الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1625 10 محرم 1446 هـ - الموافق 16 تموز 2024 م

سقوط المجتمع الكوفيّ

التبيينُ في ثورةِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام)كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) خلال لقاء مع المتولّي الجديد على مدرسة الشهيد مطهّري ومديريها وجمعٍ من أساتذتهاكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مع أعضاء الحكومة الثالثة عشرة،الصبر على المصائب لترويج الدينمراقباتالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَ
من نحن

 
 

 

التصنيفات
النظرية الإمامية في الحكم والنظام الديمقراطي
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم

وأمّا في النظريّة الإماميّة للحكم، فعند جملة من الكُتّاب، سواء المستشرقين أو حتى كتّاب أهل سنّة الجماعة، صوّر بأنّ نظريّة الإمامة هي نظريّة ملكيّة وراثيّة استبداديّة متأثّرة بالملكيّة الكسرويّة.

وقبل أن أُبيّن أنّ في النظريّة الإماميّة يتمّ مراعاة تمام الأُسس التي انطلقت منها الديمقراطيّة، ومراعاة تمام التوصيّات القرآنيّة في الشورى.

وقبل أن أبدأ في رسم نظريّة الإمامة عند الاماميّة، من أنّها ليست وراثة ملكيّة نسبيّة بالمعنى الترابي القبلي المطروح في عهود الأنظمة الملكيّة الاستبدادية البائدة ـ وإن كان الكثير عن عمد أو قصد أو جدل أو دجل يحاول أن يصرّ في رسم النظريّة الإماميّة في هذه الصورة ـ فإنّ القرآن الكريم يطرح نظريّة وراثة نوريّة اصطفائيّة ليست هي ترابيّة، حيث يقول اللّه تعالى : (إنّ اللّه اصطَفَى آدَمَ ونُوحاً وَآلَ ِابراهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض...)1.

وهنا القرآن الكريم يطرح أنّ آل إبراهيم وآل عمران ليست هي هذه الآل والأهليّة والنسبة القرابيّة، على غرار النظريّة الكسرويّة أو القيصريّة أو الملوكيّة البائدة، أو التي لا زالت الآن قائمة في بعض بلدان المجتمع البشري، بل إنّ القرآن الكريم يُريد أن يقول بأنّ أرضيّة الاصطفاء للمصطفى تحتاج إلى بيئة مؤهّلة وصالحة أيضاً، وإنّ النسل الكفوء هو المؤهّل لقيادة البشريّة، ولكن هذا ليس من باب الحرمان لبقيّة الطوائف، وهو من باب ما يطلقه علماء الحقوق بـ « الحقوق الطبيعيّة »; لأنّ طبيعة هذا النسل عندما يكون مُصطفى، مُصفّى، طاهراً، مُجتبى، تكون أهليّته في القيادة أكثر من غيره.

مع أنّ فكرة القيادة والحاكميّة في القرآن الكريم والنظريّة الإسلاميّة ليست هي بمعنى التنفّع، أو نفعيّة القائد والحاكم من منصبه، بل بمعنى خدمته لبقيّة الطوائف، فهو كافل لأن يوصل بقيّة الطوائف من النسل البشري إلى كمالاتهم وحقوقهم الطبيعيّة أو التشريعيّة بشكل آمن أكثر من غيره، فهي ليست إلاّ فكرة أنّ المؤهل والكفوء يوضع في المكان المناسب لكي يخدم، لا أنّه لكي يتجبّر أو يستبدّ.

فإذاً هناك مفارقات بين النظريّة النسبيّة الاصطفائيّة في القرآن الكريم، وبين نظريّة الملوكيّة الاستبداديّة البائدة، أو التي لا زالت نماذجها في المجتمع البشري.

وفكرة الاماميّة تقوم على أنّ هناك نسل مُصطفى مُجتبى يضعه القرآن الكريم في أهليّة القيادة، ومن ثمّ خصّ القرآن الكريم قربي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمودّة، وهذه ليست من باب الطبقيّة أو الارستقراطيّة أو البرجوازيّة أو ما شابه ذلك، وإنّما هي تكمن في طيّاتها أنّ قربى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتميّزون بصفات آهلة بعيدة عن البطر، وبعيدة عن النخوة والشهوة والنزاعات الشخصيّة والذاتيّة، بل هم قالبهم تمام الذوبان في المشاريع الدينيّة، وفي إنجاز حقوق البشر للتكامل بشكل تامّ واف، يصلون فيه إلى سعادتهم الدنيويّة والأُخرويّة.

فحينئذ تخصيص القرآن الكريم ذوي القربى بالمودّة أو بالخمس، أو تخصيصهم بكلّ الأموال العامّة في سورة الأنفال وفي سورة الحشر بإدارة الفيء وهو ثروات الأرض (ما أَفآءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَللّه وَلِلرّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ كَي لا يَكُونَ دَولَة بَيْنَ الأَغْنِيآء مِنكُم)2، الحكمة في ذلك أنّ هؤلاء حيث قد تميّزوا واتصفوا بالعصمة العلميّة والعمليّة، فهم المؤهّلون الكفوؤون لإرساء العدالة بين المسلمين، لكي لا تكون الثروات العامّة متداولة في فئة وطبقة الأغنياء (كَي َلا يَكُونَ دَولَة بَيْنَ الأَغْنِياء مِنكُم) أي كي لا تحتكر الطبقة الغنيّة القويّة الثروة العامة فيما بينها، وترسو العدالة وتتوزّع المنابع العامّة من الأموال والمنابع الطبيعيّة الأُخرى على المجتمع بشكل متكافى عادل، إذاً لابدّ أنّ يتسلّم ذوي القربى هذا المنصب.

وهذه ملحمة قرآنيّة يتنبّأ بها القرآن الكريم، يعني لن تستتبّ العدالة الماليّة في الأُمّة الإسلاميّة، بل في البشريّة، ما لم يصل هذا النسل الخاصّ المطهّر إلى سدّة الحكم، ووصوله لا لأجل بطر هذه الذريّة والعياذ بالله، أو نزعة هذا النسل إلى مآربه الشخصيّة، وإنّما هي لأجل المنافع العامّة في الأُمّة الإسلاميّة، بل في البشريّة.

فالمقصود أنّ أصل نظريّة الإمامة وإن كان هو النسل الخاصّ ولكن ليس نسلاً ترابيّاً، أو لأجل نسبة اللحم والدم الخاصّ البشري، وإنّما هو لأجل تنسيل اصطفائي نوري مطهّر خاصّ مُجتبى، فإذاً هناك مفارقة شاسعة بين الطرح الملكي ونظريّة الإمامة، هذا كبادئ ذي بدء.

وأمّا كيف أنّ النظريّة الإماميّة هي تحافظ على أُسس الديمقراطيّة بأكثر ممّا تحافظ نفس أغراض الديمقراطيّة على الأُسس التي انطلقت منها، والمبادى التي انطلقت منها؟ فذلك كما يلي:

الأول: أنّ هناك جدل كبير في النظريّة الديمقراطيّة، وهي أنّ الأقليّة كيف تُلغى أصواتهم ومشاركتهم. وهذا الجدل إلى يومنا هذا لم يُحّل في النظريّة الديمقراطيّة، ربما تكون الأقليّة الثلث، قد تكون ما يقلّ على النصف بيسير، كما شاهدنا الآن في الانتخابات الأمريكيّة في هذه الحقبة، حيث إنّ الأقليّة هي مادون النصف بقليل، بل قد تكون الأكثريّة ليست أكثريّة حقيقيّة، بل أكثريّة نسبيّة، يعني ربما الثلث يزيد على الربع، والثلث والربع هم الذين شاركوا في الانتخابات، وما عدا ذلك من أجزاء المجتمع كان لديه موقفاً سلبيّاً حياديّاً، حينئذ الثلث ليس أكثريّة حقيقيّة، ومع ذلك لأنّه يزيد على الربع مثلاً فهو يتحكّم في مصير الثلثين.

هم انطلقوا من أساس برّاق جذّاب ـ وهو مشاركة الكلّ ـ إلاّ أنّه في الصياغة واجهوا حرج عضال لم يُحلّ إلى يومنا هذا، وما ذكر ليس إلاّ حلولاً نسبيّة لتخفيف الداء ليس إلاّ، بينما سنشاهد في النظريّة الاماميّة هذا المطلب محقّق; إذ لا يكون للأكثريّة مصادرة لحقّ الأقليّة مهما كان ـ ولو كانت الأقليّة فرداً واحداً ـ وهذه واقعاً من إعجازيات التقنين الإلهي في دين الإسلام، وفي منهاج أئمة أهل البيت عليهم‌السلام، وهذا إعجاز قانوني نستطيع أن نتبجّح به، ونجابه به المحافل القانونيّة والحقوقيّة بشكل جريء رافعين الرأس.

الأمر الثاني الذي تواجهه النظريّة الديمقراطيّة الآن: هو أنّ أصحاب الثروة والقدرة قد يصادرون آراء العامّة بتغفيلهم، وبوضعهم في سبات فكري، أو في جوّ مخادع، سواء في جانب انتخاب الفرد، أو في جانب انتخاب القانون الصالح، أو في مجالات المشاركة، باعتبار أنّ الطبقة الغنيّة عندها وسائل إعلام، عندها وسائل التحكّم في الفكر أو ما شابه ذلك.

فحينئذ كيف يمكن أن تؤمن المشاركة الحقيقيّة بشكل صادق، مع أنّ أسباب القوّة في التحكّم في عقول الأكثريّة وافتعال الجوّ العامّ، يكون بيد الأقليّة ذوات الثروة والقوّة من وسائل الإعلام، فعناصر التلاعب بالرأي العامّ بأساليب شيطانيّة دجليّة خلاّبة خادعة هي كثيرة، وتستطيع حينئذ القوى الماليّة ذات الثراء أن تتلاعب بالرأي العامّ، فكيف نؤمن حينئذ سلامة بالرأي العامّ وانطلاقه من وعي وصحوة؟ وكيف نؤمن عدم مصادرة هذا الوعي العامّ؟ فهذه عقدة لا زالت الديمقراطيّة تواجهها.
 
* آية الله الشيخ محمد سند


1- آل عمران: 33 ـ 34.
2- الحشر : 7.

25-09-2014 | 16-12 د | 1735 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net