الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1625 10 محرم 1446 هـ - الموافق 16 تموز 2024 م

سقوط المجتمع الكوفيّ

التبيينُ في ثورةِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام)كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) خلال لقاء مع المتولّي الجديد على مدرسة الشهيد مطهّري ومديريها وجمعٍ من أساتذتهاكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مع أعضاء الحكومة الثالثة عشرة،الصبر على المصائب لترويج الدينمراقباتالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَ
من نحن

 
 

 

التصنيفات
قتل النفس.. قتل للبشرية
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق


قال الله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ([1]).
 
مقدّمة:

لا شكّ أنّ كلّ علم هداية ولا شكّ كذلك أنّ كلّ هداية هي من الله تعالى حيث إنّ الله يقول: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ([2]).

ولذا، فإنّ أدوات العلم ووسائطه المذكورة في الآية وغيرها هي بمنّة منه تعالى وله وحده الفضل فيها، كما أنّ تنزّل العلوم منه تعالى إذ كلّ علم تعلّمه الإنسان هو بتعليم من الله تعالى وهذا ما يلفت إليه قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ([3]).

ومبدأ كثير من العلم هو الحسّ، أو فقل الحواس الموهوبة للإنسان إذ يشكّل الحسّ مبتدأً للكثير من العلوم العقليّة، وغيرها.

وفي الآيات السابقة ما يومئ إلى ذلك إذ قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ([4]).

على أنّه يمكن استخراج جملة من الاستفادات من الآيات موضوع كلامنا، نذكر منها:
 
1- إنّ من بعث الغراب هو الله ليكون عبره معلماً لابن آدم كيف يتصرّف في جثّة أخيه الذي قتله من جهة، وهذا ما عبّر عنه تعالى بقوله: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ، وثانياً ليريه عجزه وضعفه وفقره لعلّه يتوب من ذنبه ويرجع إلى ربّه، وهو ما سلك مقدّماته قابيل بقوله: ﴿يا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.

فمن كان ينازع أخاه هابيل على وراثة مقام الولاية اكتشف أنه أعجز من أن يجد طريقاً لعلّه يستر جريمته، ليحميها من الوحوش وكواسر الطير كما جاء في بعض المرويات.

وهو من جهة أخرى، أشدّ جهلاً بحكم الميّت من حيث وجوب مواراته في التراب فكيف يكون له ذلك المقام وتلك المكانة.
 
2- إنّ قابيل بعد أن تقبَّل الله قربان أخيه هابيل ورفض قربانه هاجت في نفسه جملة من الأحاسيس والمشاعر وتصارعت فيما بينها، فالحسد اتّقدت ناره واشتدّ أوارها لتدفعه للفتك بمحسوده وقتله منتقماً لتفضيل الله لأخيه عليه. وفي المقابل هناك العاطفة الأخويّة والمشاعر الإنسانيّة التي فطر عليها من استقباح الذنب عموماً والقتل خصوصاً فكيف إذا كان موضوع الذنب هو القتل وموضوع القتل هو أخوه والدفاع هو الحسد فهذه المشاعر كانت لتشكّل كابحاً يخدمه من الإسراع إلى الفتك بأخيه.

وقد قال الله تعالى عن نتيجة هذا قرآناً: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ....

فالغلبة كانت أخيراً للنفس الأمّارة بالسوء بعد تردّد ولم تحصل دفعة بل رويداً رويداً ذلك أنّ التطويع كما هو معلوم لا يتمّ في لحظة واحدة بل يحصل بشكل تدريجي وعبر صراعات مختلفة.
 
3- إنّ الله تعالى لا يتخلّى عن مخلوقه المكرم الإنسان ويهمله بل يواصل تعليمه وهدايته ربما أحياناً بما فيه الصالح العام فيبعث الله الغراب. لقد بيَّن الله لقابيل طريقة حفظ جسد أخيه من الكواسر والسباع لكنه أيضاً سخّر القاتل نفسه ليحفظ كرامة القتيل، أليس من كرامة الميّت دفنه؟!

وهذا يلفت الإنسان بشكل عامّ أن لا يتعاطى مع الكون من حوله بغفلة بل أن يحاول التعلّم حتى من الحيوانات ولا يستكبر على ذلك وليرى من خلف تعليم الحيوانات حقيقة كونه تعليماً من الله وإذا راجعنا تاريخ البشرية سنجد أنّ البشر على طول تاريخهم تعلّموا من التصرّفات الغريزيّة للحيوانات الكثير من المعلومات في شتّى الميادين الصحيّة، والإداريّة، وحتى العسكريّة والأمنيّة بل حتى التربويّة وغيرها وأكمل البشر بذلك ما لديهم من علوم ومعارف.
 
4- صحيح أنّ الآيات تشير إلى أنّ قابيل أصابه الندم إذ تقول: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ إلّا أنّ السؤال الذي ألحّ على علماء التفسير هل أنّ ندمه كان على جريمته؟ أم خوفاً من افتضاح أمره أمام أبويه وأخوته؟ أو لأنّه ناء بحمل جثّة أخيه فترة من الزمن وأرهق من حملها دون أن يعلم كيف يدفنها؟ إذ لو كان يعلم لما تعذَّب هذا العذاب ولما تحمَّل هذا العناء.

وعلى كلّ حال، فإنّ ندم قابيل لا يعني أنه تاب وقد جاء ما يشير إلى عدم توبة قابيل على جريمته. ففي حديث عن النبيّ الأكرم (ص): «لا تُقتل نفس ظلماً إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنه كان أوّل من سنَّ القتل»([5]).

إذ لو تاب لغفر ذنبه ولما كان محلاً لتطبيق قاعدة أنه من سنَّ سنَّة سيِّئة فعليه وزرها ووزر من عمل فيها إلى يوم القيامة.
 
5- قتل النفس قتل لكلّ نفس:
لا شكَّ أن هذه القصة قصة حقيقيّة لأنّ القصص القرآنيّ هو القصص الحقّ ويمكن أن نعدّها صورة ومثالاً عن الصراعات الدائرة لدوران الحياة في المجتمعات البشرية وفي بعضها على الأقل يكون أحد طرفي الصراع أهل الحقّ والإيمان المقبولون إيماناً وعملاً من الله، وفي الجانب الآخر أهل الباطل والمنحرفون ومن امتلأوا حقداً وحسداً، وكم من مرة سقط الأحرار والأبرار صرعى شهداء على أيدي أولئك الأشرار. وثمّة لفتة إلى أنّ الأشرار يحاولون دائماً التستّر على جرائمهم وفظائعهم بالأتقياء والأبرياء بمواراة ذلك كلّه تحت تراب الدعاوى الزائفة والاتهامات الباطلة بينما الدوافع الحقيقيّة هي سوداء مظلمة كالحسد والحقد والأنانية والتكبّر والتجبّر.

على أنّه من الملفت أنّه تعالى جعل هذه الواقعة علّة لتحريم قتل النفس البشريّة، إذ قال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعً([6]).
 
خاتمة:

ما يستوقف في هذه القصة إضافة لما ذكر هو أنه تعالى جعلها عبرة لبني إسرائيل ليحرّم القتل، والعجيب أنّ بني إسرائيل اليوم الذي يتمثّل جزء منهم بالكيان الصهيوني قد طوَّعت لهم أنفسهم قتل غيرهم من الناس بادّعاء أنّ الأغيار ليسوا ببشر وإنما هم حيوانات خلقهم الله على هيئة البشر لحاجة بني إسرائيل لخدم وعبيد على صورة البشر ولهم أن يفعلوا بهم ما يشاؤون.

وثمّة ممَّن يدَّعي الإسلام في طول التاريخ الإسلامي وفي الحاضر ظهرت لهم توابع؛ عمدت إلى تمويه القتل للنفوس ليس البشريّة بشكل عامّ بل حتى المسلمة منها بإلباسها لبوس الكفر وغيرها من الحجج التي شاؤوا لها أن تكون وسيلة يطوِّعون بها نفوس المسلمين ليقبلوا بما يقومون به من قتل وجرائم ومجازر لأنّ هؤلاء جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله تسلّطوا بهذه الربوبيّة على أموال الناس وأعراض الناس ودماء الناس.


[1] المائدة: 30 – 31.
[2] النحل: 78.
[3] العلق: 5.
[4] المائدة: 31.
[5] المائدة: 32.
[6] المائدة: 31.

07-01-2016 | 16-46 د | 1489 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net