الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1611 02 شوال 1445 هـ - الموافق 11 نيسان 2024 م

وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا

المداومةَ المداومةَحافظوا على الذخائرمراقباتخطبة عيد الفطرالأيّامُ كلُّها للقدسِسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقبات
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1578 07 صفر 1445 هـ - الموافق 24 آب 2023 م

فَاقبلُوا عُذرَه

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وأعزّ المرسلين، سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى نائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك، بذكرى ولادة الإمام السابع من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، في السابع من شهر صفر، سنة 128 للهجرة.
 
جاء في وصيّة الإمام الكاظم (عليه السلام): «يَا بَنِيَّ، إنّي مُوصِيكم بوصيّة، مَن حَفِظَها انتَفَع بها؛ إذا أتاكم آتٍ، فأَسمَعَ أحدَكم في الأُذن اليُمنى مَكروهاً، ثمّ تَحوَّل إلى الأُذن اليسرى فاعتذَرَ، وقال: لم أَقُلْ شيئاً، فَاقبلُوا عُذرَه»([1]).

سادة المكارم والفضائل
إنّ من أعظم ما يتّسم به رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) مكارمَ الأخلاق، إذ كان المثلَ الأعلى فيها، والبالغَ ذروتَها، وقدوةَ الخلق أجمعين؛ فمكارم الأخلاق كانت من غايات البعثة النبويّة الشريفة، وخصوصيّات الرسالة المحمّديّة، وقد بلغ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) القمّةَ في السجايا الطيّبة والأخلاق الفاضلة، وفيه يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِه (صلّى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه»([2]).

ومثله كان خلفاؤه الأئمّة المعصومون (عليهم السلام)، كانوا نموذجاً في سموِّ الآداب ومكارم الأخلاق، ومثالاً في الدعوة إلى حُسن الخَليقة وإنماء الفضيلة، كانوا أولياء إلهيّين، ورِبِّيين مُخلَصين، ومُربِّين صالحين، وقدوةً للعالمين في الأخلاق الطيّبة والآداب الحسنة، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا كميل، إنّ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) أدَّبَه اللهُ، وهو (عليه السلام) أدَّبَني، وأنا أُؤدِّبُ المؤمنينَ، وأُورِّثُ الآدابَ المُكرَمين»([3]).

حلم الإمام الكاظم (عليه السلام) وصبره
وبهذه الأخلاق كانوا يؤثِّرون في مَن حولهم، ويجذبونهم إلى دين الله تعالى، والإمام الكاظم (عليه السلام) واحدٌ من هذه القدوة الصالحة، الذي أدّب شيعتَه وأصحابَه على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، وعلّمهم مقابلةَ الإساءة بالإحسان والفضائل، وفي ما يأتي نذكر أبرز سجاياه وصفاته في علاقاته ومعاملاته.

كان الحِلم من أبرز صفاته (عليه السلام)، فكان يعفو عمَّن أساء إليه، ويصفح عمَّن اعتدى عليه، وذكر الرواة بَوادِر كثيرة من حلمه، منها أنّه كان بالمدينة رجلٌ يؤذيه ويشتم عليّاً (صلوات الله عليه)، وكان قد قال له بعضُ حاشيته: دعنا نقتله، فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي، وزجرهم أشدّ الزجر، وسأل عنه، فذُكِر له أنّه يزرع بناحيةٍ من نواحي المدينة، فركِب إليه في مزرعته، فوجده فيها، فدخل المزرعةَ بحماره، فصاح به الرجل: لا تطأ زرعَنا! فتوطّأه بالحمار، حتّى وصل إليه، فنزل وجلس عنده، وضاحكه، وقال له: «كم غرمتَ في زرعِكَ هذا؟»، قال له: مئة دينار، قال: «فكم ترجو أن تصيبَ فيه؟»، قال: لا أعلم الغيب، قال: «إنّما قلتُ لك: كم ترجو فيه»، قال: أرجو أن يجيئَني مئتا دينار، قال: فأعطاه ثلاثمئة دينار، وقال: «هذا زرعُك على حاله»، قال: فقام الرجل، فقبّل رأسَه، وانصرف. قال: فراح إلى المسجد، فوجد الرجلَ جالساً، فلمّا نظر إليه، قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾([4])-([5]).

قَبول العذر
فإذا كان الإمام الكاظم (عليه السلام) يبادر إلى المتعدّي عليه والمُتجرِّئ على مقامه ومقام آبائه (عليهم السلام)، فيُحسِنُ إليه ويُكرمُه، فكيف بمَن يُبدي تأثّراً لتقصيرٍ أو خطأٍ أو سوءٍ بدر منه، فيبادر إلى طلب العفو والمعذرة والسماح، سواءٌ أكان خطؤه عن قصدٍ أم عن غير قصد، وقد حثّت الشريعة الإسلاميّة على قَبول العذر وعدم التنكّر لذلك، عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «وإنْ شتمك رجلٌ عن يمينك، ثمّ تحوّلَ إلى يسارِك، فاعتذر إليك، فاقبل عذرَه»([6]).

لقد دعَتِ الرواياتُ إلى قَبول العذر، فإن لم يكن له عذرٌ دعَت إلى التماس العذر له، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «اِقبل عذرَ أخيك، فإن لم يكن له عذر، فالتمس له عذراً»([7]).

بل أكثر من ذلك، لقد دعتِ الروايات إلى قبول العذر، وإن كان المُعتذِر كاذباً في ذلك! فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «ولا يعتذر إليك أحدٌ إلّا قبلتَ عذرَه، وإن علمتَ أنّه كاذب»([8]).

جزاء مَن لا يقبل العذر
أمام هذا الحثّ الكبير على قَبول العذر، والصفح والتجاوز عن أخطاء المُعتذِر، ثمّة عواقب وخيمة على مَن يصدّ أخاه، ولا يقبل منه عذرَه، نذكر منها:

1. لا يرِد الحوضَ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله): عنه (صلّى الله عليه وآله): «مَن لم يقبلِ المعذرةَ من مُحقٍّ أو مُبطِل، لم يرد عليَّ الحوض»([9]).

2. لا ينال شفاعتَه (صلّى الله عليه وآله): عنه (صلّى الله عليه وآله): «يا عليّ، مَن لم يقبلِ العذرَ من متنصِّلٍ، صادقاً كان أو كاذباً، لم ينل شفاعتي»([10]).

3. أعظم الوِزر: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أعظمُ الوزر، منعُ قَبولِ العذر»([11]).

4. أنقص الناس عقلاً: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وأنقص الناس عقلاً، مَن ظلم دونه، ولم يصفح عمَّن اعتذر إليه»([12]).

معذرةٌ لا تنفع
في الختام، إنّ ما ينبغي أن يحرَص عليه الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن يعتذر إلى الله، ويأتي إليه نادماً تائباً ممّا اقترفته يداه، فباب الله مفتوحٌ في كلّ آن، لكن إن طال أملُ الإنسان، حتّى نزل به الموعود، فحينها لا تنفعه المعذرة، ولا تفيده التوبة، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾([13])، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فِي يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيه الأَبْصَارُ، وتُظْلِمُ لَه الأَقْطَارُ، وتُعَطَّلُ فِيه صُرُومُ الْعِشَارِ([14])، ويُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ، وتَبْكَمُ([15]) كُلُّ لَهْجَةٍ، وتَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ([16]) والصُّمُّ الرَّوَاسِخُ، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا([17]) سَرَاباً رَقْرَقاً، ومَعْهَدُهَا([18]) قَاعاً([19]) سَمْلَقاً([20])، فَلَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، ولَا حَمِيمٌ يَنْفَعُ، ولَا مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ»([21]).


([1]) ابن الصبّاغ المالكيّ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، ج2، ص951.
([2]) السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص300، الخطبة 192.
([3]) ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص171.
([4]) سورة الأنعام، الآية 124.
([5]) الطبريّ، دلائل الإمامة، ص311.
([6]) الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص153.
([7]) ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ص112.
([8]) العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج71، ص180.
([9]) المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج3، ص378.
([10]) الشيخ الصدوق، مَن لا يحضره الفقيه، ج4، ص353.
([11]) الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص113.
([12]) العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج75، ص228.
([13]) سورة غافر، الآية 52.
([14]) الصروم: القطعة من الإبل، نحو الثلاثين - العشار: النوق.
([15]) تخرس.
([16]) الجبال العالية.
([17]) الصلب، الشديد الصلابة.
([18]) ما جُعِل منها منزلاً للناس.
([19]) أرضاً خالية.
([20]) الصفصف المستوي، ليس بعضه أرفع وبعضه أخفض.
([21]) السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص309، الخطبة 195.

23-08-2023 | 15-28 د | 588 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net