الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1487 19 ربيع الثاني 1443 هـ - الموافق 25 تشرين الثاني2021م

التوبة

ذكر الله أساس العملثَوبُ الحَياءكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظله) في لقاء مع النخب وأصحاب المواهب المتفوّقةسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدانمراقبات

 
 

 

التصنيفات

منبر المحراب- السنة الخامسة عشرة- العدد: 803- 13 شوال 1429 هـ الموافق 14 تشرين أول2008 م
القناعة والكرم والحرص في المفهوم الإسلامي

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

تحميل

المحاور الرئيسة للموضوع:
1-مفهوم القناعة وقيمتها في الإسلام.
2-مفهوم الحرص ومساوئه ومعالجته.
3-مفهوم الكرم ومحاسنه والحث عليه.

الهدف العام:
تكريس مبدأ الكرم في التعاملات المالية والاجتماعية، والتربية على التوازن والقناعة في التعاملات المالية ونحوها.

تصدير الموضوع:
شكى رجل إلى أبي عبدالله عليه السلام إنه يطلب فيصيب فلا يقنع، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال: علمني شيئا أنتفع به. فقال أبو عبد الله عليه السلام: "إن كان ما يكفيك يغنيك، فأدنى ما فيها يغنيك، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك، فكل ما فيها لا يغنيك"1

وقال الامام الصادق عليه السلام: "إن فيما نزل به الوحي من السماء:لو أن لابن آدم واديين، يسيلان ذهباً وفضة، لابتغى لهما ثالثاً، يا بن آدم إنما بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية، لا يملأه شيء إلا التراب" 2

المحور الأول: مفهوم القناعة وقيمتها في الإسلام
1- مفهوم القناعة: للقناعة أهمية كبرى، وأثر بالغ في حياة الإنسان. فهي تحرره من عبودية المادة، واسترقاق الحرص والطمع، وعنائهما المرهق، وهوانهما المذل، وتنفخ فيه روح العزة، والكرامة، والإباء، والعفة، والترفع عن الدنايا، واستدرار عطف اللئام. والقانع بالكفاف أسعد حياة من الحريص المتفاني في سبيل أطماعه وحرصه. والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم.

وهي: من الاكتفاء من المال بقدر الحاجة والكفاف، وعدم الاهتمام فيما زاد عن ذلك. وهي:صفة كريمة، تعرب عن عزة النفس، وشرف الوجدان وكرم الأخلاق.

2- فضل القناعة: فيما يلي بعض ما أثر عن فضائلها في الاخبار
- قال الإمام الباقر عليه السلام: "من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الأغنياء"3. . وإنما صار القانع من أغنى الناس، لأن حقيقة الغنى هي: عدم الحاجة إلى الناس، والقانع راض ومكتف بما رزقه الله، لا يحتاج ولا يسأل سوى الله.

وقال الإمام الباقر عليه السلام: "إياك أن يطمح بصرك إلى من هو فوقك فكفى بما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم" وقال: "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا، فإن دخلك من ذلك شيء، فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنما كان قوته الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف إذا وجده"4

وكتب المنصور العباسي إلى أبي عبد الله الصادق عليه السلام: لِمَ لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه:ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك بها، ولا في نقمة فنعزيك بها. فكتب المنصور:تصحبنا لتنصحنا. فقال أبو عبد الله عليه السلام: "من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك".

ومن طريف ما أثر عن القناعة

ورد في كشكول البهائي "أرسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم إلى أبي ذر وقال له:إن قبل هذا فأنت حر، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذر، وألح في قبوله، فلم يقبل، فقال له: إقبله فإن فيه عتقي. فقال:نعم ولكن فيه رقي" 5

(وكان ديوجانس الكلبي من أساطين حكماء اليونان، وكان متقشفاً، زاهداً، لا يقتني شيئاً، ولا يأوي إلى منزل، دعاه الإسكندر إلى مجلسه, فقال للرسول: قل له:إن الذي منعك من المسير إلينا، هو الذي منعنا من المسير إليك، منعك استغناؤك عنا بسلطانك، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي) 6..

وما أحلى قول أبي فراس الحمداني في القناعة

إن الغنــي هو الغني بنفســـه         ولــو أنه عـار المناكب حاف
ما كل ما فــوق البسيطة كافياً        فإذا قنعت فكل شيء كـاف

المحور الثاني: مفهوم الحرص ومساوئه وعلاجه
1
- مفهوم الحرص: الحرص:هو الإفراط في حب المال، والاستكثار منه، دون أن يكتفي بقدر محدود. وهو من الصفات الذميمة، والخصال السيئة، الباعثة على ألوان المساوئ والآثام، وحسب الحريص ذماً أنه كلما ازداد حرصاً ازداد غباء وغما.

2- مساوئ الحرص: بديهي أنه متى استبد الحرص بالإنسان، استرقه، وسبب له العناء والشقاء. فلا يهم الحريص ولا يشبع جشعه إلا استكثار الأموال واكتنازها، دون أن ينتهي إلى حد محدود. فكلما أدرك مأرباً طمح إلى آخر، وهكذا يلج به الحرص، و تستعبده الأطماع، حتى يوافيه الموت فيغدو ضحية الفناء والخسران. والحريص أشد الناس جهداً في المال، وأقلهم انتفاعاً واستمتاعاً به، يشقى بكسبه وادخاره، وسرعان ما يفارقه بالموت، فيهنأ به الوارث، من حيث شقي هو به، وحرم من لذته.

والحرص بعد هذا وذاك، كثيراً ما يزج بصاحبه في مزالق الشبهات والمحرمات والتورط في آثامها، ومشاكلها الأخروية، كما يعيق صاحبه عن أعمال الخير، وكسب المثوبات كصلة الأرحام وإعانة البؤساء والمعوزين، وفي ذلك ضرر بالغ، وحرمان جسيم .قال الامام الباقر عليه السلام: "مثل الحريص على الدنيا، مثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفّاً، كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت"7

لذلك قال الشاعر

يفني البخيل بجمع المال مدته     وللحــوادث والأيام ما يدع
كــدودة القــز ما تبنيه يهدمها     وغيرهــا بالــذي تبنيه ينتفع


وعنه عليه : "ما ذئبان ضاريان، في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في أخرها، بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم"  8

وقال الإمام الحسن بن علي عليه السلام: هلاك الناس في ثلاث:الكبر والحرص والحسد.

فالكبر هلاك الدين وبه لُعن إبليس. . . والحرص عدو النفس، وبه أخرج آدم من الجنة.

والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل كشف الغمة.

3- علاج الحرص: وبعد أن عرفنا مساوئ الحرص يحسن بنا أن نعرض مجملاً من وسائل علاجه وهي:
-أن يتذكر الحريص مساوئ الحرص، وغوائله الدينية والدنيوية وأن الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب.
-أن يتأمل ما أسلفناه من فضائل القناعة، وحسناتها، مستجلياً سيرة العظماء الأفذاذ، من الأنبياء والأوصياء والأولياء، في زهدهم في الحياة، وقناعتهم باليسير منها.
ـ ترك النظر إلى من يفوقه ثراء وتمتعاً بزخارف الحياة, والنظر إلى من دونه فيها فذلك من دواعي القناعة وكبح جماح الحرص.
ـ الاقتصاد المعاشي، فإنه من أهم العوامل في تخفيف حدة الحرص، إذ الإسراف في الإنفاق يستلزم وفرة المال، والإفراط في كسبه والحرص عليه. قال الإمام الصادق عليه السلام: "ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر" 9.

المحور الثالث: مفهوم الكرم ومحاسنه والحث عليه.
1- مفهوم الكرم وبواعثه: تختلف بواعث الكرم باختلاف الكرماء، ودواعي أريحيتهم. فأسمى البواعث غاية، وأحمدها عاقبة ما كان في سبيل الله، وابتغاء رضوانه، وكسب مثوبته.
وقد يكون الباعث رغبة في الثناء، وكسب المحامد والأمجاد، وهنا يغدو الكريم تاجراً مساوماً بأريحيته و سخائه.
وقد يكون الباعث رغبة في ما هو مأمول، أو رهبة من ضرر مخوف، يحفزان على التكرم والإحسان.
ويلعب الحب دوراً كبيراً في بعث المحب وتشجيعه على الأريحية والسخاء, استمالة لمحبوبه, واستدراراً لعطفه.
قال الإمام الصادق عليه السلام: "رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال:تصغيره، وستره ، وتعجيله. فإنك إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته أتممته، وإذا عجلته هنيته، وإن كان غير ذلك محقته ونكدته" 10

والكرم ضد البخل، وهو:بذل المال أو الطعام أو أي نفع مشروع، عن طيب النفس. وهو من أشرف السجايا، وأعز المواهب، وأخلد المآثر. وناهيك في فضله أن كل نفيس جليل يوصف بالكرم، ويعزى إليه، قال تعالى:﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ 11, و ﴿ٌ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيم 12, و﴿ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ 13. لذلك أشاد أهل البيت عليهم السلام بالكرم والكرماء، ونوهوا بهما أبلغ تنويه

قال الإمام الباقر عليه السلام: "شاب سخي مرهق في الذنوب، أحب إلى الله من شيخ عابد بخيل"14

وقال الصادق عليه السلام: "أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أفضلهم إيماناً؟ فقال:أبسطهم كفا"15

وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار" 16
وقال الإمام الباقر عليه السلام: "أنفق وأيقن بالخلف من الله، فإنه لم يبخل عبد ولا أمة بنفقة فيما يرضي الله، إلا أنفق أضعافها فيما يسخط الله"17

2- محاسن الكرم: لا يسعد المجتمع، ولا يتذوق حلاوة الطمأنينة والسلام، ومفاهيم الدعة الرخاء، إلا باستشعار أفراده روح التعاطف والتراحم، وتجاوبهم في المشاعر والأحاسيس، في سراء الحياة وضرائها، وبذلك يغدو المجتمع كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً. وللتعاطف صور زاهرة، تشع بالجمال والروعة والبهاء، ولا ريب أن أسماها شأناً، هو عطف الموسرين وجودهم على البؤساء والمعوزين، بما يخفف عنهم آلام الفاقة ولوعة الحرمان.

من أجل ذلك دعت الشريعة الإسلامية إلى السخاء والبذل والعطف على البؤساء والمحرومين، واستنكرت على المجتمع أن يراهم يتضورن سغباً وحرماناً، دون أن يحس بمشاعرهم، وينبري لنجدتهم وإغاثتهم. واعتبرت الموسرين القادرين والمتقاعسين عن إسعافهم أبعد الناس عن الإسلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم".

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع، وما من أهل قرية يبيت فيهم جائع ينظر الله إليهم يوم القيامة"..

3- مجالات الكرم: هذا هو مقياس الكرم والسخاء في عرف الشريعة الإسلامية، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أدى ما افترض الله عليه، فهو أسخى الناس"18

وأفضل مصاديق البر والسخاء بعد ذلك، وأجدرها عيال الرجل أهل بيته، فإنهم فضلاً عن وجوب الإنفاق عليهم، وضرورته شرعاً وعرفاً، أولى بالمعروف والإحسان، وأحق بالرعاية واللطف.

لذلك أوصى أهل البيت عليهم السلام بالعطف على العيال، والترفيه عنهم بمقتضيات العيش ولوازم الحياة:قال الإمام الرضا عليه السلام: "ينبغي للرجل أن يوسع على عياله، لئلا يتمنوا موته"19

وقال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: "إن عيال الرجل أسراؤه، فمن أنعم الله عليه نعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول تلك النعمة"20. والأرحام هم أحق الناس بالبر، وأحراهم بالصلة والنوال، لأواصرهم الرحمية، وتساندهم في الشدائد والأزمات.

خاتمة:
 الإيثار والكرم في سيرة أهل البيت عليهم السلام: الإيثار من أسمى درجات الكرم، وأرفع مفاهيمه, ولا يتحلى بهذه الصفة المثالية النادرة، إلا الذين تحلوا بالأريحية، وبلغوا قمة السخاء، فجادوا بالعطاء، وهم بأمس الحاجة إليه، وآثروا بالنوال، وهم في ضنك من الحياة. وقد أشاد القرآن بفضلهم قائلاً: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"21

وسئل الصادق عليه السلام:أي الصدقة أفضل؟ قال:جُهد المُقل، أما سمعت الله تعالى يقول: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"22

ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم المثل الأعلى في عظمة الإيثار، وسمو الأريحية.

قال جابر بن عبد الله:ما سئُل رسول الله صلى الله شيئاً فقال لا.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يؤثر على نفسه البؤساء والمعوزين، فيجود عليهم بماله وقوته، ويظل طاوياً، وربما شد حجر المجاعة على بطنه مواساة لهم.

قال الإمام الباقر عليه السلام: "ما شبع النبي من خبز بُر ثلاثة أيام متوالية، منذ بعثه الله إلى أن قبضه" 23


1- الوافي ج3 ص79 عن الكافي.
2- الوافي ج3 ص154
3- الوافي ج3 ص79 عن الكافي
4- الوافي الجزء 3 ص78 عن الكافي..
5- سفينة البحار ج1 ص483.
6- سفينة البحار ج2 ص451
7- الوافي ج3 ص 152 عن الكافي.
8- مرآة العقول في شرح الكافي للمجلسي رحمه الله
9- ج2 عن الكافي ص303..
10- البحار مج15 ج2 ص199 عن الخصال عن علل الشرائع
11- البحار م16 من كتاب العشرة ص116 عن علل الشرائع. .
12- الواقعة:77
13- الدخان:17
14- الدخان:26
15-
الوافي ج6 ص67 عن الكافي..
16- الوافي ج6 ص68 عن الكافي والفقيه. .
17- البحار م15 ج3 عن كتاب الإمامة والتبصرة.
18- الوافي ج6 ص68.
19- الوافي ج6 ص67 عن الفقيه.
20- الوافي ج6 ص61 عن الكافي والفقيه
21- الحشر:9
22- لوافي ج6 ص58 عن الفقيه..
23- سفينة البحار ج1 ص194.

18-03-2010 | 00-01 د | 2849 قراءة

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net