الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1487 19 ربيع الثاني 1443 هـ - الموافق 25 تشرين الثاني2021م

التوبة

ذكر الله أساس العملثَوبُ الحَياءكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظله) في لقاء مع النخب وأصحاب المواهب المتفوّقةسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدانمراقبات

 
 

 

التصنيفات

منبر المحراب- السنة الخامسة عشرة- العدد: 807 - 12 ذو القعدة 1429 هـ الموافق11تشرين الثاني2008 م
التواضع برنامج الفرد لتربية المجتمع

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

تحميل

محاور الموضوع الرئيسة:
1- التواضع صفة عباد الله تعالى
2 - أهمية التواضع وثماره
3- علامات التواضع

الهدف:
 التعرّف الى مفهوم التواضع وآثاره النفسية والاجتماعية

تصدير الموضوع:
أنه عن الإمام علي بن موسى الرض عليه السلام قال عندما سُئّل : "مَا حَدُّ التَّوَاضُعِ الّذي إذَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ كَانَ مُتَوَاضِعاً ؟ فَقَالَ : التَّوَاضُعُ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أن يَعْرِفَ الْمَرْءُ قَدْرَ نَفْسِهِ فَيُنَزِّلُهَا مَنْزِلَتَهَا بِقَلْب سَلِيم لاَ يُحِبُّ أن يَأْتِيَ إلى اَحَد إلا مِثْلُ مَا يُؤْتَى إليه، إن رَأى سَيِّئَةً درأها بِالْحَسَنَةِ، كَاظِمُ الْغَيْظِ، عَاف عَنِ النَّاسِ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" 1.

مقدمة:
"التواضع" من مادّة "وضع"، وهي في الأصل بمعنى وضع الشيء إلى الأسفل. وعندما تُطلق هذه الكلمة ويُراد بها صفة أخلاقية في الإنسان فإنّ مفهومها أنّ الإنسان ينخفض بنفسه عن مكانته الاجتماعية، " فالتواضع عبارة عن الانكسار النفسي الّذي لا يرى معه الإنسان نفسه أعلى من الآخرين ولازمه أن يتحرّك الشخص تجاه الآخرين من موقع الاحترام والتعظيم لهم بكلماته وأفعاله"2، وهو خلق كريم، وخلّة جذابة، تستهوي القلوب، وتستثير الإعجاب والتقدير، وناهيك في فضله أن الله تعالى أمر حبيبه، وسيد رسله صلى الله عليه وآله وسلم بالتواضع، فقال تعالى: " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. " وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشدَّ الناس تواضعاً. وكان إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس حين يدخل. وكان يحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويحمل بضاعته من السوق، ويجالس الفقراء. وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا سارّه أحد، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، وما قعد إليه رجل قط فقام صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقوم، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبادئ أصحابه بالمصافحة، ولم يُر قط ماداً رجليه بين أصحابه، يكرم من يدخل عليه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويكنّي أصحابه، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمةً لهم، ولا يقطع على أحد حديثه، وكان يقسّم لحظاته بين أصحابه، وكان أكثر الناس تبسماً، وأطيبهم نفساً.

1- التواضع صفة عباد الله تعالى
قال الله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَْرْضِ هَوْناً وإذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما 3.

نجد في هذه "الآية" إشارة واضحة إلى الصفات البارزة والفضائل الأخلاقية لجماعة من عباد الله تعالى الّذين وصلوا في سلوكهم المعنوي إلى مرتبة عالية من الكمال الإنساني والإلهي. كما نقرأ في آيات سورة الفرقان من الآية 63 إلى الآية 74 اثنتي عشرة فضيلة مهمة وكبيرة لهؤلاء الأشخاص. والملفت للنظر أنّ أوّل صفة تذكرها الآية لهؤلاء هي صفة التواضع، وهذا يدلّ على أنّ التكبّر كما يمثّل أخطر الرذائل الأخلاقية، فكذلك التواضع يمثّل أهم الفضائل الأخلاقية في واقع الإنسان وحركته الاجتماعية والمعنوية، حيث تقول الآية ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْنا.

و(هون) مصدر بمعنى الهدوء والليونة والتواضع. واستعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل هنا لغرض التأكيد، أي أنّهم يعيشون التواضع والهدوء إلى درجة وكأنهم عين التواضع، ولهذا السبب تستمر الآية في سياقها بالقول ﴿وإذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً أي لو واجههم الجهلاء والأراذل من الناس من موقع الشتيمة والكلام الباطل فإنّ جوابهم لا يكون إلاّ بعدم الاعتناء وغض الطرف من موقع عظمة شخصيتهم وكِبَر نفوسهم.

- قوله تعالى:﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هونا: ولا يخفى أنّ المقصود بقوله : ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هوناً ليس هو المشي في حالة التواضع فحسب، بل المقصود نفي كلَّ نوع من التكبّر والأنانية والسلوكيات السلبية النابعة من حالة التكبّر السلبية والّتي تتجلّى في أعمال الإنسان وأفعاله الأخرى. وذكرت الآية المشي باعتباره نموذجاً عملياً للدلالة على وجود التواضع كملكة نفسانية لدى هؤلاء، لأن الملكات الأخلاقية تتجلّى دائماً في كلمات الإنسان وحركاته الخارجية إلى درجة أنّه في الكثير من الحالات يُستدل على وجود أنواع من الصفات الأخلاقية في الشخص بواسطة المشي.

وعن أبي ذر الغفاري: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلس بين ظهرانيّ أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا اليه أن يجعل مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكاناً من طين فكان يجلس عليها، ونجلس بجانبه. جاء عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يُبَاهِي اللهُ تَعَالَى الْمَلاَئِكَةَ بِخَمْسَة: بِالْمُجَاهِدِينَ، وَالْفُقَرَاء، وَالَّذِينَ يَتَوَاضَعُون للهِ تَعَالَى" 4.

2- أهمية التواضع
أما عن أهمية التواضع فقد وردت تعبيرات جميلة وجذابة في الروايات الشريفة منها :

- في التواضع حلاوة العبادة: ورد في الحديث الشريف أنّ رسول الله قال يوماً مخاطباً أصحابه : "مَا لِي لاَ أرى عَلَيْكُمْ حَلاَوَةَ الْعِبَادَةِ ؟ ! قَالُوا : وَمَا حَلاَوَةُ الْعِبَادَةِ ؟ قَالَ : التَّوَاضُعُ !"5. ولا يخفى أنّ حقيقة العبادة هي غاية الخضوع أمام الله تعالى. فالشخص الّذي ذاق حلاوة الخضوع والتواضع مقابل حقيقة الألوهية والذات المقدسة فإنه سيتحلّى أيضاً بالتواضع مع الخلق. وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام : "عَلَيْكَ بِالتَّوَاضُعِ فَاِنَّهُ مِنْ أعظم الْعِبَادَةِ" 6.

- التواضع نعمة: وورد عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام : "الَتَّوَاضُعُ نِعْمَةٌ لاَ يُحْسَدُ عَلَيْهَا" 7. ومن الطبيعي أنّ كلّ نعمة تصيب الإنسان فإنه سيتعرض في الجهة المقابلة لأذى الحساد حيث تتحرك فيهم عناصر الحسد والكراهية أكثر بحيث يضيق الفضاء على صاحب النعمة ويعيش في حالة من التوتر الّذي تفرزه حالة الحسد في الطرف المقابل ولكن التواضع مستثنى من هذه القاعدة فهو نعمة لا تتغير بحسد الحساد.

3- ثمار التواضع وآثاره
للتواضع العديد من الآثار النفسية والتربوية والاجتماعية. فللتواضع تأثير إيجابي في حركة الإنسان الاجتماعية، لأنّ الشخص المتواضع يزيده تواضعه محبة واحتراماً في قلوب الناس، وكذلك يؤثّر التواضع تأثيراً إيجابياً في علاقة الإنسان بخالقه لأن التواضع يمثّل روح العبادة ومفتاح قبول الأعمال والطاعات. وللاختصار نقتصر على بعض ما ورد في الروايات:

- المحبة: عن أمير المؤمنين : "ثَمَرَةُ التَّوَاضُعِ الْمَحَبَّةُ وَثَمَرَةُ الْكِبْرِ الْمَسَبَّةُ" 8.

- انتظام الأمور: وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال : "بِخَفْضِ الْجَنَاحِ تَنْتَظِمُ الأمور"9.

- الرفعة:عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "الَتَّوَاضُعُ لاَ يَزِيدُ الْعَبْدَ اِلاّ رَفْعَةً فَتَوَاضَعُوا يَرْفَعْكُمُ اللهُ"10.

- قبول الطاعات: ويُستفاد من الأحاديث الإسلامية أن التواضع شرط في قبول العبادات والطاعات ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "الَتَّوَاضُعُ أصل كُلِّ خَيْر نَفِيس وَمَرْتَبَةٌ رَفِيعَةٌ,وَمَنْ تَوَاضَعَ للهِ شَرَّفَهُ اللهُ عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ, وَلَيْسَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَةٌ يَقْبَلُهَا وَيَرْضَاها اِلاّ وَبَابُهَا التَّوَاضُعُ، وَلاَ يَعْرِفُ مَا فِي مَعْنى حَقِيقَةِ التَّوَاضُعِ إلا الْمُقَرَّبُونَ الْمُسْتَقِلِّونَ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْناً وإذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما11.

- الحكمة: عن السيّد المسيح عليه السلام قال : "بِالتَّوَاضُعِ تَعْمُرُ الْحِكْمَةَ لاَ بِالتَّكَبُّرِ، كَذَلِكَ فِي السَّهْلِ يَنْبُتُ الزَّرْعَ لاَ فِي الْجَبَلِ" 12.

4- علامات التواضع
وبالنسبة إلى علامات التواضع فقد وردت روايات لطيفة وجميلة في الكتب الإسلامية، ففي حديث عن الإمام علي بن أبي طالب نقرأ : "ثَلاَثٌ هُنَّ رَأْسُ التَّوَاضُعِ : أن يَبْدَأبِالسَّلاَمِ مَن لَقِيَهُ، وَيَرْضَى بِالدُّونِ مِنْ شَرَفِ الْمجْلِسِ، وَيَكْرَهُ الرِّيَاء وَالسُّمْعَةَ" 13.

وفي بعض الروايات نقرأ علامات أخرى أيضاً للتواضع منها ترك المراء والجدال، أي أنّ الإنسان لا يدخل في مناقشة وجدل فكري من أجل إشباع رغبة التفوّق على الآخرين وإظهار فضله عليهم، ومن العلامات الأخرى عدم الرغبة في ثناء الناس عليه ومدحهم له.

التواضع في سلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليه السلام وسيرتهم:

- رُوي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان في سفر، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال آخر: عليَّ طبخها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : وعليَّ جمع الحطب. فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك. فقال: قد علمت أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميَّز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميَّزاً بين أصحابه، وقام فجمع الحطب.

- كان أمير المؤمنين عليه السلام في سمو أخلاقه وتواضعه، قال ضرار وهو يصفه عليه السلام :"كان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيّانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه هيبة له، فإن تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله".

- وقال الإمام الصادق عليه السلام : " خرج أمير المؤمنين عليه السلام على أصحابه، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال: لكم حاجة؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ولكنّا نحب أن نمشي معك. فقال لهم: انصرفوا، فإن مشي الماشي مع الراكب، مفسدة للراكب، ومذلّة للماشي ".

- ومن تواضع الإمام الحسين عليه السلام : أنه مرّ بمساكين وهم يأكلون كِسراً لهم على كساء، فسلَّم عليهم، فدعوه إلى طعامهم، فجلس معهم وقال: لولا أنّه صدقة لأكلت معكم. ثم قال: قوموا إلى منزلي، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم.

- ومن تواضع الإمام الرض عليه السلام : قال الراوي: كنت مع الرض عليه السلام في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة، فقال: مه، إنّ الرب تبارك وتعالى واحد، والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال.


1-أصول الكافي، ج 2، ص 124.
2-معراج السعادة، ص 300
3-سورة الفرقان، الآية 63.
4-مكارم الأخلاق، ص 51.
5-المحجّة البيضاء، ج 6، ص 222.
6-بحار الأنوار، ج 72، ص 119، ح 5.
7-تحف العقول، ص 363.
8-غرر الحكم، ح 4614 - 4613.
9-غرر الحكم، ح 4302.
10-كنز العمّال، ح 5719.
11-بحار الأنوار، ج 72، ص 1212.
12-بحار الأنوار، ج 2، ص 62.
13-كنز العمّال، ح 8506.

17-03-2010 | 23-58 د | 3123 قراءة

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net