الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1604 12 شعبان 1445 هـ - الموافق 22 شباط 2024 م

فُرِّج عنه لانتظارِه

«... وانتظارَ قائمِنا»كلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء أهالي محافظة أذربيجان الشرقيّةأدعية تُعلِّمنا أسلوب الحديث مع الله والطلب منهمراقباتسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدان
من نحن

 
 

 

التصنيفات

العدد 1601 20 رجب 1445 هـ - الموافق 01 شباط 2024 م

البعثة النبويّة بداية الصحوة

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على خير خلقه محمّد، وآله الطيّبين الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، ونائبه وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى شهادة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في الخامس والعشرين من شهر رجب، كما ونرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك بذكرى المبعث النبويّ الشريف في السابع والعشرين منه.


عن الإمام العسكريّ (عليه السلام): «فلمّا استكمل أربعين سنة، نظر اللهُ عزّ وجلّ إلى قلبه، فوجده أفضلَ القلوب وأجلَّها وأطوعَها وأخشعَها وأخضعَها، أذِن لأبوابِ السماء ففُتِحَت، ومحمّدٌ (صلّى الله عليه وآله) ينظر إليها، وأذِن للملائكة فنزلوا، ومحمّدٌ (صلّى الله عليه وآله) ينظر إليهم، وأَمَر بالرحمة، فأُنزِلَت عليه من لدن ساقِ العرش إلى رأس محمّدٍ وغمرته، ونظر إلى جبرئيل الروح الأمين المطوَّق بالنور طاووس الملائكة، هبط إليه، وأخذ بضبعه[1] وهزّه، وقال: يا محمّد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمّد، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾[2]...»[3].

إنّها بداية البعثة النبويّة الشريفة، إذ كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل ذلك، يجاور في كلّ سنة بغار حراء، يعتزل الخلق ويتخلّى للعبادة، يتفكّر في آيات الله سبحانه ويتأمّل في الخلائق والموجودات، ينظر إلى آثار رحمته تعالى، فيعتبر بها، ويزداد خضوعه أمام عظمة الحقّ، ويتضاعف خشوعه أمام إرادة الله، وقد كان بذلك يزداد تكاملاً قبل البعثة، إلى أن استكمل الأربعين من عمره الشريف، فكانت مرحلةَ نهاية تكامله (صلّى الله عليه وآله)، ونزول الوحي عليه.

شبه الجزيرة قبل البعثة
والناس آنذاك يتخبّطون في ضلالة الجاهليّة، يعيشون العصبيّة المُضلَّة، ويهيمون في الفتن، يتردّدون في بحار الضلالة، ويجولون في أودية الجهالة، لا يعرفون طريق الهدى، ويعبدون الأصنام من دون الله، تصف حالَهم السيّدة الزهراء (عليها السلام) بقولها: «وكنتُم على شفا حُفرةٍ من النارِ فأنقذَكُم، مَذْقَةَ الشَّارب[4]، ونُهْزةَ الطامع[5]، وقَبْسَةَ العَجْلان[6]، ومَوْطِئ الأقدام، تَشْربُون الطَّرْقَ[7]، وتَقْتاتُون القَدَّ[8]، أذِلَّةً خاشعين، تخافونَ أن يَتخطَّفكم الناسُ مِن حولِكم، فأنقذَكُم اللهُ تبارك وتعالى بمحمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) بعد اللَتيّا والّتي»[9].

في ظلِّ هذه البيئة، وفي هذا المجتمع الذي كان يعمّه ظلامٌ حالك، بدأ هذا الإنسان الكامل الذي لا نظير له، الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، منذ اللحظة الأولى للبعثة، مرحلةَ الدعوة، بجهادٍ شامل وكفاحٍ شاقّ وعملٍ دؤوب.

نعم، كان عملُه (صلّى الله عليه وآله) جهاداً مع أُناسٍ غارقين في جهلٍ مُطبِق، ومن مصاديق جهلهم وشواهده[10]:

1. وأد البنات، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾[11]، فوأدوا البنات لإملاقهم وفقرهم.

2. عبادة الأصنام: فقد كان لكلِّ قبيلةٍ صنمٌ تعبده، وكانوا يصنعون أصنامَهم من كلّ شيء، ومن نوادر جهلهم المشهورة أنّ بني حنيفة اتّخذوا في الجاهليّة صنماً من خبش[12]، فعبدوه دهراً طويلاً، ثمّ أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقال بعضهم في ذلك:
أَكَلَت حَنِيفةُ رَبَّها           زَمَنَ التقَحُّمِ والمَجاعه
لم يَحْذَرُوا مِن ربِّهِم           سُوءَ العَواقِبِ والتِّباعه


3. قطع أرحامهم: إذ كان أحدهم يقتل أباه وأخاه عند الحميّة لأدنى سبب.

4. الغارات والحروب: كيوم ذي قارّ، وكأيّام حرب بكر وتغلب، وكحرب داحس، وغير ذلك من الأيّام المشهورة. ومقاماتهم في الحروب والغارات أكثر من أن تحصر، وذلك كلّه من لوازم الجهل.

وإلى هذه المصاديق يشير أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ يقول: «فَالأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، والأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، والْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، فِي بَلَاءِ أَزْلٍ وأَطْبَاقِ جَهْلٍ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْؤُودَةٍ، وأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ، فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّه عَلَيْهِمْ، حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً»[13].

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) واصفاً ما كانت فيه هذه البيئة أيضاً: «في فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا»[14].

يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): لقد كانت الفتن تُهاجم الناس من كلّ جانب؛ حبّ الدنيا واتّباع الشهوات والظلم والجور والرذائل الأخلاقيّة، الّتي تقبع في عمق وجود البشريّة، وأيادي الطغاة الجائرة، الّتي كانت تمتدّ على الضعفاء بلا أدنى مانعٍ أو رادع. ولم يكن هذا التعسّف مقتصراً على مكّة أو الجزيرة العربية، بل كان يسود أعظم الحضارات في العالم آنذاك؛ أي الإمبراطوريّة الرومانيّة العظيمة والإمبراطوريّة الشاهنشاهيّة في إيران. فإذا ما تأمّلتم في التاريخ، لوجدتم صفحةً تاريخيّةً مظلمة، كانت تضرب بأطنابها كافّة نواحي الحياة الإنسانيّة[15].

ثمّ بدأ التحوّل العظيم مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسعيٍ متواصل يستعصي على التصوّر، آخذاً بيده المقتدرة في بناء النواة الأولى لهذه الأمّة في مكّة المكرَّمة، إذ وضع القواعد والركائز الأساس للأمّة الإسلاميّة، صانعاً المؤمنين الأوائل برسالته ودعوته، والذين هاجروا معه من مكّة إلى المدينة المنوّرة، لتبدأ المرحلة الثانية من الجهاد في استكمال بناء الأمّة الإسلاميّة ورسم النموذج الكامل للحكم الإسلاميّ الذي يقوم على الإيمان والعدل والمعرفة والأخوّة والخُلق الحسن والعزّة...

لقد كانت قيادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نعمةً لهذه الأمّة ورحمةً لها، وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الكلام على حالهم، فيقول: «فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّه عَلَيْهِمْ، حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِه طَاعَتَهُمْ، وجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِه أُلْفَتَهُمْ، كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، والْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ»[16].

لأتمِّم مكارمَ الأخلاق
إنّ بعثةَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وُجِدَت لأجل تعميم المكارم الأخلاقيّة والفضائل الروحيّة وتكميلها عند الناس، وقد بيّن (صلّى الله عليه وآله) ذلك في قوله: «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»[17]، وكذلك القرآن الكريم، إذ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين﴾.

لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على هذه الدرجة من الاستعداد والكمال لتلقّي هذه المهمّة العظيمة والخطيرة، إذ إنّ مَن لا يتحلّى بأرقى درجات المكارم والفضائل لن يكون أهلاً لإتمامها وتعميمها؛ ولهذا فإنّ الله سبحانه يُخاطب رسوله (صلّى الله عليه وآله) في أوائل البعثة قائلاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[18].


[1] الضبع: وسط العضد أو الإبط.
[2] سورة العلق، الآيتان 1 - 2.
[3] التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام)، ص157.
[4] المُذقة: الشربة من اللبن الممذوق ( الممزوج بالماء).
[5] النُهزة: الفرصة.
[6]  القبسة: ما تقبضه بيدك، وتريد أنّهم كانوا ضعافاً مُهانين. قبسة العجلان: مثلٌ في الاستعجال.
[7] الطَّرق: الماء الذي خاضته الإبل، وبالت فيه وبعرت.
[8] القَدّ بالفتح: الجِلْدُ غيرُ المَدْبُوغ، كانوا يأكلونه في الجَدْبِ والمجاعة. وقيل: هو جِلْدٌ السَّخْلةِ والماعِزةِ. والقِدّ بالكسر: سَيْرٌ يُقْطَعُ من جِلْد غيرِ مَدْبُوغ.
[9] القاضي النعمان المغربيّ، شرح الأخبار، ج3، ص35.
[10] انظر: ابن ميثم البحرانيّ، شرح نهج البلاغة، ج4، ص299.
[11] سورة التكوير، الآيتان 8 - 9.
[12] خُباشاتُ العَيْشِ: ما يُتَناوَلُ من طَعامٍ أَو نحوِه.
[13] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص298، الخطبة 192.
[14] المصدر نفسه، ص47، الخطبة 2.
[15] الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، إنسان بعمر 250 سنة، ص34.
[16] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص298، الخطبة 192.
[17] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص382.
[18]  سورة القلم، الآية 4.

01-02-2024 | 08-59 د | 313 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net