الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1625 10 محرم 1446 هـ - الموافق 16 تموز 2024 م

سقوط المجتمع الكوفيّ

التبيينُ في ثورةِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام)كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) خلال لقاء مع المتولّي الجديد على مدرسة الشهيد مطهّري ومديريها وجمعٍ من أساتذتهاكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مع أعضاء الحكومة الثالثة عشرة،الصبر على المصائب لترويج الدينمراقباتالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَ
من نحن

 
 

 

التصنيفات
النموذج الزينبي والسر في بقاء الثورة الإسلامية
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

المهمّة التي نهضت بها زينب الكبرى عليها السلام كانت هامّة جدّاً، إنّها مهمّة خالصة لوجه الله تعالى. ظهر الكيان المعنويّ والإلهيّ للدين في الشخصية الحاسمة للسيدة زينب الكبرى عليها السلام وسط الأخطار والمحن والصعاب. من المناسب أن نعلم ونفهم سطور التاريخ القديم القيّم جداً والذي لا يزال يفيض إلى اليوم بالبركات والخيرات الفكرية والمعرفية وسيبقى كذلك إلى آخر الدنيا إن شاء الله.

تألّقت السيّدة زينب عليها السلام كوليّ إلهيّ في المسير إلى كربلاء مع الإمام الحسين عليه السلام، وفي حادثة يوم عاشوراء وتحمّلها تلك الصعاب والمحن، وأيضاً في أحداث ما بعد استشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام حيث قامت برعاية تلك الجماعة المتبقيّة من الأطفال والنساء.. تألّقت بشكل لا يمكن أن نجد له نظيراً على مرّ التاريخ. ثمّ في الأحداث المتتابعة خلال فترة الأسر، في الكوفة والشام وإلى هذه الأيام وهي أيام نهاية هذه الأحداث وابتداء مرحلة جديدة للحركة الإسلامية وتقدّم الفكر الإسلاميّ والمجتمع الإسلاميّ. وبسبب هذا الجهاد الكبير اكتسبت زينب الكبرى عليها السلام عند الله تعالى مقاماً لا يمكننا وصفه.

لاحظوا أنّ الله تعالى يضرب في القرآن الكريم مثلَ امرأتين للنموذج الإيمانيّ المتكامل، ويضرب المثل للكفر أيضاً امرأتين ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَ1، هذان هما المثالان على الكفر وهما امرأتان كافرتان.

أي إنّه لا يسوق المثل للكفر من الرجال بل يأتي به من النساء. وهذا ما نجده في باب الكفر وفي باب الإيمان أيضاً. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ2 أحد المثالين على النموذج الإيمانيّ المتكامل هو امرأة فرعون والمثال الآخر السيّدة مريم الكبرى "ومريم ابنة عمران".

مقارنة عابرة بين زينب الكبرى وبين زوجة فرعون يمكن أن تبيِّن لنا عظمة مقام السيّدة زينب الكبرى. عُرّفت زوجة فرعون في القرآن الكريم بوصفها نموذج الإيمان للرجال والنساء على مرّ الزمان وإلى آخر الدنيا، ثم لكم أن تقارنوا بين زوجة فرعون التي آمنت بموسى وانشدّت إلى تلك الهداية التي جاء بها موسى حينما كانت تحت ضغوط التعذيب الفرعونيّ والذي توفيّت بسببه حسب ما تنقل التواريخ والروايات، التعذيب الجسمانيّ جعلها تصرخ: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ3، طلبت من الله تعالى أن يبني لها بيتاً عنده في الجنّة.. والواقع أنّها طلبت الموت وأرادت أن تفارق الحياة، ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

أنقذني من فرعون وأعماله المضلّة. والحال أنّ السيّدة آسيا زوجة فرعون كانت مشكلتها وعذابها ألماً جسمانياً، وبين السيّدة زينب التي فقدت عدّة إخوة وابنين من أبنائها وعدداً كبيراً من الأقارب وأبناء الإخوان ساروا أمام عينيها إلى مقاتلهم. هذه الآلام الروحيّة الّتي تحمّلتها زينب الكبرى لم تتعرّض لها السيّدة آسيا زوجة فرعون.

رأت السيّدة زينب بعينيها يوم عاشوراء كلّ أحبّتها يسيرون إلى المذبح ويُستشهدون: الحسين بن عليّ سيّد الشهداء عليه السلام والعبّاس وعليّ الأكبر والقاسم وأبناءها هي نفسها وباقي إخوانها رأتهم كلهم. وبعد استشهادهم شهدت كلّ هذه المحن: هجوم الأعداء وهتك الحرمات ومسؤولية رعاية الأطفال والنساء. فهل يمكن مقارنة عظمة وشدّة هذه المصائب بالمصائب الجسمانية؟ ولكن مقابل كلّ هذه المصائب لم تقل السيّدة زينب لله تعالى: "ربّ نجّني"، بل قالت يوم عاشوراء: ربّنا تقبّل منّا.

رأت الجسد المبضّع لأخيها أمامها فتوجّهت بقلبها إلى خالق العالم وقالت: "اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان". وحينما تُسأل كيف رأيتِ صنع الله؟ تقول: "ما رأيت إلّا جميلاً"4.

كلّ هذه المصائب جميلة في عين زينب الكبرى لأنّها من الله وفي سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته. لاحظوا هذا المقام المتقدّم وهذا العشق للحقّ والحقيقة كم هو الفارق بينه وبين ذلك المقام الذي يذكره القرآن الكريم للسيّدة آسيا. هذا دليل على عظمة مقام السيّدة زينب. هكذا هو العمل في سبيل الله. لذلك بقي اسم زينب وعملها إلى اليوم نموذجاً خالداً في العالم. بقاء دين الإسلام وبقاء سبيل الله وبقاء السير في هذا السبيل من قبل عباد الله يعتمد كله على العمل الذي قام به الحسين بن عليّ عليه السلام وما قامت به السيّدة زينب الكبرى عليها السلام. أي إنّ ذلك الصبر العظيم وذلك الصمود وتحمّل كلّ تلك المصائب والمشكلات أدّى إلى أنّكم ترون اليوم القيم الدينية هي القيم السائدة في العالم. كافّة هذه القيم الإنسانيّة الّتي نجدها في المدارس المختلفة والمتطابقة مع الضمير البشريّ هي قيم نابعة من الدين. هذه هي خصوصيّة العمل لله.

وقد كان العمل للثورة من هذا السنخ. لذلك خلّدت الثورة واستمرّت وأحرزت ثباتاً واقتداراً معنوياً حقيقياً. كانت هذه الثورة ثورة لله. يوم انطلقت هذه الثورة وبدأت هذه النهضة لم تكن على غرار نهضات الأحزاب أو كأيّ حركة سياسية تقوم بها الأحزاب في العالم وتهدف إلى تولّي السلطة. كانت حركة مظلومة ترنو إلى تطبيق الأحكام الإلهية وتحقيق مجتمع إسلاميّ وتكريس العدالة في المجتمع. الذين جاهدوا من أجل انتصار الثورة والذين صمدوا من أجل هذه الثورة وجاهدوا لكي يتحقّق لها هذا الثبات والاستقرار والاستمرار كانت نواياهم مخلصة.

شهداؤكم، شهداء القوة الجويّة، هم من هذا القبيل. شهداء القوّات المسلّحة كلّهم من هذا القبيل. الذين عملوا في سبيل الله وجاهدوا وبذلوا مساعيهم بارك الله في عملهم. الشيء الذي يعجز أعداء الثورة عن إدراكه هو هذه النقطة. الشيء الذي يستطيع أجهزة الاستكبار والصهيونية فهمه هو هذه المسألة لا يستطيعون فهم أن متانة هذا البناء هي بسبب أنه لله، ولأنّه شُيّد على أساس الإخلاص وتقدّم بفضل الجهاد. لذلك استطاعت الثورة والنظام الإسلاميّ الترسّخ في القلوب.

انظروا اليوم كم ألف وسيلة إعلامية مرئيّة ومسموعة وأنواع وصنوف الوسائل الإعلامية بأحدث الأساليب تعمل ضد النظام. مئات الأدمغة والأفكار تجلس في الغرف السوداء وتبتكر كلّ يوم كلاماً أو شعاراً أو فكرة أو حيلة ضد هذه الثورة، لكنهم عاجزون عن الإضرار بالثورة والنظام الإسلاميّ. ما السبب في ذلك؟ متانة وصلابة هذا البناء بسبب قيامه على مبدأ الإيمان بالله. الذين ساروا في هذا الدرب إنما قاموا بعمل إلهيّ.

هذا النظام لا يشبه سائر الأنظمة. ما من نظام في العالم اليوم تُشنّ ضدّه كلّ هذه الهجمات الإعلامية والسياسية والاقتصادية وتُفرض عليه أنواع الحظر ويستطيع أن يبقى رصيناً متيناً بهذا الشكل. لا يوجد مثل هذا الشيء في العالم. لكن هذا النظام صامد وسيبقى صامداً بعد اليوم أيضاً. ليعلم الجميع هذا. لا أمريكا ولا الصهيونية ولا منظومة المستكبرين والعتاة في العالم ولا الوسائل السياسية ولا الاقتصادية ولا الحظر ولا التهم ولا تحريض العملاء في الداخل تستطيع زعزعة هذه الثورة ولو بدرجة قليلة.

سرّ بقاء هذه الثورة هو الاعتماد على الإيمان وعلى الله. لذلك تلاحظون أنّه يوم تشعر كتل الشعب الهائلة في كلّ أنحاء البلاد أنّ هناك خطراً وعداء يواجه الثورة وأن ثمّة عدواً خطيراً جاداً يواجهها سوف ينزلون إلى الساحة من دون دعوة. شاهدتم ما الذي حدث في يوم التاسع من دي.

أعداء الثورة الذين يحاولون دوماً القول إّن المظاهرات المليونية مظاهرات من عدّة ألوف - يصغّرون الأمر ويهوّنونه - اعترفوا وقالوا إنّه طوال هذه العشرين سنة لم تكن هناك حركة شعبية في إيران بهذه العظمة.. كتبوا هذا وقالوه. الذين يحاولون كتمان حقائق الجمهورية الإسلامية قالوا هذا واعترفوا به. فما السبب؟ السبب هو أنّ الجماهير حينما يشعرون أنّ العدوّ يقف بوجه النظام الإسلاميّ ينزلون إلى الساحة.

هذه حركة إيمانية وقلبية وشيء تقف وراءه الحوافز الإلهية. إنها يد القدرة الإلهية ويد الإرادة الإلهية. هذه الأمور ليست بيدي ويد أمثالي. القلوب بيد الله والإرادات مقهورة لإرادة الخالق.

إذا كان التحرّك إلهياً وفي سبيل الله وكان فيه أخلاص وحسن نيّة سيدافع الله عنه. لذلك يقول عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُو5.

هذا شيء لا يفهمه أعداء النظام الإسلاميّ، وهم لا يفهمونه لحدّ الآن لذلك يفرضون الحظر ويتكلّمون ويستخدمون أساليب متنوّعة ويبحثون حسب أوهامهم عن نقاط الضعف في الجمهورية الإسلامية. أحياناً يذكرون مسألة حقوق الإنسان وتارة يذكرون اسم الديمقراطية.. هذه الحيل التي تعدّ اليوم حقاً استهزاء بالناس في العالم.

يقولون: الرأي العام. لكنّ الرأي العام لو كان يصدّق هذا الكلام من أمريكا والصهيونية لما أبدت الشعوب في مختلف البلدان والمواقف والمواقع كرهها لزعماء الاستكبار بهذه الصورة التي ترون أنّها تُبدي بها كرهها لهم. أينما يسافرون تخرج جماعة من الناس وتهتف ضدهم. واضح أنّ الرأي العام في العالم لا ينخدع بحيلهم وأخاديعهم.

الذين يتشدّقون بحقوق الإنسان هم أوّل من يسحقون حقوق الإنسان في سجونهم وفي كلّ العالم وفي تعاملهم مع الشعوب وحتّى في تعاملهم مع شعوبهم. هؤلاء يتحدّثون عن حقوق الإنسان؟! إنّهم يمنحون الشرعية للتعذيب ويجعلونه قانونياً! أليست هذه فضيحة لبلد من البلدان؟ أليس هذا خزي لبلد أن يجعل تعذيب السجناء قانونياً؟ ثم تراهم يتحدّثون عن حقوق الإنسان ويتشدّقون بالدفاع عن حرمة الإنسان وكرامته! الذين يشاهدون ويسمعون هذا الكلام والادعاءات في العالم ويقارنون ذلك بتلك السلوكيات، من الطبيعيّ أن يستهزئوا بهم. مَن الذي يصدّق هذا الكلام منهم؟

آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي (دام ظله) - بتصرف


1-سورة التحريم، الآية 10.
2- سورة التحريم، الآية 11.
3- سورة التحريم، الآية 11.
4- بحار الأنوار، ج 45، ص 116.
5- سورة الحج، الآية 38.

10-02-2016 | 14-00 د | 1346 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net