الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1625 10 محرم 1446 هـ - الموافق 16 تموز 2024 م

سقوط المجتمع الكوفيّ

التبيينُ في ثورةِ الإمامِ الحسينِ (عليه السلام)كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) خلال لقاء مع المتولّي الجديد على مدرسة الشهيد مطهّري ومديريها وجمعٍ من أساتذتهاكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء مع أعضاء الحكومة الثالثة عشرة،الصبر على المصائب لترويج الدينمراقباتالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَ
من نحن

 
 

 

التصنيفات
الإمام الباقر عليه السلام وصلاح الناس
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

قال الجاحظ: جمع محمد بن علي بن الحسين، صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين فقال: (صلاح شأن جميع الناس التعايش والتعاشر وهو مِلْءُ مِكيال: ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل).

قال الجاحظ: فلم يجعل لغير الفطنة نصيباً من الخير ولا حظاً في الصلاح، لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شيء قد فَطِن له وعرفه. [1]

وجاء في كتاب الدرة الباهرة: قال الباقر عليه السلام: صلاح شأن الناس التعايش والتعاشر ملء مكيال: ثلثاه فطن، وثلث تغافل [2].

ونقل عنه مع اختلاف يسير قال الجاحظ: جمع الباقر عليه السلام: صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال عليه السلام: صلاح شأن التعايش والتعاشر مثل مكيال، ثلثاه فطنة وثلث تغافل. ([3]) ولعله حصل سقط في الرواية من قبل الرواي.

كما رويت هذه الكلمة عن الإمام زين العابدين والإمام الصادق عليهما السلام مع اختلاف يسير.

وهنا عدة نقاط:

1- صلاح الدنيا:
الدنيا قائمة على المصالح فكل فرد من أفراد المجتمع وكل فئة من فئاته يسعى إلى مصلحته التي يتصورها ويذهب عمره وقواه وقدراته في سبيل تحصيل تلك المصلحة فقد يتحصل على بعض طموحاته وأهدافه التي يصبو إليها سواء كانت في مصلحته أو مضرته في الواقع، لا شك أن الناس جميعا يبحثون عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمعنوية وما الحروب القائمة بين المجتمعات إلا لأجل المصالح.

لقد اهتم الإسلام بصلاح شأن الدنيا إلى حد كبير وجعلها مزرعة للآخرة فمن لا يزرع لا يحصد، وجعلها دار اختبار وامتحان للإنسان وعندها يكرم أو يهان، وذم الكسل في العمل لأجل نفسه وعياله، كما مدح العامل الكادح والكاد على عياله واعتبره من المجاهدين، وإنما ذم الدنيا التي تقود الإنسان إلى الظلم والعدوان وتقود صاحبها إلى النار وخراب الآخرة.

2- صلاح الناس
الإمام الباقر عليه السلام يشخص الداء ويضع الدواء للعلاج فهو يجمع صلاح شأن الدنيا بكاملها وحذافيرها في صلاح شأن جميع الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم رجالاً ونساء قديماً وحديثاً عالمهم وجاهلهم بدويهم وحضريهم أبيضهم وأسودهم، المتقدم منهم والمتأخر، المتدين منهم والعلماني، وبقية أفراد الناس كلهم بحاجة إلى إصلاح ولذلك بعث الله النبيين والمرسلين لهداية البشرية جمعاً وإصلاح شأنهم قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد:25)

وهذه مهمة الأنبياء والرسل، والإمام الباقر عليه السلام هو أحد أئمة الهدى من آل الرسول صلى الله عليه وآله وتحمل المسئولية لهداية البشرية وإصلاح شأنهم إلى وضع النقاط على الحروف في وضع العلاج الناجع لصلاح شأن الناس.

3- أسباب الصلاح في نظر الإمام
ذكر الإمام عليه السلام سببين رئيسيين لصلاح شأن الناس وهما:

الأول: التعايش:
بين الناس بعضهم مع بعض، وهو مأخوذ من التفاعل بين طرفين أو أطراف أكثر.

والتعايش مأخوذ من العيش وهو الحياة فلابد أن يذعن الإنسان كما أن له حق الحياة على وجه الأرض بحرية تامة كذلك يجب أن يعترف ويذعن أن للآخرين أن يعيشوا بحرية تامة في هذه الحياة مهما اختلفوا معه في مفاهيم الحياة في اللغة أو الدين أو المذهب أو الأعرق أو اللون أو الحاكمية والمحكومية أو غير ذلك وفي جانب تعايش الناس روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: صانع المنافق بلسانك، وأخلص مودتك للمؤمن، وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته [4]
وقوله صانع: ربما يكون مأخوذا:
من التصنع: وهو تكلف حسن السمت والعمل [5]
أو من المصانعة: وهي: أن تصنع لغيرك شيئاً ليصنع لك آخر مقابله [6] والمصانعة باللسان: أسلوب في المدارات مع الناس والعيش معهم بسلام.

ومن الآداب الإسلامية: حسن المجالسة مع من تجالس مسلماً كان أو مسيحياً أو يهودياً أو غيرهم وقد تأثر كثير من غير المسلين وتحولوا إلى الإسلام بسبب حسن المجالسة أو المعاشرة وتعرفهم على تلك الآداب العظيمة. كما تقدم في إسلام ذمي على يد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لأنه مشى معه وشيعه في طريقه.

هذا إذا كان الناس في بلد واحدة أو دولة ولا بد من التعيش بعضهم مع بعض كما في كثير من البلدان المختلطة بين المسلمين وغيرهم وبين مختلف المذاهب الإسلامية التي تعيش في بلد واحد أو في بلدان متفرقة.

وأما إذا احتلت بلاد المسلمين من غيرهم كما فاحتلال الصهاينة بالقوة لفلسطين والأماكن المقدسة كبيت المقدس فلا يجوز التعايش معهم والرضوخ للأمر الواقع بل يجب التصدي لهم ودحرهم وتحرير الأراضي الإسلامية من رجسهم طال الزمان أم قصر فإن هؤلاء غاصبون ومعتدون وليس لهم إلا الخزي والعار وإخراجهم من بلاد المسلمين.

الثاني: المعاشرة
وقد اهتم الإسلام بحسن المعاشرة من أصغر دائرة في المجتمع بين الزوج وزوجه إلى أعلا المستويات فيه مروراً بين علاقة الفرد بالمجتمع أو بالدولة وعلاقة الرئيس بالمرؤوس أو علاقة الدولة بالشعب أو بالأفراد أو بالدول الأخرى اتحدت اللغة أو الديانة أو المذهب أو القومية أم اختلفت كل ذلك الجميع مدعوون لحسن المعاشرة وقد نظم الإسلام هذه المعاشرة خير تنظيم سواء كان على مستوى الحقوق والواجبات أم على مستوى الندب والأخلاق الفاضل والتنازل والإيثار وحسن الظن وقد امتلأت كتب الحديث بذلك ففي باب الإحسان للآخرين وصنع المعروف لهم قال الإمام الباقر (عليه السلام): من خالطت فإن استطعت أن تكون يدك العليا عليه فافعل. وهذا من باب حسن المعاشرة والمخالطة.

بل أصبح حسن المعاشرة وحسن الأخلاق من أسباب دخول الجنة وسوء الأخلاق من موجبات النار فقد روي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ أُمَّتِي فِي النَّارِ الْأَجْوَفَانِ الْبَطْنُ وَ الْفَرْجُ وَ أَكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ أُمَّتِي فِي الْجَنَّةِ: التَّقْوَى وَ حُسْنُ الْخُلُقِ [7]

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ [8]

4- الوعي:
والذي عبر عنه الإمام عليه السلام بالفطنة وهو مهم حيث جعل الصلاح بمنزلة مكيال ثلثاه فطنة وثلث تغافل، والتغافل لا يحصل إلا مع الفطنة فرجع كل الصلاح والخير للمجتمع إلى الفطن والوعي الذي يحمله الأفراد أو المجموعات، وهو ينقسم في بادئ الأمر إلى عدة أقسام:

أ‌- الوعي الديني:
المتدين يلزم أن يكون المتدين واعياً من أصغر فرد في المجتمع إلى أعلى شخصية فيه كل بحسبه وأن يكون التدين قائماً على الوعي والمعرفة للدين الخالص ﴿ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ (الزمر: من الآية 3) وأما إذا كان التدين مبني على الجهل والقشور للدين فإن هذا سيجر الويلات عليه وعلى المجتمع باسم الدين، فالوعي الديني يخدم الدين نفسه كما يصلح المجتمع، وما فسد مجتمعنا إلا لأنه لم يقم على الدين القويم.

المرجعية غير الواعية: تجر الأمة إلى كوارث وويلات ربما يبقى أثرها على الأمة إلى عقود من الزمن بل إلى قرون منه.

المرجعية الواعية: إن مثل هذه المرجعية تأخذ بيد الأمة إلى شاطئ السلامة والعزة والكرامة ويبقى أثر ذلك لعقود من الزمن بل لقرون منه.

ب‌- الوعي الاجتماعي:
القائم على المدارات بين الناس وقد اهتم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بهذا الجانب أصبح عاملا من عوامل القرب إلى الله ودخول الكثير في الإسلام بل المدارات من أهم الوسائل للدعوة إلى الحق سبحانه.
فعن النبي (ص) انه قال: إنا معاشر الأنبياء أمرنا بمداراة الناس، كما أمرنا بإقامة الفرائض [9].
وعنه صلى الله عليه وآله انه قال: أمرني ربي بمداراة الناس، كما أمرني بأداء الفرائض [10].
وروى ابن مسكويه (ره)، عنه (ص) انه قال: رأس العقل بعد الإيمان مداراة الناس [11].

5- دور التغافل عن ما يعلم
إن من الأمور المهمة التي يجب أن يتصف بها الواعي هو التغافل عما يعلم حتى يتمكن أن يحقق الصلاح في المجتمع والإمام الباقر عليه السلام جعل دور التغافل في صلاح المجتمع بنسبة 33% لذلك قال: الإمام علي (عليه السلام): إن العاقل نصفه احتمال، ونصفه تغافل [12].

وعنه (عليه السلام): تغافل يحمد أمرك [13].

وعنه (عليه السلام): أشرف أخلاق الكريم تغافله عما يعلم [14].

وعنه (عليه السلام): أشرف خصال الكرم غفلتك عما تعلم [15].

وعنه (عليه السلام): من أشرف أعمال [ أحوال ] الكريم غفلته عما يعلم [16]

وعنه (عليه السلام): من لم يتغافل ولا يغض عن كثير من الأمور تنغصت عيشته [17].

وقال: الإمام علي (عليه السلام): لا حلم كالتغافل، لا عقل كالتجاهل [18].

هذه النصوص وغيرها مما تدلل على أهمية التغافل والدور الذي يلعبه في صلاح الأفراد والمجتمعات.

ج‌- الوعي السياسي:
وأن يكون مبنياً على الحكمة والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين والدفاع عن الشعوب المستضعفة والمظلومة.

الإمام الباقر عليه السلام والشامي
روى إبراهيم الأحمري، قال حدثني محمد بن سليمان، عن أبيه، قال كان رجل من أهل الشام يختلف إلى أبي جعفر (عليه السلام) و كان مركزه بالمدينة يختلف إلى مجلس أبي جعفر (عليه السلام) يقول له يا محمد، ألا ترى أني إنما أغشى مجلسك حياء مني لك، و لا أقول إن في الأرض أحدا أبغض إلي منكم أهل البيت، و أعلم أن طاعة الله و طاعة رسوله و طاعة أمير المؤمنين في بغضكم، و لكن أراك رجلا فصيحا، لك أدب و حسن لفظ، و إنما الاختلاف إليك لحسن أدبك.

وكان أبو جعفر (عليه السلام) يقول له خيرا، و يقول لن تخفى على الله خافية.

فلم يلبث الشامي إلا قليلا حتى مرض و اشتد وجعه، فلما ثقل دعا وليه، و قال له إذا أنت مددت علي الثوب في النعش، فأت محمد بن علي و أعلمه أني أنا الذي أمرتك بذلك.

قال فلما أن كان في نصف الليل ظنوا أنه قد برد و سجوه، فلما أن أصبح الناس خرج وليه إلى المسجد، فلما أن صلى محمد بن علي (عليه السلام) و تورك و كان إذا صلى عقب في مجلسه قال له يا أبا جعفر، إن فلانا الشامي قد هلك، و هو يسألك أن تصلي عليه.

فقال أبو جعفر: كلا، إن بلاد الشام بلاد صر و بلاد الحجاز بلاد حر و لحمها شديد، فانطلق فلا تعجلن على صاحبك حتى آتيكم، ثم قام من مجلسه، فأخذ وضوءا، ثم عاد فصلى ركعتين، ثم مد يده تلقاء وجهه ما شاء الله ثم خر ساجدا حتى طلعت الشمس.

ثم نهض فانتهى إلى منزل الشامي، فدخل عليه، فدعاه فأجابه، ثم أجلسه فسنده، و دعا له بسويق فسقاه، فقال لأهله املئوا جوفه، و بردوا صدره بالطعام البارد، ثم انصرف، فلم يلبث إلا قليلا حتى عوفي الشامي.

فأتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال أخلني، فأخلاه، فقال أشهد أنك حجة الله على خلقه، و بابه الذي يؤتى منه، فمن أتى من غيرك خاب و خسر و ضل ضلالا بعيدا. قال له أبو جعفر (عليه السلام) و ما بدا لك.

قال أشهد أني عهدت بروحي و عاينت بعيني، فلم يتفاجأني إلا و مناد ينادي، أسمعه بأذني ينادي و ما أنا بالنائم ردوا عليه روحه، فقد سألنا ذلك محمد بن علي.

فقال له أبو جعفر (عليه السلام) أ ما علمت أن الله يحب العبد و يبغض عمله، و يبغض العبد و يحب عمله.

قال فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام). [19]

سماحة الشيخ حسين الراضي


[1] انظر: البيان والتبيين للجاحظ ص 91
[2] بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 71 ص 167.
[3] أورده الجاحظ في البيان والتبيين: 1 / 107، عنه كشف الغمة: 2 / 150، والدرة الباهرة: 28، وسفينة البحار: 2 / 422، وإحقاق الحق: 12 / 197، وأخرجه في بحارالأنوار ج 71 ص 167عن الدرة الباهرة وفي ج 75 / 188 ح 33 عن الجاحظ. - نزهة الناظر وتنبيه الخاطر- الحلواني ص 100.
[4] بحار الأنوار ج 75 ص 172 حديث 1 عن تحف العقول
[5] مجمع البحرين ج 4 ص 361.
[6] المعجم الوسيط ص 526 ومجمع البحرين ج 4 ص 361
[7] مستدرك ‏الوسائل ج: 8 ص: 442
[8] مستدرك‏ الوسائل ج: 8 ص: 442
[9] روى الشيخ الطائفة ( ره ) في الحديث 54، من الجزء الثامن عشر، من الامالي ورواه أيضا في الحديث التاسع عشر، من الجزء السابع عشر.
[10] عن ثقة الإسلام الكليني ( ره )، في الحديث الرابع، من باب المداراة: 57، من الكافي ج 2 ص 117 معنعنا، ورواه الصدوق ( ره )، مع زيادات جمة في الحديث 20، من باب 246، وهو باب نوادر المعاني، من معاني الاخبار: 2، ص 386.
[11] الحكمة الخالدة، ص 103.
[12] غرر الحكم 2378
[13] غرر الحكم 4570
[14] غرر الحكم 3256
[15] الدعوات للراوندي: 293 / 41.
[16] نهج البلاغة: الحكمة 222
[17] ميزان الحكمة - محمدي الريشهري ج 3 ص 2287.
[18] ميزان الحكمة - محمدي الريشهري ج 3 ص 2287.
[19] الأمالي ‏للطوسي ص: 410

08-04-2016 | 14-32 د | 6832 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net