيّة والمشاركة في إقامة المخيّمات الطلابيّة والسفرات المدرسيّة، بل ومختلف النشاطات الأخرى، لدفعه إلى الابتكار والاختراع والاكتشاف والإبداع.
فإذا وضع المنهج الدراسي بهذه الطريقة الناجحة، فإنه يستطيع أن يستوعب أهداف التربية الصالحة، وأن يحقق أغراضها المنشودة في تنشئة الجيل الصالح المفيد.

3 ـ المحيط الطلاّبي:
ونعني به الوسط الاجتماعيّ الذي تتلاقى فيه مختلف النفسيّات والحالات الخلقيّة، والأوضاع الاجتماعيّة من الأعراف والتقاليد، وأنماط متنوّعة من السلوك والمشاعر التي يحملها الطلاب معهم إلى المدرسة، والتي اكتسبوها من بيئاتهم وأسرهم، وحملوها بدورهم إلى زملائهم.
فنرى الأطفال يتبادلون ذلك عن طريق الاحتكاك والملازمة والاكتساب.

ومن الطبيعيّ أن الوسط الطلابيّ سيكون على هذا الأساس زاخراً بالمتناقضات من أنماط السلوك والمشاعر ـ سيّما لو كان المجتمع غير متجانس ـ فتجد منها المنحرف الضارّ، ومنها المستقيم النافع.
لذا يكون لزاماً على المدرسة أن تهتمّ بمراقبة السلوك الطلابيّ، وخصوصاً من يسلك منهم سلوكاً ضارا، فتعمل على تقويمه وتصحيحه، ومنع سريانه إلى الطلاّب الآخرين، وتشجيع السلوك الاجتماعيّ النافع كتنمية روح التعاون والتدريب على احترام حقوق الآخرين.

4- النظام المدرسي ومظهره العام:
حينما يشعر الطلبة في اليوم الأوّل من انخراطهم في المدرسة أنّ للمدرسة نظاماً خاصّاً، يختلف عن الوضع الذي ألفوه في البيت ضمن أسرتهم، فإنّهم – حينئذ – يشعرون بضرورة الالتزام بهذا النظام والتكيّف له.

فإذا كان نظام المدرسة قائماً على ركائز علميّة متقنة، ومشيّداً على قواعد تربوية صحيحة، فإنّ الطالب سيكتسب طباعاً جيّدة في مراعاة هذا النظام، والعيش في كنفه.
فمثلاً لو كان الطالب المشاكس الذي يعتدي على زملائه، والطالب الآخر المعتدى عليه، كلاهما يشعران بأن نظام المدرسة سيتابع هذه المشكلة، وأن هذا الطالب المعتدي سوف ينال عقابه وجزاءه.

فإنّ الطرفين سيفهمان حقيقة مهمّة في الحياة، وهي أن القانون والسلطة والهيئة الاجتماعيّة يردعون المعتدي، وينزلون به العقاب الذي يستحقّه، وأن المعتدى عليه هو في حماية القانون والسلطة والهيئة الاجتماعيّة.

ولا ضرورة أن يكلّف نفسه في الردّ الشخصيّ وإحداث مشاكل يحاسب هو عليها.
إنّ هذه الممارسة المدرسيّة التربويّة تربّي في الطفل احترام القانون واستشعار العدل ومؤازرة الحقّ والإنصاف.
والنظام المدرسيّ الذي يتابع مشكلة التقصير في أداء الواجب، والتغيّب عن الدرس والمدرسة، ويحاول حل هذه المشكلة، فإنّ الطالب في هذه المدرسة سيتعوّد ـ من خلال ذلك ـ الضبط والمواظبة على الدوام والالتزام بالنظام وأداء الواجب والشعور بالمسؤوليّة.
وكما أنّ للنظام أثره في تكوين شخصيّة الطفل وتنمية مشاعره وصقل قدراته وتقويم مواقفه وقيمه، فإنّ للحياة العامّة في المدرسة أيضاً أثرها الفعّال في هذه المجال.

د ـ الدولة:
بعد أن تطوّرت بنية الدولة ومهماتها، وتعقّدت الحياة البشريّة بمختلف مجالاتها، صارت علاقة الإنسان بالدولة علاقة حيويّة، فما من مرفأ من مرافئ الحياة إلاّ وللدولة أثر أو علاقة أو مشاركة فيه، مباشرة أو غير مباشرة.
ويظهر أثر الدولة بشكل أكثر وضوحاً في التربية والتعليم والثقافة العامّة، فالدولة اليوم هي التي تتولّى مسؤوليّة التربية والتعليم والثقافة، وتخطّط لها مركزيّاً، وتنهض بإدارتها وقيادتها.

أي أنّ الدولة تتبنّى مسألة إقامة البناء الإنسانيّ، وتصحيح البنية الشخصيّة وتقويمها، وتنمية الفكر، وكذلك طريقة إعداد الإنسان للحياة.
وعليها مسؤوليّة إعداد المنهج المدرسيّ، ورسم السياسة التربويّة العامّة، وتوجيه الثقافة عن طريق الإذاعة والتلفزيون ووسائل النشر وأساليب الدعاية التي تؤثر بواسطتها في إعداد الإنسان فكريّاً ونفسيّاً وسلوكيّاً.

وبتلك الوسائل والإمكانات تستطيع الدولة التأثير على هوّية الإنسان التربويّة، وتحديد معالم شخصيّته.
وإذا كانت الدولة دولة إسلامية فستكون مسؤولة عن توجيه التربية، و التخطيط لكلّ عناصرها وأجهزتها المدرسيّة والإعلاميّة، لتسير في الخطّ الإسلاميّ الملتزم.

فتمهّد الطريق للطفل في أن يشقّ طريقه إلى الحياة المستقبليّة الكريمة، وتساعد الشباب على تحمّل مسؤوليّاتهم المقدّسة، ليكون لهم الدور الفعّال في ترسيخ أسس الدولة الإسلاميّة واستمرارها وبقائها، والمشاركة في أخذ يدها نحو الخير والصلاح والعزّة والكرامة.

مسك الختام:
إنّنا حين نتطرّق لهذه العوامل بالشرح والتبسيط، إنما نريد بذلك إرساء حجر الأساس لما ألزَمَناه الامام عليّ عليه السلام في منهاجه التربويّ.
فنوفر الأرضيّة الصالحة لنشأة الجيل على مبادئه و معتقداته وآماله، معتمدين في ذلك على الهدف الذي رسمه لنا، لتحديد معالم التربية وأطرها الفكريّة والعاطفيّة.

فهذا هو نصّ ما جاء بخطابه لولده الحسن عليه السلام ، حيث قال: "… فإنّي أوصيك بتقوى الله أي بُنيّ، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله، إنْ أنت أخذت به ؟!"14.

مركز آل البيت "عليهم السلام" العالمي للمعلومات - بتصرّف


1-النحل: 78
2-نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده.
3-ورد في وسائل الشيعة – ج 15، باب شرائط الذمة، ص 125 - بهذه الصياغة: عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه.
4-الكافي، الكليني، ج 6، ص 24.
5-التحريم: 6.
6-القيامة: 15.
7- معاني الأخبار، ص 266.
8-الأعراف: 185
9-البقرة: 29
10-الملك: 15
11-الكافي، الكليني، ج 6، ص 49.
12-بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 43، ص 296.
13-الكافي، الكليني، ج 6، ص 49.
14-نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده.

11-10-2012 | 03-17 د | 1627 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net