الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1611 02 شوال 1445 هـ - الموافق 11 نيسان 2024 م

وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا

المداومةَ المداومةَحافظوا على الذخائرمراقباتخطبة عيد الفطرالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقبات
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1574 09 محرم 1445 هـ - الموافق 27 تموز 2023 م

مثلي لا يبايع مثله

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق



بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، محمّد وآله الطاهرين.

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلَّت بفنائك، عليك منّي سلام الله أبداً ما بقيتُ وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتك، السلام على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

إلى مولانا صاحب الزمان وصاحب العزاء (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى نائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء، في هذا اليوم الأليم، اليوم العاشر من شهر محرّم الحرام، سائلين المولى أن يرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، ويثبّت لنا قدمَ صدقٍ عنده مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام).
 
جاء في الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما من أحدٍ يدخل الجنّة فيتمنّى أن يخرج منها إلّا الشهيد، فإنّه يتمنّى أن يرجع فيُقتَل عشر مرّات، ممّا يرى من كرامة الله»[1].

الشهادة درجة يرفع الله إليها مَن يتخيّر من عباده، وإذا أراد الله أن يرفع درجة إنسان، اختاره شهيداً، قال تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾[2]. والشهيد من الشهود؛ أي الحضور، بمعنى أنّ الملائكة تشهده حين يُقتَل، إكراماً له. وتكون من الشهادة؛ لأنّه يأتي يوم القيامة ومعه شاهد يشهد له، وهو دمه وجرحه. ويقترن معنى الشهادة بتضحية المرء بنفسه في سبيل الله، في كلّ موقفٍ يُراد منه الدفاع عن الدين لإعلاء كلمة الله؛ ولهذا كانت الشهادة حياةً، كما جاء في الكتاب العزيز: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[3]، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾[4].

وهذا ما نفهمه من سيرة أهل العصمة (عليهم السلام)، إذ يصرّحون بحبّهم للشهادة، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «والذي نفس محمّد بيده، لوددتُ أن أغزو في سبيل الله فأُقتَل، ثمّ أغزو فأُقتَل، ثمّ أغزو فأُقتَل»[5]، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... فوالله، إنّي لعلى الحقّ، وإنّي للشهادة لَمُحبّ»[6].

وفي الأخبار، أنّ الشهادة في سبيل الله تمحو الذنوب، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «كلّ ذنبٍ يكفّره القتل في سبيل الله عزّ وجلّ، إلّا الدين»[7]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «من قُتِل في سبيل الله، لم يعرّفه اللهُ شيئاً من سيّئاته»[8]، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «يُؤتى بالرجل من أهل الجنّة، فيقول اللهُ عزّ وجلّ له: يابنَ آدم، كيف وجدتَ منزلك؟ فيقول: أي ربِّ، خير منزل، فيقول: سَلْ وتمنَّ، فيقول: أسألك أن تردَّني إلى الدنيا، فأُقتَلَ في سبيلك عشر مرّات»[9].
 
بركات دماء الإمام الحسين (عليه السلام)
وإنّ أبرز ما يمكن الكلام عليه كأعظم شاهدٍ تاريخيّ على بركات دماء الشهداء وآثارها، هي كربلاء ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ لا يمكن لأحدٍ من بني البشر أن يحصي بركات الدم الحسينيّ والثورة الحسينيّة، وآثارها ونتائجها في تاريخ الإسلام، فقد أرست دماء الإمام الحسين (عليه السلام) وأهله وأصحابه على مدار التاريخ مساراً وضّاءً لكلّ الأحرار في العالم، نتوقّف مع بعض مبادئه وبركاته:

1. هيهات منّا الذلة
ليس شعاراً شكليّاً رفعه الإمام الحسين (عليه السلام)، بل هو نهج رسمه للأجيال القادمة كلّها، بأنّ الخضوع للظالم لا مكان له في قاموس الحسينيّين؛ لأنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين. فقد أعلن (عليه السلام) عندما توضّحت نوايا الغدر والخذلان، والإصرار على محاربته أو النزول على طاعة يزيد الفاسق، قائلاً: «فسحقاً يا عبيد الأمّة، وشُذّاذ الأحزاب، ونَبَذَة الكتاب، ومحرّفي الكلِم، وعُصْبَة الآثام، ونَفْثَة الشيطان، ومطفئي السنن... ألا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهاتَ منّا الذلّة! يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهُرت وأُنوف حميّة ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»[10].

2. الثبات على الحقّ
صرّح الإمام الحسين (عليه السلام) في العديد من المناسبات عن علمه المسبق بتصميم بني أميّة على قتله، إذ يقول لأخيه محمّد بن الحنفية: «وَاللَّهِ يَا أَخِي، لَوْ كُنْتُ فِي جُحْرِ هَامَّةٍ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ، لَاسْتَخْرَجُونِي مِنْهُ حَتَّى يَقْتُلُوني»[11]. وهو القائل (عليه السلام) أيضاً: «والله، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة -يعني قلبه الشريف- من جوفي»[12]. ورُوي أنّه لمّا عزم على الخروج من المدينة، أتته أمّ سلمة (رضي الله عنها)، فقالت: يا بُنيّ، لا تحزنّي بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّك يقول: يُقتَل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرضٍ يُقال لها كربلا، فقال لها: «يا أمّاه، وأنا والله أعلم ذلك، وإنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بدّ، وإنّي والله لأعرف اليوم الذي أُقتَل فيه، وأعرف مَن يقتلني، وأعرف البقعة التي أُدفَن فيها، وإنّي أعرف مَن يُقتَل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي... وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً»[13].

 ومع هذا لم يتبدّل شيء في مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) ضدّ بني أميّة، الذين يمثّلون أكبر مصاديق الجور والظلم في الدين والسياسة والحكم وإدارة شؤون الرعيّة وغيرها، بل إنّ ذلك زاده إيماناً وقوّة في الدفاع عن الحقّ، وأداء التكليف الإلهيّ في مواجهة الظالمين؛ إذ كانت المرحلة بنظر الإمام الحسين (عليه السلام)، ينطبق عليها قوله (عليه السلام)، عن جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من رأى سلطاناً جائراً، مستحلّاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله»[14].

3. تضحية وشهادة
كتب يزيد عقب موت أبيه إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان -وكان والياً على المدينة من قِبَل معاوية- أن يأخذ على الحسين (عليه السلام) بالبيعة له، ولا يرخّص له في التأخّر عن ذلك. وذكرت مصادر تاريخيّة أخرى أنّه جاء في الرسالة: إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث إليّ برأسيهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم[15]، فأجابه الإمام الحسين (عليه السلام) بصراحة قائلاً: «إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحلّ الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المُحرّمة، معلن بالفسق، مثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة»[16]. إذاً، فما دام الإمام الحسين (عليه السلام) لا يعطي البيعة ليزيد مهما تكن الأسباب، فلا طريق للحسين (عليه السلام) إلّا الشهادة، وقد كان موقف الإمام (عليه السلام) في الامتناع من البيعة ليزيد موقفاً علنيّاً وصريحاً وواضحاً، لا يشكّ فيه أحد، يقول الإمام (عليه السلام) لمحمد بن الحنفيّة: «يا أخي، والله، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى، لما بايعت والله يزيد بن معاوية أبداً»[17].

الشهادة موت جميل
ولمّا تناهت إليه الأنباء بأنّ يزيد دسّ الرجال لاغتياله وسفك دمه، وهو في مكّة المكرّمة، قبل مسيره إلى العراق، ألقى خطبة جاء في مقدّمتها: «خُطَّ الموت على وُلْد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي وأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء»[18]، وفي هذا دلالة واضحة على طلب الشهادة واستقبال الموت في سبيل الله. فالشهادة في سبيل الله جميلة، والموت عند أعاظم الرجال مقدّم على الحياة مع الظالمين، وهو القائل (عليه السلام): «لا أرى الموت إلّا سعادةً، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[19].

بهذه الصورة الرائعة، سنّ الإمام الحسين (عليه السلام) سنّة الإباء لكلّ من يدين بِقيَم السماء، وينتمي إليها، ويدافع عنها، وانطلق من هذه القاعدة ليغيّر الواقع الفاسد؛ فإنّ اليقين بالموت لا يُضعِف الهمم.


[1] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج11، ص13.
[2] سورة آل عمران، الآية 140.
[3] سورة آل عمران، الآية 169.
[4] سورة البقرة، الآية 14.
[5] أحمد بن حنبل، المسند، ج2، ص384.
[6] ابن هلال الثقفيّ، الغارات، ج‏1، ص321.
[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج‏5، ص94.
[8] المصدر نفسه، ج‏5، ص54.
[9] السيّد هاشم البحرانيّ، البرهان في تفسير القرآن، ج‏1، ص579.
[10] السيّد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص59.
[11] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج45، ص99.
[12] الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج‏2، ص76.
[13] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج44، ص331.
[14] أبو مخنف الكوفيّ، وقعة الطفّ، ص172.
[15] اليعقوبيّ، تأريخ اليعقوبيّ، ج2، ص215.
[16] ابن أعثم الكوفيّ، الفتوح، ج5، ص14.
[17] المصدر نفسه، ج5، ص21.
[18] ابن نما الحلّيّ، مثير الأحزان، ص29.
[19] الحلوانيّ، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص88.

26-07-2023 | 15-40 د | 631 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net