الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1482 14 ربيع الأول 1443 هـ - الموافق 21 تشرين الأول 2021م

رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) أُسوةٌ حسنة

رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، رحمةٌ مُهداةتلازم العمل مع البصيرة واليقينمراقباتسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدانمراقبات

 
 

 

التصنيفات

العدد 1479 23 صفر 1443 هـ - الموافق 30 أيلول 2021م

نهج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الإنسان والمجتمع

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق



بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

إنّ شهر صفر شهر أحزانٍ وكربات، إذ رحل فيه كلّ من السيّدة رقيّة بنت الحسين (عليه السلام)، وزيد بن عليّ، والإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) والإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وكذلك كان فيه رحيل أعظم خلق الله خاتم الأنبياء والمرسلين النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله).

عظمة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)
أيّها الأحبّة،
إنّ جهات العظمة التي تجلّت في شخصيّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) متعدّدة ومتنوّعة، وإن كان وجوده بكلّ ما كان عليه وأقدم عليه مرتبطاً بهدف واحد، ألا وهو العيش والموت في سبيل الله، وقد تحلّى (صلّى الله عليه وآله) بصفاتٍ وخصالٍ عظيمة وجليلة، وبنهجٍ قويم؛ فتارةً ننظر إلى تعبّده وتقواه، وتارةً ننظر إلى فكره وعقله وفطنته، وأخرى ننظر إلى أخلاقه وأدبه، ورابعةً ننظر إلى نهجه في الفكر والثقافة وأبواب المعرفة.

وفي ذلك كلّه، كان (صلّى الله عليه وآله) متألّقاً، حتّى كان حقيقاً به أن يكون أسوةً وقدوةً لكلّ من رام الارتقاء وسلوك طريق الحقّ، سواء أكان في علاقته بالله -تعالى- أم في علاقته بالناس والحياة، وله في ذلك شهادة من الله وكفى بها شهادة، يقول -سبحانه-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرً﴾[1].

وإذا اتّخذنا أحد جوانب شخصيّته المباركة، ألا وهو نهجه في النظر إلى الإنسان والمجتمع الإنسانيّ، فإنّنا نجد عمق ما كان عليه من فهمٍ لحقيقة الإنسان والمجتمع، ومن مظاهر نهجه وسلوكه المبارك:

مفهوم الحرّيّة
قال الله -تعالى- في حقّه (صلّى الله عليه وآله): ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾[2].
لا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ مفهوم الحرّيّة المنبثق من الرسالة الإسلاميّة وسيرة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، إنّما هو مفهوم الحرّيّة التي تنسجم وتتناغم مع حكم الله تعالى، ولا تخرج عن دائرة أحكامه سبحانه، وبالتالي ما يراه الداعون إلى الحرّيّة حرّيّة وهم يُهملون هذا الأمر، إنّما يبتغون الحرّيّة العمياء، التي لا ضوابط لها ولا حدود، ما يجعل الإنسان فيها خالي السرب، يتفلّت من المبادئ الإنسانيّة والأخلاقيّة والدينيّة كلّها، وهذا ما يعيشه الغرب في هذا العصر، إذ تتهاوى مجتمعاته في مستنقع الانحلال الأخلاقيّ إلى أبعد الحدود، ناهيك عن التخبّط الفكريّ والثقافيّ.

ولنضرب في ذلك مثلاً في تملّك الأراضي التي لا مالك لها، فهل يستطيع أيّ إنسان أن يتملّك أرضاً مهجورة في أيّ بقعة من بقاع الأرض التي تحكمها الأنظمة الحكوميّة السائدة اليوم؟! في الوقت الذي قال فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله): «من أحيا أرضاً ميتة، فهي له»[3].

وكذلك في ما يتعلّق بالمعتقد، فلم يجبر أحداً على اعتناق الإسلام، ولو أراد ذلك لفعل، على الأقلّ في البقع التي كانت تحت سلطة المسلمين في زمانه، بل كان يسير في ذلك على خطى الوحي الإلهيّ، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[4].

وقوله -سبحانه-: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[5].

مفهوم الشورى
في الوقت الذي كان فيه الأباطرة والملوك يستبدّون بآرائهم من دون أن يُعيروا لمن حولهم أيّ اعتبار، كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يشاور أصحابه ويشاركهم في عقولهم، كما يعبّر عن ذلك الإمام عليّ (عليه السلام): «مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِه هَلَكَ، ومَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا»[6].

 قال الله -تعالى- في الشورى التي مارسها (صلّى الله عليه وآله) مع أصحابه: ﴿وأمرُهم شورَى بينَهُم﴾[7].

بل نجد مفردات الشورى تدخل في الأمور الفرديّة كما هي في الأمور الجماعيّة والعامّة، فنجد كيف يرشد الله -تعالى- في حال وقوع نزاع بين الزوجين، إلى أن يكون ذلك عن تراضٍ، إذ يقول -سبحانه-: ﴿إِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَ﴾[8]، فالتشاور واردٌ حتّى في هذه القضايا الجزئيّة.

نبذ العنصريّة
إنّ من أبرز ما عانته البشريّة على طول التاريخ آفةَ العنصريّة، التي أودت إلى الكثير من أشكال الظلم بين عباد الله، فقد كانت العنصريّة مغروزة في العديد من المجتمعات، وما زالت حتّى الآن، وإن كانت بشكل مبطّن غير ظاهر كحال أولئك الذين يدّعون رفع لواء المساواة بين الناس وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، كالإدارة الأمريكيّة ومن خلفها، بحقّ أصحاب البشرة السوداء، وغيرها الكثير من أشكال العنصريّة هنا وهناك.

في ظلّ ذلك، بينما كان الناس منذ أزمنة بعيدة يتعاملون على أساس هذه الثقافة السيّئة، كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يدعو إلى نبذ العنصريّة، وأنّ الناس جميعهم عباد الله، لا فرق بين أبيض وأسود ولا بين عربيّ وأعجميّ إلّا بالتقوى.

وممّا ورد في ذلك أنّ سلمان المحمّديّ دخل مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم، فعظّموه وقدّموه وصدّروه، إجلالاً لحقّه وإعظاماً لشيبته واختصاصه بالمصطفى وآله (صلوات الله عليهم)، فدخل [أحدهم] فنظر إليه، فقال: من هذا العجميّ المتصدّر فيما بين العرب؟ فصعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المنبر، فخطب، فقال: «إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربيّ على العجميّ، ولا للأحمر على الأسود إلّا بالتقوى»[9].

احترام الأقلّيّات
ومن مظاهر احترام الآخر هو التعامل الحسن مع الأقلّيّات التي تعيش في المجتمع الإسلاميّ، فقد نهى (صلّى الله عليه وآله) عن أذيّتهم والاعتداء عليهم، ومن ذلك ما ورد عنه: «من آذى ذمّيّاً، فقد آذاني»[10].

ونجد عدداً من المفردات الفقهيّة التي وردت في الشرع الإسلاميّ تتضمّن مثل هذا الاحترام، كقاعدة الإلزام الشرعيّة المستنبطة من الحديث الوارد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) إذ يقول: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»[11]، وهذا يشير إلى النهج المحمّديّ الأصيل في كيفيّة التعامل مع أصحاب المذاهب والأديان الأخرى.

مكانة المرأة
أمّا في المرأة فقد أعظم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مكانتها، ورفع من شأنها ودورها، في الوقت الذي كان فيه الناس ينظرون إليها ويتعاملون معها كفردٍ ثانويّ لا فاعليّة له في بناء المجتمع على جميع الأصعدة، بل كانوا يرونها مجرّد وعاء لأبنائهم وخادمة لهم بين أيديهم، وهكذا هو الحال حتّى الآن، وإن تغيّرت بعض المصطلحات، فنجد المرأة في ثقافة الغرب، أشبه بسلعة لتنفيس الشهوات ولفت أنظار الطامعين بما أولاها الله من أنوثة وجاذبيّة، حتّى أصبحت مهوى أصحاب القلوب المريضة، وهم يفتخرون بوجودها بثياب مختلعة غير محتشمة على الإعلانات وفي الإعلام، وفي مراكز اللّهو والمجون، ويعدّون ذلك تحرّراً للمرأة وإبداءً لحقّها في العيش!

أمّا النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) فقد أرشدنا إلى أن ننظر إلى المرأة نظرة احترام وتقدير، وذلك من خلال الإضاءة على دورها الفاعل كإنسان يحمل من الطاقات المعنويّة الجليلة، تستطيع في ذلك المشاركة مع الرجل في بناء أسرة صالحة ومجتمع قويم.
عنه (صلّى الله عليه وآله): «ما زال جبرئيل يوصيني بالمرأة حتّى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلّا من فاحشة مبيّنة»[12].

وعنه (صلّى الله عليه وآله): «ألا وإنّ الله -عزّ وجلّ- ورسوله بريئان ممّن أضرّ بامرأة حتّى تختلع منه»[13].

وغيرها العديد من الأحاديث التي وردت عن لسانه الشريف، وهي جامعة لكلّ ما يدلّ على رفعة مكانة المرأة، وكيف ينبغي التعامل معها وحفظها وإكرامها.


[1] سورة الأحزاب، الآية 21.
[2] سورة الأعراف، الآية 157.
[3] الشيخ الطوسيّ، الاستبصار، ج3، ص107.
[4] سورة الكهف، الآية 29.
[5] سورة البقرة، الآية 256.
[6] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص500.
[7] سورة الشورى، الآية 38.
[8] سورة البقرة، الآية 233.
[9] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج12، ص89.
[10] ابن ميثم البحرانيّ، شرح نهج البلاغة، ج1، ص98.
[11] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج‏26، ص320.
[12] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج100، ص253.
[13] المصدر نفسه، ج73، ص366.

30-09-2021 | 12-23 د | 295 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net